كثيرًا ما نفتقد أهمَّ حلقةٍ في أي منظومة؛ حلقةً إذا غابت، غابت معها العدالة، واتسعت في غيابها مساحات الظلمة، ووجدت المحسوبية لنفسها مقعدًا وثيرًا على مائدة القرار. والأخطر من ذلك أن تتحول هذه الحلقة المفقودة إلى فرصةٍ لمن يظنون أن الناس جميعًا بلهاء، وأن أحدًا لا يرى، ولا يفهم، ولا يسأل: لماذا؟
وهنا تبدأ الحكاية.
تتعثر ناقة الحق في طريقٍ وعر، ليس لأن الطريق خُلق وعرًا، ولكن لأن أيدي الاستغلال، وسوء الفهم، والخوف من التغيير، ومقولة “هذا ما وجدنا عليه آباءنا” قد جعلت من الطريق وعرًا، ثم أقنعت القافلة أن العثرة جزءٌ من طبيعة الطريق!
ويمضي الركب.
يتكرر الخطأ حتى يصبح عادة، وتصبح العادة عرفًا، ويصبح العرف قانونًا غير مكتوب، ثم يأتي من يكتبه في النهاية وكأنه اكتشف الحقيقة بعد بحثٍ مضنٍ!
وفي الكيمياء، لو كررتَ الخطأ نفسه في التجربة ألف مرة، فلن يتحول الخطأ إلى قانون علمي؛ سيظل خطأً، ولو صفق له المختبر كله.
فالنتيجة الكيميائية لا تعرف المجاملة.
إذا وضعتَ مادةً في وسطٍ غير مناسب، فلن تقول لك الجزيئات: ” حاضر يا فندم، سنعطيك النتيجة التي تريدها احترامًا لمقامك الإداري!” بل ستتفاعل وفق قوانينها. وإذا اختلَّت درجة الحرارة، أو تغير الرقم الهيدروجيني، أو غاب العامل الحفاز، تغيّر مسار التفاعل، مهما كانت روعة صياغة الخطة المكتوبة على الورق.
وهنا تكمن الحلقة المفقودة.
ليست المشكلة دائمًا في القانون، ولا في اللائحة، ولا في الاستراتيجية، ولا حتى في الهدف. فكثير من القوانين جميلةٌ عند صياغتها، براقةٌ عند عرضها، عظيمةٌ عند الحديث عن فلسفتها وأهدافها. ولكن ما إن تغادر الورق وتصل إلى أرض الواقع، حتى تدخل إلى مختبرٍ آخر، مختبرٍ اسمه: التنفيذ.
وهناك تبدأ الكارثة.
فالقانون قد يكون مثل معادلة كيميائية موزونة بدقة:
المتطلبات + الإجراءات + المسؤوليات ←النتيجة المستهدفة.
لكن إذا كان القائم على التنفيذ لا يعرف لماذا يفعل، وإنما يعرف فقط أنه “مأمور أن يفعل”، فقد تتحول المعادلة إلى تفاعلٍ جانبي لا علاقة له بالناتج المطلوب.
وهنا أرى ابتسامة صلاح جاهين من بعيد، وكأنه يقول لنا، على طريقته الساخرة:
” قالوا له نفّذ، قال حاضر يا جماعة
قلت له: فاهم؟ قال: دي مش شغالة! “
فالمشكلة ليست في الطاعة وحدها، وإنما في الطاعة بلا وعي.
أن تنفذ وأنت تفهم، فهذا انضباط.
أما أن تنفذ لأن أحدًا قال لك ” افعل”، ثم إذا سُئلت “لماذا؟”، قلت: ” هكذا وجدنا آباءنا يفعلون”، فهذه ليست منظومة؛ هذه عينة محفوظة في الفورمالين منذ عشرات السنين!
وعلى الجانب الأخر، والأغرب فى نفس الوقت، أن بعض الناس يملكون من العنترية ما يكفي لفتح معركة مع الحقيقة، ولا يملكون من الإرادة ما يكفي لفتح نافذة في عقولهم.
عنتريةٌ بلا إرادة، وصوتٌ عالٍ بلا وعي، وثقةٌ كاملة في شيءٍ لم يُفهم أصلًا.
وفي الكيمياء الفكرية، هذه الحالة يمكن تسميتها ” تفاعل الجمود الذاتي“: مادةٌ لا تتفاعل لأنها لا تريد أن تتفاعل، وعقلٌ لا يتغير لأنه قرر مسبقًا أن التغيير خطر، حتى لو كان التغيير هو الطريق الوحيد للنجاة.
ولذلك فإن أخطر ما يصيب أي منظومة ليس فساد النص، وإنما فساد آلية انتقال النص إلى الفعل.
