الإنسان… معادلة لا تكذب

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

تراكمت الهموم فوق رأسه حتى لم يعد يعرف أيُّها جاء أولًا، وأيُّها جاء أخيرًا؛ فقد اختلطت عليه الأشياء كما تختلط المواد في إناءٍ أُفرغت فيه بلا حساب: قليلٌ من الحزن، كثيرٌ من العناد، وجرعةٌ زائدة من «أنا»… ثم تُرك الخليط حتى بدأ يتفاعل وحده.

وفي الكيمياء، حين نخلط مواد مختلفة في إناء واحد، لا يمكن أن نتوقع منها أن تبقى كما كانت؛ فقد تبدأ بينها تفاعلات جديدة، وتتكون نواتج لم تكن موجودة في البداية. وهكذا الإنسان؛ بعض همومه لا تبقى همومًا، بل تتفاعل مع بعضها، فيتحول الحزن إلى غضب، والغضب إلى عناد، والعناد إلى قطيعة، ثم يأتي الندم في النهاية كأنه الناتج النهائي لتفاعلٍ أُجري بلا حساب.

شعر كأنه ورقة من شجرة قد اقتلعتها الريح من جذورها؛ لا تعرف إلى أين تحملها، ولا تسألها الريح أصلًا إن كانت تريد الذهاب. ورقةٌ في مهب الهواء، ترفعها نسمة، وتهوي بها عاصفة، حتى صار وجوده نفسه أشبه بمادة فقدت ثباتها، لا تمسكها رابطة، ولا يحكمها اتزان.

ولم يكن انهيار أركانه لأن الحياة ظلمته وحدها، ولا لأن الدنيا قررت فجأة أن تضعه في امتحانٍ بلا أسئلة؛ لكنه، ببساطة، لم يفهم الحياة في معناها الحقيقي.

فالحياة ليست ميدانًا دائمًا لإثبات القوة، وليست كل لحظة تحتاج إلى «عنتر» يشهر سيفه ويصيح: أنا هنا!

هناك أوقات يكون فيها أعظم انتصار أن تصمت.

والصمت ليس ضعفًا، كما يتخيل أصحاب الأنا المنتفخة؛ فالصمت في بعض المواقف يشبه الغازات النبيلة؛ مستقرة نسبيًا، ولا تدخل في تفاعلات كيميائية بسهولة. لا تطرق كل باب، ولا تتفاعل مع كل مادة، ولا تحتاج إلى أن تقول للمختبر كله: ” أنا موجود!”.

لكنه أخطأ حين ظن أن الحياة تحتاج إلى معارك متواصلة، فراح يصطنع الميادين هنا وهناك، ويبحث عن خصومٍ ليقاتلهم، حتى عندما لم يكن في الميدان أحد. كان يرفع راية عنترية لا تحتاجها المعركة، ويخوض حروبًا لم يطلبها أحد، ثم يعود إلى بيته منتصرًا في معركة من اختراعه… ومهزومًا في معركة الحياة الحقيقية.

وهنا تكمن المفارقة الكيميائية العجيبة: بعض المواد لا تحتاج إلى إضافة شيء حتى تتغير؛ يكفي أن تتعرض للهواء أو الرطوبة أو الحرارة.

خذ الحديد مثلًا.

لا يحتاج الحديد إلى عدوٍ يحمل مطرقة كي ينهار؛ يكفي أن تتركه للهواء والرطوبة، فيبدأ التآكل ببطء، حتى يتحول الحديد الصلب إلى أكاسيد وهيدروكسيدات هشة.

والمفارقة أن الصدأ لا يأتي عادةً بضربة واحدة؛ إنه تآكل صامت، بطيء، متدرج.

وهكذا كانت ” الأنا ” عنده.

لم تهدمه دفعة واحدة؛ بدأت صغيرة، ثم كبرت، ثم استقرت في داخله، حتى أصبحت مثل الصدأ: تأكل من الداخل بينما يبدو السطح للناس متماسكًا.

كبرت قليلًا، ثم كبرت أكثر، ثم بدأت تأكل صاحبها من الداخل. صنع لنفسه هالة من القوة الخاوية، وأقنع نفسه أن حسن التصرف هو أن يتصرف كما يريد، وأن الحزم هو أن يرفع صوته، وأن الرجولة هي ألا يتراجع، حتى عندما يكون التراجع هو عين الحكمة.

أما العاطفة، فقد ترك لها الباب مفتوحًا حتى تحولت من ماءٍ يروي القلب إلى حمضٍ يأكل جدرانه.

والحمض، لا يحتاج إلى أن يكون شريرًا حتى يكون خطرًا؛ يكفي أن يكون قويًا في المكان الخطأ.

وفي الكيمياء، حين يلتقي الحمض بقاعدة مناسبة يحدث التعادل:

حمض وقاعدة، كل منهما يحمل خصائصه، لكن عند ضبط النسبة يحدث التعادل وتتكون مواد أكثر استقرارًا.

وهكذا العقل والعاطفة.

العاطفة وحدها قد تحرق، والعقل وحده قد يجفّف القلب؛ أما حين يتعادلان، فقد يخرج الإنسان من التفاعل أكثر اتزانًا.

لكنه لم يعرف التعادل.

كان يضيف من العاطفة أكثر مما يحتمل الموقف، ومن الأنا أكثر مما يحتمل القلب، ومن العناد أكثر مما يحتمل العقل، ثم يتساءل لماذا ارتفعت حرارة التفاعل!

