كيف نبني علاقة صحية بين أطفالنا والتكنولوجيا دون صراعات يومية؟

عبد الكريم عويرفريق الترجمة

كيف يمكن مساعدة الأطفال على بناء علاقة صحية مع التكنولوجيا، دون أن يتحول استخدامها إلى مصدر صراع يومي داخل المنزل؟ هذا السؤال الذي يشغل بال العديد من الأسر، كان الدافع وراء إطلاق دلال علي أحمد، المديرة الأكاديمية لمدرسة طارق بن زياد، عضو مؤسسة قطر، مبادرة “كلكم راعٍ” العام الماضي.

توضح دلال، التي قضت 30 عامًا في مجال التعليم: “جاءت مبادرة “كلكم راعٍ” استجابةً لتحدّي فعلي رصدناه في مدرستنا، فقد لاحظنا بعض السلوكيات المشتركة بين طلاب المرحلة الابتدائية، مثل ضعف التركيز، ونوبات الغضب، والشعور بالملل، وعندما اطلعتُ على البيانات مع فريق السلوك في المدرسة، اتضح أن الأمر لا يقتصر على حالة أو حالتين منفردتين”.

دفعها ذلك إلى النظر إلى ما هو أبعد من الفصل الدراسي، وعقد مناقشات مع أولياء الأمور لفهم كيفية يقضي الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والحادية عشرة، النصف الثاني من يومهم بعد انتهاء الدوام المدرسي.

وتقول: “في معظم الحالات، كان التواصل بين أولياء الأمور وأطفالهم محدودًا للغاية، فالآباء والأمهات مشغولون، بينما يقضي الأطفال معظم وقتهم أمام الأجهزة. لم يكن ذلك بالضرورة أمرًا مقصودًا، لكنه كان يحدث بالفعل”.

بعد ذلك، توجهت مباشرة إلى الأطفال، وطرحت عليهم، صفًا بعد آخر، أسئلة حول أجهزتهم وألعابهم الالكترونية المفضلة والأفراد الذين يلعبون معهم. وتقول: “أخبرني بعضهم أنهم يقضون ست أو سبع ساعات يوميًا في اللعب مع أفراد غرباء، وهو أمر مثير للقلق”.

وتوضح: “أردنا أن يحمل اسم المبادرة، المستلهم من الحديث النبوي الشريف: “كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته” هذا الإحساس بالمسؤولية. فهذه ليست مبادرة تُنفذ لمرة واحدة، بل نعمل من خلالها مع الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، بحيث تكون المسؤولية مشتركة”.

وتشير الأبحاث إلى أن الأسرة تؤدي الدور الأكبر في تشكيل السلوكيات الرقمية للأطفال واليافعين. ولا يقتصر دور أولياء الأمور على الإشراف على أنشطة أبنائهم عبر الإنترنت، بل يشمل بناء الثقة، وتشجيع الحوار المفتوح، وتعزيز العادات الرقمية الإيجابية من خلال التوجيه والإرشاد”.

ويشهد هذا العام تعاون المدرسة مع الوكالة الوطنية للأمن السيبراني، لتنظيم جلسات للطلاب وإطلاق حملة أوسع نطاقًا لأولياء الأمور.

وتستند سياسة المدرسة إلى إرشادات اليونسكو المرتبطة بالفئات العمرية. وتوضح دلال: “هناك فرق مهم بين الاستخدام السلبي والاستخدام النشط للتكنولوجيا. فأداء الواجبات المدرسية باستخدام جهاز إلكتروني يختلف كثيرًا عن ممارسة الألعاب، لكن حتى الاستخدام التعليمي يحتاج إلى تحقيق التوازن”.

وتقول إن المعيار الذي تستند إليه هو: “ألا يتجاوز إجمالي الاستخدام ساعة واحدة يوميًا، بما في ذلك الوقت الذي يقضيه الطفل في المدرسة. كما ينبغي ألا تكون ساعة متواصلة، بل يجب تقسيمها على فترات. فالجلوس أمام الشاشة لثلاث ساعات متواصلة يؤثر عليك بصورة مختلفة عن قضاء الساعات الثلاث نفسها موزعة على فترات”.