فقد يكون لدينا قانون ممتاز، لكن آلية تنفيذه ضعيفة.
وقد تكون لدينا استراتيجية عظيمة، لكن أدوات تنفيذها عاجزة.
وقد تكون لدينا أهداف نبيلة، لكن من يحملها إلى أرض الواقع لا يمتلك الوعي الكافي لفهمها.
وهنا تصبح المنظومة مثل تفاعلٍ كيميائي يحتوي جميع المواد المطلوبة، لكنه يفتقد العامل الحفاز.
كل شيء موجود.
ولا شيء يحدث.
وفي الكيمياء، قد تكون طاقة التنشيط هي الحاجز الوحيد بين المواد وبين التفاعل. فإذا لم يوجد العامل المناسب لخفض هذا الحاجز، ظلت المواد متجاورة، تنظر إحداها إلى الأخرى في صمت، وكأنها تقول:
” إحنا مستنيين حد يبدأ!”
هذا ما يحدث بالضبط في بعض المنظومات البشرية: القانون موجود، واللوائح موجودة، والأهداف موجودة، والموظفون موجودون، والاجتماعات موجودة، والقرارات موجودة، والتوقيعات موجودة… إلا النتيجة!
كل شيء حاضر، والنتيجة غائبة.
فأين الحلقة؟
إنها حلقة الوعي والإدراك.
الوعي الذي يجعل الإنسان يفهم قبل أن ينفذ، ويسأل قبل أن يقرر، ويميز بين النص وروحه، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الالتزام الحقيقي والترديد الآلي.
ولعل المفارقة الكبرى أننا أحيانًا نعجز عن محاكاة كائنات لا تملك عقل الإنسان، لكنها تنفذ قوانينها بدقة مذهلة.
انظر إلى الخلية.
لا تجلس الخلية كل صباح لتناقش: هل سنلتزم اليوم بقانون الاتزان الداخلي أم نؤجله إلى الأسبوع القادم؟
ولا تعقد الإنزيمات اجتماعًا طارئًا لتقرر إن كانت ستعمل وفق آلية الارتباط بالمادة الركيزة أم ستنتظر تعليمات جديدة!
كل شيء يتحرك وفق منظومة دقيقة.
وحتى البلورة، وهي جماد لا يعقل ولا يدرك، تنتظم ذراتها وفق قوانينها، فتتشكل بنيتها المميزة. ولو أخطأت ذرةٌ مكانها، فإنها لا تقول: “هذا ما تعودنا عليه”، وإنما يفرض نظامها نفسه عليها.
يا للعجب!
جمادٌ يلتزم بالقانون، وكائنٌ عاقلٌ يبحث عن ثغرةٍ في القانون!
وهنا تبلغ الكيمياء الفكرية ذروتها:
إذا كانت الطبيعة، التي لا تتكلم، لا تكذب في تنفيذ قوانينها؛ وإذا كانت الذرات، التي لا تعقل، لا تتحايل على نتائج تفاعلاتها؛ وإذا كانت الخلايا، التي لا تملك لسانًا، تؤدي وظائفها وفق منظومة دقيقة؛ فكيف يستطيع الإنسان أن يملك العقل، ثم يختار أن يستخدمه فقط لإثبات أنه لا يحتاج إلى استخدامه؟
إن الحلقة المفقودة ليست دائمًا شخصًا.
قد تكون وعيًا.
وقد تكون مسؤولية.
وقد تكون آلية تنفيذ.
وقد تكون قدرةً على قراءة القانون لا مجرد ترديد نصه.
وقد تكون شجاعة الاعتراف بأن ما اعتدناه ليس بالضرورة صحيحًا.
فليس كل قديمٍ حكيمًا، وليس كل مألوفٍ صحيحًا، وليس كل ما فعله الآباء يجب أن نفعله نحن، وإلا لما كانت هناك حضارة، ولا علم، ولا اكتشاف، ولا ثورة معرفية.
ولو قال العلماء: “هذا ما وجدنا عليه من قبل”، لبقيت الكيمياء تبحث عن حجر الفلاسفة حتى يومنا هذا!
إن العلم كله قائم على اكتشاف الحلقة التي لم نكن نراها.
وفي الكيمياء، قد يكون الفرق بين مادةٍ خاملة وتفاعلٍ مذهل هو قطرةً من محفز.
وفي الحياة، قد يكون الفرق بين منظومةٍ عادلة ومنظومةٍ مختلة هو إنسانٌ واحدٌ يمتلك الوعي، ويفهم دوره، ويملك الشجاعة ليقول: هنا خطأ.
