في بحور الكيمياء، لا يكفي أن يكون العنصر موجودًا لكي يُقال إنه نافع، ولا يكفي أن يقف في مكانه طويلًا حتى يظن الناس أنه يؤدي وظيفة عظيمة.
هناك عناصر خاملة بطبيعتها؛ لا تدخل في التفاعلات إلا نادرًا، ولا تفسد ما حولها، ولذلك فإن خمولها قد يكون فضيلة. أما في مملكة البشر، فالمشكلة ليست في الخامل الذي لا يفعل شيئًا، وإنما في ذلك الذي لا ينتج شيئًا، ومع ذلك يصرّ على أن يُحسب له كل شيء.
خذ مثلًا النيون (Ne) والأرجون (Ar) والهيليوم (He)؛ هذه من الغازات النبيلة التي عُرفت بخمولها النسبي، لأنها لا تميل بسهولة إلى الدخول في التفاعلات الكيميائية. ومع ذلك، لا أحد يلوم الأرجون لأنه لم يتفاعل؛ فهذه طبيعته، وله وظيفة معروفة ومحددة.
لكن ماذا لو ظهر في مملكة البشر عنصرٌ آخر، يأكل ويشرب، ويقبض راتبه، ثم يقول لك:
لقد فعلتُ ما عليَّ!
فإذا سألته: ماذا فعلت؟
أجابك بفخر:
لقد كنت أعمل في الماضي!
وكأنَّ رصيدَ العمل القديم شيكٌ مفتوح، يجوز لصاحبه أن يواصل صرفه إلى الأبد، حتى لو توقّف عن الإنتاج منذ سنوات، وكأن ما أنجزه بالأمس يمنحه إعفاءً دائمًا من مسؤولية اليوم.
وعندما نُخضع ذلك الرصيد القديم للفحص والتمحيص، قد نكتشف أن كثيرًا منه خفيف الوزن، محدود الأثر، لا يغني ولا يسمن من جوع؛ ومع ذلك يُراد له أن يظل شهادةً دائمةً على العطاء، حتى بعد أن ينضب العطاء نفسه.
والأخطر من ذلك أن هذا الداء لا يتوقف عند من كان له عملٌ في الماضي، بل يمتد إلى من لم يبدأ عملًا أصلًا؛ فيتحول التوقّف عن الإنتاج إلى عادة، ويصبح التقاعس عن الفعل موقفًا، ثم يطالب صاحبه بأن يُحمد على ما لم يفعل، وأن يُكافأ على ما لم يقدّم.
وهنا تصبح المعادلة مقلوبة: رصيدٌ قديم يُصرف بلا نهاية، ورصيدٌ جديد لا يُضاف، ومع ذلك يظل صاحب الحساب يطالب بالأرباح!
وهنا تظهر المفارقة الكيميائية:
العنصر الخامل لا يدّعي النشاط، أما بعض العناصر البشرية الخاملة فتطالب بمكافأة النشاط!
والأغرب من ذلك أن بعضهم لا يكتفي بالخمول، بل يتحول إلى ما يشبه المحفز المعكوس؛ فالمحفز الكيميائي الحقيقي يساعد على سير التفاعل ويخفض طاقة التنشيط دون أن يُستهلك في التفاعل، بينما هذا النوع من البشر يفعل العكس تمامًا: يرفع طاقة التنشيط أمام المجتهدين، ويجعل كل خطوة في المنظومة أكثر صعوبة!
المجتهد يبدأ التفاعل، فيجد من يعرقله.
يحاول أن ينتج، فيجد من يعطله.
يقترح فكرة، فيجد من يطفئها.
ينجز عملًا، فيجد من يريد أن يُنسب إليه الإنجاز.
ثم يأتي السؤال العجيب:
كيف نكافئ الجميع؟
وهنا تصبح المعادلة مختلة:
زيادة في الأجر + نقص في الإنتاج = اختلال في الاتزان.
وفي الكيمياء، إذا اختل الاتزان، فإن المنظومة تتحرك في اتجاه يعيدها إلى حالة أكثر استقرارًا.
أما في بعض المنظومات البشرية، فقد يحدث العكس؛ إذ يُطلب من المجتهد أن يحمل الخامل، ومن المنتج أن يعوض غير المنتج، ومن الملتزم أن يدفع ثمن عدم التزام الآخرين.
والمشكلة لا تقف عند الخمول.
هناك من يمارس العبث مع العابثين؛ لا يقدم إنتاجًا حقيقيًا، لكنه يتقن الحركة حول العمل. أوراق تتحرك، وأحاديث تتحرك، ومطالب تتحرك، أما العمل نفسه فيبقى في مكانه!
وهؤلاء أخطر من الخاملين؛ لأن الخامل يمكن اكتشافه، أما كثير الحركة بلا إنتاج فيستطيع أن يوهم الآخرين بأنه يعمل.
