أحمد سليمان.. عالم ناسا المصري الذي رفع علم بلاده في أبعد بقعة على الأرض

شهد عبد القادر عبدو محمد

قصة أحمد سليمان، عالم ناسا المصري الذي خرج من مدرسة حكومية متواضعة في شبرا الخيمة، ليصبح أوّل عربي يشارك في فريق «بايسيب كيك» الباحث عن موجات الجاذبية البدائية من القطب الجنوبي، حيث يحاول حلّ أحد أعمق ألغاز نشأة الكون.

في أبعد بقعةٍ على وجه الأرض، حيث تصل الحرارة إلى ٥٨ درجة مئوية تحت الصفر، وحيث يدوم النهار شهوراً بلا ليل، يقف شابٌّ مصريٌّ ويرفع علم بلاده. اسمه أحمد سليمان، وهو أوّل مصريٍّ وعربيٍّ يصل إلى القطب الجنوبي ضمن فريقٍ علميٍّ يبحث في أعمق سؤالٍ يمكن أن يطرحه الإنسان: كيف وُلد الكون؟ هذه قصة الفتى الذي خرج من مدرسةٍ حكومية متواضعة بشبرا الخيمة، ليصبح جزءاً من أحد أهمّ المشاريع العلمية في تاريخ البشرية.

من هو أحمد سليمان؟ من مدرسة حكومية بإمكانيات «صفر»

وُلد أحمد سليمان ونشأ في منطقة بهتيم بشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية شمال القاهرة. درس في مدرسةٍ حكومية متواضعة، وهو القائل بصراحةٍ مؤثّرة: «تعليمي حكومي، وإمكانياتي كانت صفراً بالنسبة لأحلامي». لكنّ هذا «الصفر» لم يمنعه من التفوّق. تخرّج في كلية هندسة شبرا بجامعة بنها من قسم الاتصالات والإلكترونيات، ثم نال الماجستير من كلية الهندسة بجامعة عين شمس.

بدأت رحلته مليئةً بالعقبات. عُيّن أوّلاً في وزارة الكهرباء، لكنّه حين حاول تطبيق أبحاثٍ علمية داخل محطة كهرباء، رُفض طلبه بحجّة أنه «موظف لا مجال له للبحث»، فاستقال. تقدّم بطلباتٍ لعدد من الجامعات الأمريكية الكبرى عام ٢٠١٠، فرُفض في كلّ مرة. لم يستسلم، بل عمل مساعد باحثٍ في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا عام ٢٠١٥، تحت إشراف العالم المصري الراحل أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل.

أحمد زويل: النصيحة التي غيّرت مساره

كان للقاء أحمد زويل أثرٌ حاسم في حياة سليمان. ففي عام ٢٠١٥، قُبل باحثَ دكتوراه في جامعة كالتك (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا) — إحدى أرقى الجامعات العلمية في العالم، وحيث كان زويل أستاذاً. عاش سليمان قرب زويل لمدة عامين قبل وفاة الأخير، وتأثّر به عميقاً.

“أهمّ نصيحة قالها لي زويل هي أن أركّز على الشقّ العلمي والهدف من وراء تصميم محطات الرصد. تلك النصيحة غيّرت مساري البحثي تماماً، من هندسة الاتصالات والإلكترونيات إلى دراسة فيزياء الفضاء والكون.”

بهذه النصيحة، تحوّل سليمان من مهندس اتصالاتٍ إلى فيزيائيٍّ كوني. نال الماجستير للمرة الثانية من كالتك، وأكمل أبحاثه في قسم الهندسة وتطبيقات العلوم. وكانت أطروحة الدكتوراه التي أعدّها عن تصميم وتطوير التكنولوجيا المستخدمة في تلسكوب كالتك وناسا ونقله إلى القطب الجنوبي.

بايسيب كيك: البحث عن صدى الانفجار العظيم

اليوم، يعمل سليمان عضواً في الفريق التعاوني العالمي «بايسيب كيك» (BICEP/Keck) — وهو تعاونٌ علميٌّ ضخم يجمع بين جامعة كالتك، ووكالة ناسا، وجامعتَي هارفارد وستانفورد ومينيسوتا. هدف الفريق طموحٌ إلى حدّ الدوار: البحث عن «موجات الجاذبية البدائية»، تلك الموجات المتوقّع أنها تولّدت في اللحظات الأولى من عمر الكون، خلال «التضخّم الكوني» الذي حدث بعد جزءٍ من الثانية من الانفجار العظيم قبل ١٣.٨ مليار سنة.

