في ليلةٍ ساكنة من ليالي مملكة الكيمياء، حين كانت الذرات تستقر في مداراتها، والأيونات تتجول بين المحاليل في هدوء، صدر مرسومٌ عاجل من قصر الجدول الدوري:
” على جميع الغازات الأحد عشر الحضور إلى قاعة التفاعل الكبرى؛ فثمة أمرٌ جلل ينبغي مناقشته.”
كان أول الواصلين هو الهيدروجين.
دخل خفيفًا سريعًا، حتى إن حارس القاعة لم يكَد يراه.
قال الحارس متعجبًا:
– كيف دخلت دون أن أشعر بك؟
ابتسم الهيدروجين وقال:
– تلك إحدى خصائصي… فأنا أخف العناصر، ومع ذلك قد أحمل من الطاقة ما يفوق ما يتوقعه كثيرون من حجمي الصغير.
ولم تمضِ لحظات حتى وصل النيتروجين.
كان هادئ الخطى، قليل الكلام، لا يلتفت إلى الضجيج من حوله.
قال له الهيدروجين:
– ما لك لا تتحرك كثيرًا؟ ألا تحب التفاعل؟
أجابه النيتروجين:
– ليس كل هدوءٍ عجزًا عن الحركة. أنا أملأ معظم الهواء من حولكم، ومع ذلك لا أتعجل الدخول في التفاعلات. أختار الظروف المناسبة، وعندما تتوافر، أصبح أساسًا لمركبات مهمة، ومنها ما يرتبط بالزراعة وإنتاج الغذاء.
ابتسم الهيدروجين وقال:
– يبدو أنك تؤمن بأن التفاعل الجيد يحتاج إلى توقيت جيد.
قال النيتروجين:
– بل إلى شروط جيدة أيضًا.
وقبل أن يستمر الحوار، دخل الأكسجين.
كان أكثر حيوية، يتحرك بين الحاضرين وكأنه يريد أن يعرف كل شيء.
قال له النيتروجين:
– تمهّل قليلًا، فنحن في اجتماع.
أجاب الأكسجين:
– لا أستطيع أن أكون غير ذلك؛ فأنا ضروري للتنفس، وأساعد كذلك على الاحتراق.
قال الهيدروجين مبتسمًا:
– وهذه هي المشكلة في الأشياء القوية؛ فقد تمنح الحياة، وقد تساعد على إشعال النار، بحسب السياق والكمية والظروف.
نظر الأكسجين إليه وقال:
– لست مسؤولًا عن سوء استخدام الآخرين لي!
فضحك النيتروجين:
– تلك الجملة تصلح عنوانًا لكثير من مشكلات البشر.
ثم دخل الفلور.
وما إن ظهر عند الباب حتى ابتعد بعض الحاضرين قليلًا.
نظر إليهم وقال:
– لماذا تنظرون إليّ بهذه الطريقة؟
قال الأرجون، وكان قد وصل منذ قليل:
– لا شيء… نحن فقط نترك بيننا وبينك مسافةً من الاحترام العلمي.
ضحك الفلور وقال:
– وأنا من أكثر العناصر نشاطًا، ولذلك فإن التعامل معي يحتاج إلى معرفة وضبط.
فقال الهيدروجين:
– ما أكثر الذين يشبهونك في مملكة البشر؛ شديدو النشاط، ولكنهم ينسون أن النشاط وحده لا يصنع الحكمة.
ثم دخل الكلور.
كان يحمل معه تاريخًا طويلًا من الاستخدامات الصناعية، ومن بينها تطهير المياه وصناعة مواد مهمة.
قال الأكسجين:
– يبدو أنك لا تقل نشاطًا عن الفلور.
أجاب الكلور:
– النشاط ليس المشكلة؛ المشكلة هي أن يظن المرء أن القوة تعفيه من المسؤولية.
وهنا رفع الأرجون رأسه وقال:
– هذه أول جملة عاقلة سمعتها منذ بداية الاجتماع.
فضحك الجميع.