وهنا تبدأ محنة صاحب الحظ السيئ.
ذلك الذي يترجل أمام ناقة الحق، لا ليوقفها، وإنما ليقول للقافلة: “الطريق خطأ”.
فبدلًا من أن يُسمع صوته، قد يجد نفسه وقد أُلقي به في مستنقعٍ سحيق، مظلم، عفن، لأن بعض القافلة لا تريد أن ترى الخطأ؛ فهي اعتادت عليه حتى صار جزءًا من راحتها النفسية.
وفي الكيمياء الفكرية، هذا أخطر أنواع التلوث: تلوث الإدراك.
فإذا تلوث العقل، لم تعد المشكلة في المادة الخام، وإنما في المختبر كله.
والأسوأ أن الإنسان قد يتعايش مع التلوث حتى يصبح الهواء النقي بالنسبة إليه رائحةً غريبة!
وهكذا تمتلئ حياتنا بالحلقات المفقودة.
نبحث عن الحلول الكبرى، بينما نفتقد أبسط شروط التنفيذ.
نكتب القوانين، وننسى الإنسان الذي سينفذها.
نضع الاستراتيجيات، وننسى الأدوات التي ستحولها إلى واقع.
نتحدث عن التطوير، ونخاف من أول خطوة فيه.
نطالب بالانضباط، ونترك الوعي خارج قاعة الاجتماع.
ثم نتساءل بعد ذلك، بكل براءةٍ كيميائية:
لماذا لم يحدث التفاعل؟
والإجابة بسيطة:
لأننا وضعنا كل المواد في الوعاء، ثم نسينا العامل الحفاز.
نسينا الوعي.
نسينا الفهم.
نسينا أن التنفيذ ليس نهاية القانون، بل هو اختباره الحقيقي.
فالمنظومة لا تُقاس بجمال ما كتبته، وإنما بما استطاعت أن تحوله من كلمات إلى أثر.
وما أكثر المنظومات التي تبدو في الأوراق كأنها ذهبٌ خالص، فإذا دخلت مختبر التنفيذ خرجت لنا رواسب لا تصلح إلا للتأمل!
وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا، لا الآخرين:
أين الحلقة المفقودة في حياتنا؟
هل فقدنا حلقة الوعي؟
أم حلقة المسؤولية؟
أم حلقة الشجاعة؟
أم حلقة التنفيذ؟
أم أننا فقدنا كل هذا، ثم جلسنا نبحث عن الحلقة المفقودة في المكان الخطأ؟
لعل أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يصبح جزءًا من منظومةٍ لا يفهمها، ثم يدافع عنها لمجرد أنه أصبح جزءًا منها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث له أن يستعيد عقله، فيرى ما لم يكن يراه، ويسأل عما لم يكن يُسأل، ويضع إصبعه على موضع الخلل، لا ليهدم المنظومة، وإنما ليعيد إليها اتزانها.
ففي الكيمياء، لا يعني كشف الخلل إفساد التفاعل؛ بل قد يكون هو الخطوة الأولى لإنقاذه.
وفي الحياة، ليست المشكلة أن نكتشف أن لدينا حلقةً مفقودة.
المشكلة الحقيقية أن نعرف أنها مفقودة، ثم نواصل الحياة وكأنها موجودة.
وهنا، ربما لا نحتاج إلى منظومةٍ جديدة بقدر ما نحتاج إلى استعادة الحلقة التي ضاعت:
حلقة الوعي.
فإذا عاد الوعي، عاد الفهم.
وإذا عاد الفهم، صلح التنفيذ.
وإذا صلح التنفيذ، استقام القانون.
وإذا استقام القانون، اقتربت العدالة.
وعندها فقط تستطيع ناقة الحق أن تمضي في طريقها، لا لأن الطريق أصبح بلا عثرات، ولكن لأن القافلة أخيرًا تعلمت كيف ترى الطريق.
أما من ظل يصرخ من خلفها:
“هذا ما عهدنا عليه آباءنا!”
فليطمئن…
الكيمياء لا تعترف بالعادات، والطبيعة لا تجامل أحدًا، والقافلة لا تتوقف لأن أحدًا لم يفهم إلى أين تسير.
وإن كان لا بد من خاتمةٍ على طريقة الكيمياء الفكرية:
كل منظومةٍ بلا وعي… تفاعلٌ مؤجل.
وكل قانونٍ بلا تنفيذ… معادلةٌ على الورق.
وكل تنفيذٍ بلا فهم… تفاعلٌ جانبي.
أما حين يلتقي القانون بالوعي، والوعي بالفعل، يتحول النص إلى أثر.
وهنا فقط تبدأ الكيمياء الحقيقية.