وهكذا تفاعلت المواد في داخله:

عنترية + أنا + عاطفة منفلتة + سوء تقدير ← مركب شديد الخطورة اسمه ” الندم ” .

والغريب أن هذا المركب لا يظهر في سن الشباب؛ ففي الشباب يستطيع الإنسان أن يضحك على نتائج تجاربه، ويقول: ” لسه العمر طويل ” .

أما عندما تقترب الشيخوخة، يبدأ دفتر الحساب في الظهور، وتبدأ المختبرات الداخلية في إجراء التحليل النهائي: ماذا صنعت؟ ماذا تركت؟ ماذا كسبت؟ ومن بقي معك بعد أن انتهت الضوضاء؟

كان يتخيل أن حصاد الرحلة سيكون مجدًا وراحةً ورضا، فإذا به يفتح مخزن العمر فيجد شيئًا آخر تمامًا: تعبًا متراكمًا، وألمًا قديمًا، وأبوابًا أغلقها بيده، وأشخاصًا خسرهم لأنه أراد أن ينتصر عليهم، وفرصًا مرت من جواره لأنه كان مشغولًا بإثبات أنه الأقوى.

ثم تكالبت عليه الظروف.

لكن الظروف، في الحقيقة، لم تكن وحدها التي تكالبت عليه؛ فقد تكالبت عليه أيضًا نتائج تفاعلاته القديمة.

وهذه إحدى القواعد القاسية في كيمياء الحياة: التفاعل لا يعيد المواد دائمًا إلى حالتها الأولى.

قد تتغير الصورة، وقد يختفي اللون، وقد يبدو المحلول صافيًا بعد فترة، لكن بعض النواتج تظل موجودة، وبعضها يترسب.

خذ مثلًا تفاعل تكوين كربونات الكالسيوم من كلوريد الكالسيوم وكربونات الصوديوم:

فما إن تتوافر الظروف المناسبة حتى يظهر الراسب الأبيض، كأن الكيمياء تقول لك: «كنت فاكر إن الموضوع خلص؟ انتظر قليلا… الراسب عندي في القاع!”.

وهكذا الإنسان.

قد يظن أن أخطاءه ذابت في ماء الأيام، وأن الكلمات انتهت بانتهاء لحظتها، وأن الخصومات أصبحت من الماضي، لكن بعض الأشياء لا تختفي؛ إنها فقط تنتظر ظروفًا مناسبة لكي تترسب.

كل كلمة قالها، وكل موقف اتخذه، وكل معركة أشعلها، وكل صمتٍ لم يصمته حين كان ينبغي أن يصمت، وكل عنترية مارسها خارج الميدان، تظل في قاع الروح، تنتظر لحظة الترسيب.

وعندما يبلغ الإنسان عتبة الشيخوخة، لا تعود الحياة بحاجة إلى أن تعاقبه؛ يكفي أن تتركه وحده مع نواتج تفاعلاته.

هناك، لا تنفع الهالة.

ولا ينفع الصوت المرتفع.

ولا تنفع بطولات المرايا.

فالمرايا كانت دائمًا كريمة معه؛ تعطيه صورته كما يحب أن يراها. أما الحياة فكانت أكثر صدقًا، لأنها تعطيه صورته كما هي.

وربما كان الدرس الذي تأخر كثيرًا هو أن القوة ليست أن تدخل كل معركة، بل أن تعرف أي معركة تستحق أن تدخلها.

فالطبيعة نفسها لا تعرف العناد المطلق؛ ففي التفاعلات العكسية يوجد الاتزان الكيميائي. التفاعل الأمامي يمضي، والتفاعل العكسي يعمل في الاتجاه الآخر، حتى يصل النظام إلى حالة من الاتزان الديناميكي.

وهكذا الإنسان الناضج.

لا يمضي دائمًا إلى الأمام لمجرد أن الرجوع ممنوع، ولا يتراجع دائمًا خوفًا من المواجهة؛ وإنما يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يتكلم ومتى يصمت.

أما “الأنا” إذا زادت عن حدها، فأصبحت كزيادة تركيز مادة في محلول؛ قد ترفع شدة التفاعل حتى يصبح خطرًا.

وأن العاطفة، مهما كانت صادقة، إذا انفلتت من عقلها أصبحت كيمياءً بلا ضابط.

وأن الإنسان لا يسقط فجأة؛ أحيانًا يقضي سنوات طويلة في بناء السقوط، ثم يأتي يومٌ واحد فقط ليكشف النتيجة.

في الكيمياء الفكرية، لا يُقاس نضج الإنسان بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد المعارك التي أدرك أنها لا تستحق أن يخوضها.

فليس كل من صاح بطلًا، ولا كل من صمت مهزومًا.

فبعض الصمت حكمة، وبعض الكلام ضوضاء، وبعض المعارك انتصارها الحقيقي أن تتركها لأصحابها.

أما عنترية الأنا، فدعها في الميدان…

فالحياة ، ليست مسرحًا للعنترة؛ إنها معمل كبير، وكل واحدٍ منا في النهاية سيجلس أمام أنبوب الاختبار الخاص به، ثم يكتشف أن السؤال لم يكن:

“كم مرة انتصرت؟”

بل:

“ماذا أنتجت تفاعلاتك؟”

وعندها فقط، لن تستطيع أن تلقي اللوم على درجة الحرارة، ولا على الضغط، ولا على الوسط، ولا حتى على الظروف…

فأنت كنت جزءًا من المعادلة منذ البداية.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51