وفي الكيمياء، هناك فرق بين الحركة والتفاعل.
فقد تتحرك الجزيئات باستمرار، لكن ليس كل تصادم بينها يؤدي إلى تفاعل كيميائي. لا بد من شروط مناسبة، وطاقة كافية، واتجاه ملائم.
وكذلك البشر:
ليس كل من يتحرك يعمل، وليس كل من يتحدث ينتج، وليس كل من يطالب يستحق.
أما الطامة الكبرى فهي أن يتحول الأمر إلى عادة مؤسسية: شخص لا ينتج، ثم يطالب بالمزيد؛ وآخر لا يلتزم، ثم يبحث عن الاستثناء؛ وثالث لا يقدم شيئًا، لكنه يجد دائمًا من يبرر له.
وهنا تصبح رحمة الأشياء وكرمها مشكلة حين تُمنح في غير موضعها.
فالرحمة حين تُعطى للمستحق ترفع الإنسان، أما حين تتحول إلى حماية دائمة لغير المنتج، فإنها قد تتحول دون قصد إلى وقود لاستمرار الخلل.
إن إعفاء المقصر مرة قد يكون رحمة، لكن إعفاءه في كل مرة قد يصبح ظلمًا لمن يعمل.
ومكافأة المجتهد ليست ترفًا؛ إنها ضرورة لحماية المنظومة.
فإذا تساوى من يعمل مع من لا يعمل، فقد أرسلت المنظومة رسالة خطيرة إلى المجتهد تقول له:
لماذا تتعب؟
وإذا حصل من لا ينتج على الزيادة نفسها التي يحصل عليها المنتج، فقد يصبح الكسل أكثر ربحًا من الاجتهاد.
وهنا نصل إلى أخطر تفاعل في مملكة البشر:
المجتهد + الإحباط ← خمول.
فالمشكلة ليست فقط في وجود عناصر خاملة، وإنما في أن تجعل المنظومة العناصر النشطة تفقد نشاطها.
وفي الكيمياء، عندما نضيف مادة مثبطة إلى تفاعل، فإن سرعة التفاعل قد تنخفض. وفي الحياة المؤسسية، قد يكون بعض الأشخاص بمثابة مثبطات بشرية؛ لا يتوقفون عن العمل فحسب، بل يعملون على إبطاء الآخرين.
ولذلك فليس المطلوب أن نعاقب كل خامل، ولا أن نطارد كل مقصر، ولكن المطلوب أن تكون هناك قواعد واضحة، ومعايير عادلة، ومحاسبة لا تفرق بين عنصر وآخر.
فالجدول الدوري لا يعرف المحسوبية.
الهيدروجين هيدروجين، والأكسجين أكسجين، والأرجون أرجون.
لكل عنصر خواصه، ولكل عنصر قيمته، ولكل عنصر موقعه.
ولا يستطيع عنصر أن يطالب بخواص عنصر آخر لمجرد أنه يريد ذلك.
أما في جدول البشر، فالمشكلة تبدأ عندما يريد شخص أن يحصل على مزايا العنصر النشط وهو يمارس سلوك العنصر الخامل.
وهنا لا يعود الخلل في العنصر وحده، بل في المنظومة التي سمحت له أن يفعل ذلك.
في الكيمياء، لا يكفي أن تكون موجودًا لكي تدخل التفاعل.
وفي الحياة، لا يكفي أن تكون على رأس كشف الرواتب لكي تكون قد أديت عملك.
فالراتب ليس مكافأة على الوجود، والزيادة ليست جائزة على المطالبة، والتقدير ليس حقًا يُنتزع بالصوت المرتفع.
إنما الأصل البسيط الذي تعرفه الكيمياء قبل البشر:
مدخلات ← تفاعل ← ناتج.
فإذا لم تدخل مادة، فلا تنتظر ناتجًا.
وإذا لم يحدث تفاعل، فلا تتحدث عن إنتاج.
وإذا ظل الوعاء ممتلئًا بالأعذار، فلن يخرج منه إلا المزيد من الأعذار.
وربما آن الأوان أن نسأل كل عنصر في منظومتنا سؤالًا كيميائيًا بسيطًا:
ماذا أضفت إلى التفاعل؟
فإن كان الجواب: لا شيء، فلا بأس أن يكون صاحبه غازًا نبيلًا…
لكن بشرط ألا يطالبنا بعد ذلك بأن نمنحه جائزة أفضل عنصر منتج في الجدول الدوري!
وهنا، لا يصبح الخمول جريمة… إلا عندما يرتدي ثوب النشاط، ويطالب بثمن الإنتاج، ثم يترك المجتهدين يدفعون فاتورة العبث.



