حين تصبح العقوبة تفاعلًا نادرًا

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في مملكة الكيمياء، لم تكن كلُّ العناصر سواء؛ فهناك عناصر إذا دخلت في التفاعل أعلنت عن نفسها بلا مواربة، وأخرى تتخفّى طويلًا، حتى يظنّها الناظر مستقرة، وهي في الحقيقة تنتظر اللحظة التي تنفلت فيها من قيدها.

وفي أحد أركان المملكة، كان هناك تفاعل غريب؛ كلما وُضع فيه القول، خرج منه الفعل مختلفًا، وكلما قيلت كلمة، لم تجد طريقها إلى الواقع.

قال الحكيم الكيميائي لتلاميذه:

“اعلموا أن أخطر التفاعلات ليست تلك التي تُحدث انفجارًا، وإنما تلك التي تُنتج مادةً لا لون لها ولا رائحة، ثم تتسلل إلى كل شيء.”

كان يقصد الكذب حين يتحول إلى سلوك، وحين يصبح التناقض بين القول والفعل أمرًا مألوفًا، حتى يعتاد الناس وجوده كما يعتاد الكيميائي وجود الشوائب في مادة خام.

وفي زمنٍ غريب، صار يُقال عن بعض الناس: إنهم  ” الرويبضة”؛ يتصدرون المشهد وهم لا يملكون من الحكمة إلا ضجيجها، ولا من المعرفة إلا ادعاءها، ولا من الحقيقة إلا ما يخدم مصالحهم.

وفي ذلك العصر، كان أن تصدق في قولك وفعلك أشبه بأن تدخل تفاعلًا عكسيًا مع السائد؛ تخرج عن السرب، وتصبح أنت المادة الغريبة التي ترفض أن تذوب في المحلول.

قال أحد التلاميذ:

– وماذا نفعل بمن يكذب ويخالف، ثم نظل نراقبه ونشعره أننا نراه؟

ابتسم الحكيم وقال:

–  الرؤية ليست عقوبة، والمراقبة ليست عدالة.

فأن يعلم المخطئ أنك تراه، ثم يظل بلا مساءلة، قد لا يكون ردعًا، بل قد يتحول مع الوقت إلى عامل حفاز للخطأ.

وفي الكيمياء، لا يكفي أن تعرف أن التفاعل يحدث؛ بل عليك أن تتحكم في ظروفه، وإلا تحوّل التفاعل الهادئ إلى سلسلة من التفاعلات المتتابعة، يصعب إيقافها.

وهكذا هي الإدارة.

قد يكون الحلم في الإدارة فضيلة، وقد يكون التسامح محمودًا، وقد يكون إعطاء الفرصة الثانية دليلًا على سعة الأفق؛ لكن الحلم الذي لا يعقبه تصحيح، والتسامح الذي لا يضع حدًا للخطأ، قد يتحولان من فضيلة إلى مذيبٍ يذيب هيبة المنظومة.

وليس من الحكمة أن نواجه من فقد أدبيات الحوار بأدبيات الحوار وحدها، ولا أن نقابل التجاوز بالابتسامة، ثم ننتظر أن يستعيد العقل توازنه من تلقاء نفسه.

فلكل مادةٍ حدٌّ من الاستقرار.

وإذا تجاوزته، بدأ التحلل.

وإذا تكرر التحلل، بدأت سلسلة التفاعلات.

وإذا لم يتدخل أحد لإيقافها، فقد تصل في النهاية إلى نقطة لا ينفع عندها حتى أقوى عوامل التثبيت.

وهنا تظهر قاعدة إدارية تشبه تمامًا قاعدة كيميائية:

الخطأ الذي لا يُعالج في لحظته، يتحول من حادثة إلى ظاهرة.

والظاهرة إذا سكت عنها، تحولت إلى ثقافة.

والثقافة إذا استقرت، أصبح علاجها أصعب من علاج الخطأ الأول بمراحل.

قد يغضب البعض حين تُطبق القواعد.

وقد يرتفع الضجيج.

وقد يتجمع حول المخطئ من يظنون أن الدفاع عنه بطولة، وأن الاعتراض على القرار شجاعة.

لكن الحكيم لا يقيس صحة التفاعل بارتفاع الصوت داخل المعمل!

فقد يكون أعلى الأصوات مجرد فقاعات غاز تصعد إلى السطح، ثم تختفي.

أما التفاعل الحقيقي، فيُقاس بما يحدث في العمق.

وهكذا الإدارة الرشيدة لا تخشى الضجيج، ولا تجعل الغوغاء معيارًا لصحة القرار، لكنها في الوقت نفسه لا تبحث عن العقاب لمجرد العقاب؛ بل تبحث عن إعادة الاتزان إلى المنظومة.

العقوبة العادلة ليست انتقامًا من المخطئ، وإنما رسالة إلى الجميع:

أن للنظام حدودًا، وأن للحقوق حرمة، وأن للواجبات تبعات.

أما ترك المخطئ دون إجراء، ثم الحديث عن أننا ” نراه ” ونعرف ما يفعل، فهو أشبه بكيميائي يراقب التفاعل من بعيد، ويرى الحرارة ترتفع، ثم يكتفي بتسجيل درجة الحرارة في دفتره!

وحين يقع الانفجار يقول:

” لقد كنت أعلم أنه سيحدث.”

وهنا لا تعود المعرفة فضيلة.

لأن الحكمة ليست أن تعرف الخطأ فحسب، وإنما أن تمنع تمدده قبل أن يصبح واقعًا.

ولذلك فإن وأد الفتنة في مهدها ليس ضعفًا، بل عين الحكمة؛ لأن الشرارة الصغيرة أسهل إخمادًا من الحريق، والقطرة أسهل احتواءً من الفيضان، والتفاعل المنضبط أسهل كثيرًا من تفاعل متسلسل خرج عن السيطرة.

وفي نهاية التجربة، كتب الحكيم على لوحة المعمل:

” في عصر الرويبضة، يصبح الصدق خروجًا عن السرب، ويصبح الاتزان شجاعة، ويصبح تطبيق القاعدة علاجًا، ويصبح السكوت عن الخطأ أخطر من الخطأ نفسه.”

ثم أضاف معادلة أخيرة:

خطأ بلا تصحيح ← تكرار ← اعتياد ← فوضى ← انهيار الاتزان.

ثم مسح اللوحة، وقال لتلاميذه:

” تذكروا دائمًا: أنه لا يكفي أن ترى التفاعل… بل عليك أن تعرف متى تتدخل، وكيف توقفه، قبل أن يصبح الانفجار هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.”

” والعقوبة التي تأتي في وقتها، فهي ليست رغبة في العقاب، وإنما إعادة للمعادلة إلى اتزانها قبل أن يستحيل الإصلاح” .

ومن ثم ” فالخطأ الذي لم يُعاقب… عقوبةٌ تأخرت حتى مات أوانها”.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51