الزمن… كبير الكيميائيين

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

منذ أن وُجد الإنسان على سطح هذا الكوكب، وهو يحاول أن يفهم ذلك المعمل الغامض الذي نسميه “الزمن”. لا أحد رأى الزمن بعينه، لكن الجميع رأى آثاره؛ فهو الكيميائي الأكبر الذي لا يحمل أنابيب اختبار ولا يرتدي معطفًا أبيض، لكنه يخلط العناصر، ويغيّر الخواص، ويُظهر النتائج بعد انتهاء التجربة.

الزمن لا يصنع مركبات من الحديد أو الذهب، بل يصنع مركبات من البشر. يضع الطفولة بجوار الحلم، ثم يضيف قليلًا من التجارب، وجرعات من الفقد، وحرارة من الضغوط، ثم ينتظر ليرى: هل سينتج إنسانًا أكثر نقاءً أم مادة قابلة للانهيار؟

في معمل الزمن، لا توجد وصفة ثابتة. نفس العنصر قد يخرج من التجربة بشكلين مختلفين؛ فواحد تحوله الصدمات إلى ذهب، وآخر تحوله إلى رماد. ليس الفرق في المادة الأصلية، بل في طريقة تفاعلها مع الظروف المحيطة.

والعجيب أن الزمن بارع في عمليات الأكسدة؛ فهو يؤكسد الحديد حتى يصدأ، ويؤكسد الوجوه حتى تظهر عليها خرائط الرحلة، لكنه في المقابل قد يصنع من التجاعيد حكمة، ومن الخسارات خبرة، ومن الألم قدرة على فهم الآخرين.

نحن جميعًا داخل أنبوب اختبار كبير. نلتقي بعناصر مختلفة: شخص يكون لنا حفّازًا يدفعنا للأفضل، وآخر يكون مادة مذيبة تزيل بعض أوهامنا، وثالث يكون تفاعلًا عنيفًا يترك أثرًا لا يُنسى. وفي النهاية لا تبقى كل المركبات؛ فبعض العلاقات تترسب في قاع الذاكرة، وبعضها يتبخر مع مرور الوقت.

لكن الزمن، هذا الكيميائي العجيب، له خدعة ساخرة: فهو لا يوزّع الحرارة بالتساوي. هناك من يعيش في بيئة تساعده على النمو، وهناك من يُلقى في ظروف قاسية ثم يُطلب منه أن ينتج اللمعان. وكأن المعادلة ناقصة عنصرًا مهمًا اسمه “العدل”.

والإنسان الذكي ليس من يهرب من التفاعلات، فالهروب لا يوقف التجربة، بل يؤجلها فقط. الحكمة أن يعرف كيف يحافظ على تركيبه الداخلي، وألا يسمح لكل مادة غريبة أن تغيّر خواصه. فليس كل اختلاط تفاعلًا ناجحًا، وليس كل لمعان دليلًا على أنه ذهب.

في النهاية، سيأتي اليوم الذي يكتب فيه الزمن تقريره عن كل تجربة: من تحوّل إلى قيمة، ومن فقد خواصه، ومن ظل نقيًا رغم الشوائب. وسيكتشف الجميع أن أثمن عنصر في هذا المعمل لم يكن المال ولا القوة ولا الشهرة، بل ذلك العنصر النادر الذي لا يوجد في جدول مندليف: الإنسانية.

فالزمن هو كبير الكيميائيين، نعم… لكنه لا يحدد وحده نتيجة التجربة؛ نحن أيضًا نشارك في المعادلة، بما نحمله من أفكار، واختيارات، وضمير.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51