دراسة فنلندية لمدة 8 سنوات: وقت الشاشة قد يعزز القدرات المعرفية للأطفال بشكل غير متوقع

عبد الكريم عوير

في تحدٍ صريح للاعتقادات الشائعة حول تأثيرات الشاشات على الأطفال، كشفت دراسة فنلندية طويلة الأمد استمرت ثماني سنوات عن نتائج مفاجئة قد تغير الطريقة التي ننظر بها إلى وقت الشاشة. فبينما يحذر الآباء والمعلمون باستمرار من مخاطر الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية، أظهرت هذه الدراسة أن الأطفال الذين قضوا وقتاً أطول أمام الشاشات أظهروا في مرحلة المراهقة قدرات معرفية أفضل في المعالجة الإدراكية (Cognitive Processing)، مما يفتح باباً جديداً لفهم العلاقة المعقدة بين التكنولوجيا ونمو الدماغ.

تتبع الباحثون الفنلنديون مجموعة من الأطفال على مدى ثماني سنوات، مراقبين عاداتهم في استخدام الشاشات منذ مرحلة الطفولة المبكرة وحتى المراهقة. وبدلاً من رصد تراجع في الأداء المعرفي كما كان متوقعاً، لاحظ العلماء تحسناً ملحوظاً في قدرات المعالجة المعرفية لدى المراهقين الذين كانوا أكثر استخداماً للشاشات. هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن جميع أنواع وقت الشاشة مفيدة، بل تشير إلى أن نوعية المحتوى والأنشطة التي يمارسها الأطفال على الأجهزة الإلكترونية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل تأثيرها على النمو العقلي.

يؤكد الباحثون أن المفتاح الحقيقي يكمن في التوازن بين النشاط البدني والأنشطة الشاشية التي تشجع على التعلم والإبداع والتفكير النشط. فالشاشات ليست جميعها متساوية في تأثيرها؛ فهناك فرق شاسع بين الاستهلاك السلبي للمحتوى مثل مشاهدة مقاطع الفيديو بلا هدف، وبين الأنشطة التفاعلية مثل الألعاب التعليمية والبرمجة والبحث العلمي والإبداع الرقمي. هذه الأنشطة الأخيرة تتطلب مستويات عالية من التركيز وحل المشكلات واتخاذ القرارات، وهي مهارات تُترجم إلى تحسينات في المعالجة المعرفية العامة.

من الناحية العلمية، يمكن تفسير هذه النتائج من خلال مفهوم المرونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل نفسه استجابة للتجارب والمحفزات الجديدة. عندما ينخرط الأطفال في أنشطة رقمية تتطلب التفكير النقدي والتخطيط والتفاعل، فإن مناطق معينة في الدماغ المسؤولة عن هذه الوظائف تتعزز وتتطور. كما أن التعرض المبكر للتكنولوجيا قد يساعد الأطفال على تطوير مهارات معرفية مهمة للعيش في عصر رقمي، مثل القدرة على معالجة المعلومات بسرعة والتنقل بين مهام متعددة بكفاءة.

تحمل هذه الدراسة رسالة مهمة للآباء والمربين: ليست المشكلة في وقت الشاشة بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه. بدلاً من فرض حظر تام على الأجهزة الإلكترونية، ينبغي التركيز على توجيه الأطفال نحو محتوى عالي الجودة يعزز التعلم والإبداع، مع ضمان ممارستهم للنشاط البدني المنتظم. التوازن هو المفتاح، فالشاشات يمكن أن تكون أداة قوية للنمو المعرفي عندما تُستخدم بحكمة وبطريقة هادفة، مما يعيد تشكيل فهمنا للعلاقة بين التكنولوجيا وتطور عقول الأطفال في القرن الحادي والعشرين.

المصدر: Science Daily


شارك المقالة
متابعة
مهندس وصحفي ... أعمل في الصحافة العلمية مؤسس ومدير مجلة نقطة العلمية