كيمياء القميص: حين حمل الأثر سر البصر

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في قصة يوسف عليه السلام، هناك أشياء صغيرة في حجمها، لكنها هائلة في أثرها. قميص، قطعة قماش لا تكاد تستحق في ميزان المادة أكثر من كونها لباسا، لكنها في ميزان القصة القرآنية تحولت إلى حامل للألم، ثم إلى حامل للأمل، ثم إلى وسيلة لعودة البصر. 

 يقول الله تعالى: ” اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ”،
( يوسف: 93). وهنا تبدأ الكيمياء الفكرية في طرح السؤال: لماذا القميص تحديدا؟، لماذا لم يقل: اذهبوا بهذا الشيء؟، لماذا ارتبط القميص بالوجه؟، ولماذا جاء في القصة مرتبطًا بالبصر؟.

في الكيمياء، لا تنظر إلى المادة باعتبارها شكلا خارجيا فقط؛ وإنما تسأل :ما تركيبها؟، ما مكوناتها؟، ما الروابط الموجودة فيها؟، ما المواد التي لامستها؟، وما الذي يمكن أن تحمله من أثر؟. وفي الكيمياء الفكرية يصبح السؤال أوسع: ماذا يمكن أن يحمل الشيء من أثر صاحبه؟. فالقميص ليس مجرد قماش، إنه مادة لامست الجسد. والجسد يترك في المادة آثارا متعددة: رطوبة، عرقا، دهونًا، روائح، مركبات عضوية، وخلايا دقيقة. إنها بصمة كيميائية صامتة. وهنا تبدأ المفارقة العجيبة في قصة يوسف.

في بداية القصة جاء الإخوة إلى يعقوب بقميص يوسف، لكنه كان قميصا يحمل دليلا مصطنعا على الموت. وفي نهاية القصة عاد القميص نفسه ليحمل بشارة الحياة. القميص ذاته، لكن التفاعل تغير. وهذه أولى قواعد الكيمياء الفكرية: قد تبقى المادة نفسها، بينما يتغير أثرها عندما يتغير الوسط الذي تدخل إليه.

في الكيمياء قد يكون المركب نفسه، لكن وضعه في وسط مختلف يغير سلوكه. وفي الإنسان قد تكون الذكرى نفسها، لكن وضعها في سياق جديد يحولها من ألم إلى أمل. وهكذا: قميص الفقد ← قميص اللقاء، قميص الكذبة ← قميص الحقيقة، وقميص الحزن ← قميص البشارة. وهنا يصبح القميص في قصة يوسف أشبه بمركب يحمل ذاكرة صاحبه. لكن القصة لا تتوقف عند الرمز. إنها تفتح أمامنا بابا مثيرًا في كيمياء المواد الحيوية. فالعدسة البشرية ليست جسما زجاجيا خاملا. إنها نسيج غني بالبروتينات، وعلى رأسها بروتينات الكريستالين، التي تمنح العدسة خواصها البصرية. وعندما تتعرض هذه البروتينات مع الزمن لتغيرات كيميائية وبنيوية، يمكن أن تتجمع وتفقد ذوبانها الطبيعي، فتسهم في تكوين العتامة المرتبطة بالساد.

وهنا تظهر اليوريا ، وهي جزيء صغير، لكنه يمتلك قدرة لافتة على التفاعل مع البروتينات وتغيير حالتها البنيوية. وليست هذه مجرد فرضية، ففي دراسة منشورة عام 1992 على عدسات بشرية، قورنت قدرة اليوريا على إذابة الجزء البروتيني غير القابل للذوبان من نسيج العدسة، وأظهرت النتائج أن استخلاص اليوريا استطاع إذابة أكثر من 80% من هذا الجزء البروتيني غير القابل للذوبان، سواء في العدسات الكاملة أو في أنوية العدسات.

وهنا تبدأ الكيمياء الحقيقية في الكلام، البروتين الذي يبدو في العين كتلة متجمعة لا يذوب بسهولة في الماء، يمكن أن يتأثر باليوريا. لماذا؟، لأن اليوريا ليست مجرد ”  مذيب” بالمعنى البسيط، بل هي عامل مغير لبنية البروتين . تستطيع جزيئات اليوريا أن تتفاعل مع العمود الفقري للبروتين، وتدخل في منافسة مع الروابط والتآثرات التي تساعد البروتين على الحفاظ على بنيته وتجمعاته. ومن الآليات المقترحة أن اليوريا ترتبط بالبروتين عبر تآثرات مباشرة، بما فيها الروابط الهيدروجينية والتآثرات التشتتية، فتضعف بعض التآثرات التي تثبت البنية البروتينية. والمقصود هنا ليس معادلة تفاعل كيميائي تقليدي ينتج عنه مركب جديد، وإنما تمثيل لتغير حالة الارتباط والتجمع البروتيني تحت تأثير اليوريا.

