كيمياء الفكر العاطفي

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في الكيمياء الفكرية، لا تُقاس قيمة العاطفة بارتفاع جرعتها، بل بقدرتها على البقاء داخل حدود الاتزان. فالعاطفة في أصلها طاقة إنسانية نبيلة؛ منها يولد الحب، والرحمة، والبر، والإيثار، والتضحية. لكنها، كأي طاقة، إذا تجاوزت حدودها قد تتحول من قوةٍ تبني الإنسان إلى قوةٍ تستنزفه، ومن رابطةٍ تمنحه الأمان إلى تفاعلٍ يستهلكه ببطء. وهنا تبدأ كيمياء الفكر العاطفي.

هناك قلوب اعتادت أن تمنح أكثر مما تحتمل، وأن ترى احتياجات الآخرين قبل أن ترى احتياجاتها، وأن تجعل راحة الوالدين، وسعادة الأبناء، ورضا من تحب، في مقدمة كل شيء. وهذه إنسانية عظيمة ما دامت في حالة اتزان. لكن حين ترتفع جرعة العاطفة إلى الحد الذي يتراجع فيه العقل، يبدأ الخلل. يصرخ العقل محذرًا، وتتألم الجوارح من شدة الاستنزاف، وتظهر مؤشرات الإنهاك، لكن القلب يستمر في التفاعل وكأنه لا يسمع شيئًا. إنه قلبٌ يسمع الآخرين جيدًا، لكنه فقد القدرة على سماع إنذاراته الداخلية.

وفي لغة الكيمياء الفكرية، هذه ليست مشكلة في وجود العاطفة، بل في اختلال نسب مكونات التفاعل. فحين تصبح مصلحة الآخرين دائمًا أعلى من مصلحة الذات، وحين تتحول التضحية إلى تنازل مستمر، وحين يصبح الرفض شعورًا بالذنب، تبدأ الشخصية في فقدان اتزانها الداخلي. الحب تفاعل، والرحمة تفاعل، والبر تفاعل، والتضحية تفاعل، وكل تفاعل إنساني يحتاج إلى حدود تحفظ استقراره. فكما أن زيادة أحد مكونات التفاعل الكيميائي قد تغير مساره ونتيجته، فإن زيادة العاطفة عن حدها المناسب قد تغير طبيعة العلاقة نفسها.

التضحية ليست إلغاءً للذات. وبر الوالدين لا يعني أن يهدم الإنسان نفسه، ورعاية الأبناء لا تعني أن يتحول الأب أو الأم إلى مصدر دائم للاستهلاك، والحب لا يعني أن تصبح حقوق الإنسان وكرامته وصحته النفسية والمادية مواد قابلة للاحتراق في سبيل الآخرين. إنها ليست دعوة إلى القسوة، بل إلى الاتزان. فأنت تستطيع أن تحب دون أن تُستنزف، وأن تعطي دون أن تُلغى، وأن ترحم دون أن تصبح مستباحًا، وأن تضحي دون أن تتحول حياتك كلها إلى ثمن يدفعه قلبك نيابة عن الآخرين.

والأخطر أن العاطفة غير المتزنة قد تصنع لدى الطرف الآخر حالة من الاعتياد على الأخذ. في البداية تكون التضحية استثناءً، ثم تتحول إلى عادة، ثم تصبح توقعًا، ثم تتحول التوقعات إلى مطالب، وقد يصل الأمر إلى أن يصبح ما قدمته اختيارًا منك في الماضي حقًا يطالب به الآخر في الحاضر، وهنا يتغير التفاعل.

فقد تعطي إنسانًا من أحب الناس إليك من وقتك وجهدك ومالك ومشاعرك، وتتنازل له عن الكثير، وتتحمل من أجله ما لا تتحمله لنفسك، ثم تفاجأ بأن كل ذلك لم ينتج الوفاء الذي كنت تتوقعه. بل قد يتحول التفاعل إلى اتجاه معاكس؛ فيسعى من أجلهم قلبك إلى محو أثرك، أو التنكر لعطائك، أو تشويه صورتك، وكأن السنوات التي قضيتها في العطاء لم تدخل أصلًا في معادلة العلاقة. وهنا يكتشف الإنسان أن ليست كل الروابط متبادلة في الاتجاه نفسه. وقد يكون الأمر أكثر قسوة حين يمتد أثر هذا التفاعل إلى أشخاص آخرين لا علاقة لهم بأصل المشكلة، فتتأثر سمعتهم أو صورتهم أو علاقاتهم لمجرد ارتباطهم بك. وهذه هي إحدى أخطر ظواهر كيمياء العلاقات الإنسانية: أن ينتقل أثر التفاعل من طرف إلى آخر، وأن تتجاوز نواتجه حدود المشاركين فيه.

لذلك، لا تجعل عاطفتك بلا ضوابط. فالعاطفة التي لا يضبطها العقل قد تتحول إلى قوة عمياء، والعطاء الذي لا تحكمه الحدود قد يتحول إلى استنزاف، والتضحية التي لا يحكمها الاتزان قد تتحول إلى إلغاء للذات. ليس المطلوب أن تخفض إنسانيتك، بل أن تضبط جرعتها. ليس المطلوب أن تتوقف عن الحب، بل أن تعرف أين ينتهي الحب ويبدأ استنزافك. ليس المطلوب أن تتخلى عن التضحية، بل أن تدرك أن التضحية الصحية تبني طرفين، أما التضحية غير المتزنة فقد تهدم أحدهما لصالح الآخر.

في الكيمياء الفكرية، لا تكمن الحكمة في إيقاف التفاعل، وإنما في ضبط شروطه. وهكذا هي الحياة. حب، ولكن لا تفقد اتزانك، ارحم، ولكن لا تهدر نفسك، أعطِ، ولكن لا تجعل عطائك بابًا لاستباحتك، وضحِّ، ولكن لا تجعل التضحية إلغاءً لوجودك. فأنت لست مادةً خام في تفاعلات الآخرين. أنت كيانٌ له طاقة، وحدود، وكرامة، واتزان. وحين تفقد العاطفة هذا الاتزان، لا تعود مجرد حب زائد… بل تصبح كيمياءً قد تعاقب صاحبها بالقدر الذي ظن فيه أنه يحسن إليه.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51