وعندما شاركت دلال نتائجها مع أولياء الأمور للمرة الأولى، كانت ردود أفعالهم فورية. وتقول: “شعر أولياء الأمور بالصدمة. فحتى مع حظر بعض الألعاب الالكترونية في قطر، كان الأطفال يؤكدون لهم قدرتهم على دخول اللعبة باستخدام شبكة “في بي ان”، وهذا ما دفع أولياء الأمور إلى التفاعل مع الأمر بشكل أكثر جدية”.

وترسل المدرسة الآن إلى أولياء الأمور إرشادات عملية شهرية، إلى جانب تنظيم ورش عمل لهم وأنشطة للطلاب، بما يعزز الرسالة نفسها من الجانبين. لكن الاستراتيجية التي تحرص دلال تأكيدها تتمثل في فرض القيود، حيث تقول: “الأمر يتعلق بقضاء الوقت مع أطفالكم ومشاركتهم فيه. فالوقت النوعي هو القضية الأساسية، إذ إن العديد من الأسر لا يتوفر لديها هذا الوقت ببساطة، وهذا أحد الأسباب التي تدفع الأطفال إلى اللجوء إلى الألعاب الالكترونية”.

بالنسبة لدلال، لا يتطلب قضاء وقت ذو قيمة مع الأطفال القيام بأمور معقدة. وتقول: “يمكن أن يبدأ الأمر بتغيير بسيط مثل الحوار، فالحوار يبني التواصل، والأطفال بحاجة إلى من يستمع إليهم. لطالما كان اجتماع أفراد الأسرة معًا، وتبادل القصص، واستماع الأطفال إلى تجارب الكبار، جزءًا مهمًا من ثقافتنا، لكن للأسف، بدأنا نفقد ذلك، ويمكن أن يكون الوقت النوعي عبارة عن قراءة كتاب معًا قبل النوم، وهو أمر بسيط، لكنه يحمل معنى حقيقيًا”.

وعندما سُئلت عن التغيير الوحيد الذي تتمنى أن تتبناه كل أسرة، قالت: “ابدؤوا بخطوات صغيرة. فإذا خصصت الأسرة ولو نصف ساعة يوميًا، تضع خلالها الهواتف جانبًا في سلة، وتمارس نشاطًا ما معًا، فإن ذلك وحده يمكن أن يُحدث أثرًا حقيقيًا في سلوك الطفل”.

وينطبق المبدأ نفسه على الحوارات الأكثر صعوبة المتعلقة بالسلامة على الإنترنت. وتقول: “لا تبدأوا بإعطاء الأوامر، بل ابدأوا ببناء التواصل، كأن تقولوا: “أود أن أعرف المزيد، هل يمكنك أن تعلّمني؟” وبمجرد بناء هذه الثقة، يمكنكم البدء في توجيههم”.

وفقًا لدلال، يكمن الجزء الأهم، والأساس الذي يقوم عليه كل ذلك، في أن يكون أولياء الأمور قدوة لأطفالهم، وتوضح: “إذا كنت أطلب من طفلي التوقف عن استخدام هاتفه، بينما لا أفارق هاتفي، فما الرسالة التي أوصلها إليه؟ عليّ أن أكون قدوة بنفسي، وأن أقول: “لنضع هواتفنا جانبًا معًا”، والخطأ الأكثر شيوعًا هو أن نقول شيئًا ونفعل شيئًا آخر، فالأطفال يلاحظون ذلك”.

وبعد مرور شهر على بدء العام الدراسي، تركز دلال نصيحتها للأسر على مراجعة العادات أكثر من البدء من جديد. وتقول: “انظروا إلى العادات التي عادت تدريجيًا منذ الصيف، وأعيدوا ضبطها بهدوء، مثل النوم والاستيقاظ مبكرًا، وممارسة النشاط البدني، فذلك يسهم بشكل طبيعي في تقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات”.

ويتوافق ذلك مع الأهداف الأوسع لبناء أسرة واعية رقميًا، تتشكل فيها العادات الرقمية الصحية من خلال التواصل، واتخاذ خطوات صغيرة ومتواصلة يلتزم بها أفراد الأسرة معًا.


شارك المقالة
متابعة
مهندس وصحفي ... أعمل في الصحافة العلمية مؤسس ومدير مجلة نقطة العلمية
متابعة
فريق الترجمة في مجلة نقطة