وبذلك اكتملت مجموعة الغازات النشطة:
الهيدروجين، والنيتروجين، والأكسجين، والفلور، والكلور.
خمسة غازات يمكنها الدخول في تفاعلات مختلفة، ولكن لكل منها طبيعتها وشروطها وحدودها.
ثم التفت الجميع إلى الجانب الآخر من القاعة.
كان هناك ستة غازات تجلس في هدوء شديد:
الهيليوم، والنيون، والأرجون، والكريبتون، والزينون، والرادون.
قال الهيدروجين:
– ولماذا أنتم صامتون إلى هذا الحد؟
أجاب الهيليوم:
– لأننا لا نميل إلى الدخول في التفاعلات بسهولة.
قال الهيدروجين:
– أهذا خوف؟
ابتسم الأرجون وقال:
– بل استقرار.
قال الهيدروجين ساخرًا:
– يبدو أن الخمول في مملكتكم يحمل أسماءً أنيقة!
أجابه الأرجون:
– ليس كل من لا يتدخل في كل شيء خاملًا. أحيانًا يكون عدم التدخل هو عين الحكمة.
قال النيون:
– وأنا لا أدخل التفاعلات بسهولة، لكنني أضيء في أنابيب التفريغ الكهربائي، وأُستخدم في اللافتات المضيئة.
قال الكريبتون:
– ولي استخدامات في تقنيات الإضاءة وغيرها.
وأضاف الزينون:
– وأنا أيضًا لي تطبيقات في الإضاءة وبعض التقنيات العلمية.
نظر الهيدروجين إليهم متعجبًا:
– إذن أنتم لا تتفاعلون كثيرًا، ومع ذلك لكل واحد منكم وظيفة؟
قال الأرجون:
– وهذا هو الدرس الذي لم تفهمه بعد.
ثم جاء دور الرادون.
كان أكثرهم هدوءًا، لكنه لم يكن أكثرهم أمانًا.
سأله الأكسجين:
– وأنت؟ ما قصتك؟
قال الرادون:
– أنا غاز نبيل، لكنني مشع، ولذلك فإن وجودي في الأماكن المغلقة وتركيزه فيها يحتاج إلى اهتمام وحذر.
ساد الصمت.
قال النيتروجين:
– إذن حتى كلمة ” نبيل” لا تعني بالضرورة ” آمن”.
قال الرادون:
– في الكيمياء، لا تحكم على المادة من اسمها؛ انظر إلى خواصها، وتركيزها، وظروف وجودها.
عندها دخل كبير حكماء مملكة الكيمياء.
كان يحمل في يده لوحًا كتب عليه سؤال واحد:
” من منكم أهم؟”
ارتفعت الأصوات.
قال الهيدروجين:
– أنا أخف العناصر، ولي طاقة كبيرة.
وقال الأكسجين:
– وأنا أساس التنفس.
وقال النيتروجين:
– وأنا المكوّن الأكبر للهواء.
وقال الفلور:
– وأنا شديد النشاط.
وقال الكلور:
– ولي استخدامات واسعة في تطهير المياه والصناعة.
أما الغازات النبيلة فبقيت صامتة.
ابتسم الحكيم وقال:
– لقد وقعتم جميعًا في الخطأ نفسه.
سألوه:
– وما الخطأ؟
قال:
– أنكم تبحثون عن القيمة في المقارنة، بينما الكيمياء تبحث عنها في الدور.
ثم أضاف:
– لا تسألوا: من الأفضل؟
اسألوا: ما الذي يحدث عندما تتوافر شروط التفاعل؟
اقترب من الهيدروجين والأكسجين، وقال:
– أنتما مثال واضح. حين تتوافر الظروف المناسبة يمكن أن ينتج عن تفاعلكما الماء.
ثم التفت إلى النيتروجين:
– وأنت، رغم هدوئك النسبي، عنصر أساسي في مركبات مهمة للحياة والزراعة.