ولماذا القطب الجنوبي تحديداً؟ لأنّ أجواءه الجافة والباردة والمستقرّة هي الأفضل على الأرض لرصد الإشعاع الكوني الميكروي الخلفي — وهو أقدم ضوءٍ في الكون، بقايا حرارة الانفجار العظيم. يعمل سليمان وفريقه على تطوير هوائيات استشعار فائقة الحساسية قادرة على التقاط أضعف الموجات الكهرومغناطيسية القادمة من فجر الزمن. وإن نجحوا في رصد هذه الموجات، فسيكون ذلك أحد أعظم الاكتشافات في تاريخ الفيزياء.

“أهمية هذه الموجات أنها تجيبنا عن أسئلة كثيرة: كيف كان أوّل العناصر الأساسية، وأوّل ذرّة، وكيف تتابع بعدها تكوين بقية الذرّات المتداخلة في تكوين كل شيءٍ حولنا من نجومٍ وكواكب.”

نهارٌ دائم وحرارة ٥٨ تحت الصفر

العمل في القطب الجنوبي ليس مهمةً عادية. يقضي سليمان هناك ساعاتٍ طويلة في ظروفٍ قاسية، حيث تصل الحرارة إلى ٥٨ درجة مئوية تحت الصفر، ويدوم النهار شهوراً متواصلة دون ليل. وهو يصف نفسه بأنه يعمل من ١١ إلى ١٦ ساعة يومياً، بهدفٍ معلن لا يخفيه: الوصول إلى جائزة نوبل.

وتقديراً لأبحاثه واكتشافاته، حصل سليمان وفريقه على ميدالية الولايات المتحدة من مركز البحوث الأمريكي بالتعاون مع وزارة الدفاع، ونُشرت أبحاثه في كبرى المجلات العلمية المتخصّصة في الفيزياء. لكنّ ما يفخر به أكثر من الميداليات، كما يقول، هو أنه رفع علم مصر في أبعد مكانٍ على الأرض، بوصفه العربي الوحيد في فريق المهمة.

خاتمة: من «الصفر» إلى فجر الكون

قصّة أحمد سليمان ليست قصة عبقريّةٍ فطرية، بل قصة إصرارٍ لا ينكسر. فتىً من مدرسةٍ حكومية بإمكانيات «صفر»، رُفض في كل الجامعات التي تقدّم إليها، واصطدم بالبيروقراطية في وطنه، لكنّه لم يتوقّف. اليوم، يقف في أبعد بقعةٍ على الأرض، يبحث عن أقدم ضوءٍ في الكون، ويحاول أن يقرأ الرسالة التي تركها الانفجار العظيم قبل ١٣.٨ مليار سنة.

يستلهم سليمان من شخصياتٍ عربية كثيرة، من العالم مصطفى السيد إلى المفكّر مصطفى محمود إلى الأديب نجيب محفوظ. وربما يكون الدرس الأهمّ في حكايته أنّ المسافة بين مدرسةٍ حكومية في شبرا الخيمة وأبعد نقطةٍ على الأرض ليست مستحيلة — تحتاج فقط إلى حلمٍ أكبر من الظروف، وإصرارٍ لا يعرف كلمة «مستحيل». إنه واحدٌ من العرب الذين يثبتون كل يوم أنّ العقل العربي، حين يصرّ، يستطيع أن يصل إلى فجر الكون نفسه.

أبرز المصادر

  • حوار الجزيرة نت (نوفمبر ٢٠٢١) — «الباحث المصري أحمد سليمان الباحث عن موجات الجاذبية التضخمية في القطب الجنوبي».
  • حوار بوابة الأهرام (يوليو ٢٠٢٢) — «على خطى زويل: أحمد سليمان أوّل مصري يشارك في أبحاث القطب الجنوبي».
  • حوار الأهرام اليومي (يوليو ٢٠٢٢) — حول مشروع رصد نشأة الكون وعلاقته بأحمد زويل.
  • Nature Middle East (سبتمبر ٢٠٢٣) — «أحمد سليمان: الانطلاق من آخر بقعة على ظهر الأرض».
  • الوطن وسكاي نيوز عربية والمصري اليوم (٢٠٢١–٢٠٢٣) — ميدالية الولايات المتحدة وسيرته العلمية.

شارك المقالة