ثم نظر إلى الغازات النبيلة:
– وأنتم، رغم قلة تفاعلكم، لستم بلا قيمة. إن استقراركم ذاته هو الذي يمنحكم تطبيقات مهمة.
ثم ساد الصمت.
وقال الحكيم:
– هذه هي الكيمياء.
ثم ابتسم وأضاف:
– وهذه أيضًا هي الكيمياء الفكرية.
نظر الجميع إليه.
قال:
– الإنسان، مثل المادة، لا يعيش خارج التفاعل. كل كلمة يسمعها، وكل موقف يمر به، وكل شخص يلتقيه، يمكن أن يصبح جزءًا من تفاعل داخلي.
قد يدخل الإنسان موقفًا غاضبًا، فيخرج منه أكثر غضبًا.
وقد يدخل الموقف نفسه، فيخرج أكثر حكمة.
قد يسمع كلمةً جارحة، فيحوّلها إلى خصومة.
وقد يسمعها فيحوّلها إلى درس.
المادة واحدة، ولكن الناتج يتغير بتغير شروط التفاعل.
رفع الهيدروجين يده وقال:
– وهل يعني ذلك أن علينا أن نتجنب التفاعل؟
أجاب الحكيم:
– كلا.
ثم أضاف:
– ولكن لا تدخل كل تفاعل لمجرد أنه متاح.
فبعض التفاعلات تحتاج إلى حرارة.
وبعضها يحتاج إلى ضغط.
وبعضها يحتاج إلى عامل حفاز.
وبعضها لا ينبغي أن يحدث أصلًا.
وهنا ابتسم الأرجون وقال:
– يبدو أن الإنسان يحتاج إلى جدول دوري خاص به.
ضحك الحكيم وقال:
– بل يحتاج إلى شيء أهم من الجدول الدوري.
– وما هو؟
– أن يعرف خواصه قبل أن يدخل التفاعل.
ثم كتب على اللوح:
النشاط ليس فضيلةً في ذاته.
والخمول ليس عيبًا في ذاته.
القيمة في النتيجة.
وأضاف:
– قد يكون الإنسان شديد النشاط، لكنه لا ينتج إلا الفوضى.
وقد يكون قليل الكلام والحركة، لكنه يترك أثرًا لا يزول.
وقد يكون سريع الغضب، فيدخل عشرات التفاعلات في اليوم، ثم يقضي بقية عمره في محاولة التخلص من نواتجها.
ضحك الهيدروجين.
وقال:
– يبدو أن بعض البشر يحتاجون إلى عامل حفاز اسمه «التروي».
قال الحكيم:
– وبعضهم يحتاج إلى مثبط للتسرع.
وقال الأرجون:
– وبعضهم يحتاج إلى شيء يمنعه من التفاعل مع كل ما يسمعه!
فضحك الجميع.
ثم وقف الحكيم، وقال:
– تذكروا القاعدة الأخيرة:
في المختبر، لا قيمة لتفاعل لا نعرف ناتجه.
وفي الحياة، لا تدخل تفاعلًا لا تعرف ماذا يمكن أن يصنع منك.
خرجت الغازات من القاعة واحدًا بعد الآخر.
تحرك الهيدروجين سريعًا.
وسار النيتروجين في هدوئه المعتاد.
وتقدم الأكسجين بخطوات نشطة.
وغادر الفلور والكلور بحذر.
أما الغازات النبيلة فخرجت كما دخلت: في صمت.
لكن النيون بقي مضيئًا للحظات عند باب القاعة.
نظر الحكيم إليه وقال:
– حتى الصامتون يتركون أثرًا.
ثم أُغلقت أبواب المملكة.
وبقي السؤال معلقًا في الهواء:
حين تدخل أنت في تفاعل مع الحياة… ماذا يكون ناتجك؟
فربما لم تكن المشكلة يومًا في عدد المرات التي تفاعلنا فيها…
بل في ما أصبحنا عليه بعد كل تفاعل.
وهذه هي الكيمياء حين تغادر المعمل…
وتدخل الإنسان.