وهنا يصبح المشهد أكثر إثارة. فالعدسة التي فقدت جزءا من صفائها بسبب تغيرات في بروتيناتها، تحتوي على مادة بروتينية يمكن لليوريا أن تتفاعل معها. والدراسات التي أجريت على عدسات بشرية في التسعينيات لم تكن تتحدث عن الخيال؛ بل كانت تتعامل مباشرة مع البروتينات غير القابلة للذوبان وبروتينات الكريستالين والجزء القابل للذوبان في اليوريا.

وهنا تصل الكيمياء الفكرية إلى منطقة شديدة الحساسية: العرق البشري يحتوي على اليوريا. إذن نحن أمام ثلاث حلقات كيميائية: الجسد ← العرق ← اليوريا، ثم: اليوريا ← بروتينات العدسة ← التجمع البروتيني. لكن هل يعني ذلك أن عرق الإنسان يمكن أن يعالج الساد سريريا؟، هنا يجب أن نتوقف. العلم لا يسمح لنا بالقفز من: ” اليوريا تستطيع مخبريا إذابة أو تغيير سلوك بروتينات العدسة”، إلى: ” عرق الإنسان علاج مثبت للساد” . فالنتيجة الأولى لها سند تجريبي مخبري، أما الثانية فتحتاج إلى دراسات دوائية وسمية وسريرية مستقلة. وهذا الفرق ليس ضعفا في الفكرة؛ بل هو الذي يجعلها أكثر احترامًا للعلم. لأن الكيمياء الفكرية لا تستبدل العلم بالتأمل، وإنما تجعل العلم بابًا للتأمل.

ومن هنا نعود إلى القميص. القميص في القصة القرآنية لم يكن مجرد قطعة قماش، كان يحمل أثر يوسف. وكانت وظيفته في الرواية القرآنية مرتبطة مباشرة بعودة البصر إلى يعقوب: ” فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا” . وهنا تتقاطع ثلاثة عوالم: عالم النص، وعالم المادة، وعالم المعنى. النص يخبرنا بالحدث. والكيمياء تكشف لنا أن اليوريا قادرة على التعامل مع بروتينات العدسة في ظروف مخبرية. والكيمياء الفكرية تسأل: هل يمكن أن يكون بينهما مجال للتأمل؟. نعم، للتأمل، لكن ليس من المنهج العلمي أن نقول إن ذلك قد ثبت كسبب مباشر للمعجزة. فالمعجزة، بحكم تعريفها، لا يشترط أن تخضع لآلية علاجية مألوفة. وقد يكون الشفاء بأمر الله خارج القوانين التي نعرفها، وقد يكون في القصة معنى رمزي عميق يتجاوز المادة. لكن المدهش أن العلم نفسه يكشف لنا اليوم أن العدسة مادة حيوية تتأثر كيميائيا، وأن البروتينات المتجمعة فيها يمكن أن تتفاعل مع اليوريا. وهنا لا نقول: ” العلم أثبت معجزة القميص” ، بل نقول شيئا أكثر تواضعا وعمقا: العلم اكتشف في المادة بعض المفاتيح التي تجعل السؤال أكثر إثارة.

وهذا هو جوهر الكيمياء الفكرية. فالكيمياء لا تسأل فقط: ماذا حدث؟، بل تسأل: ما الذي يجعل حدوثه ممكنا؟، والكيمياء الفكرية تضيف: وماذا يعني أن يأتي الأثر قبل صاحبه؟. في قصة يوسف، لم يصل يوسف أولا، وصل أثر يوسف، ولم يأتِ اللقاء أولًا، جاءت البشارة أولًا، ولم يعد البصر في المشهد منفصلًا عن الذاكرة. لقد كان يعقوب أبًا ينتظر ابنه. والعين ليست دائما مجرد عضو للرؤية، بل أحيانًا تكون العين آخر ما يحتاج إلى دليل. والقلب قد يعرف قبل العين. ويعقوب قال: ” إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ”، الرائحة هنا تسبق اللقاء، والقميص يسبق يوسف، والأثر يسبق صاحبه. وهذه واحدة من أعمق معادلات الكيمياء الفكرية: الأثر←الإحساس←الذاكرة←الإدراك. فالإنسان قد يعرف شخصا من رائحته قبل أن يراه، وقد يعرفه من صوته قبل أن يظهر، وقد يعرفه من أثر خط يده، وقد تعيد قطعة ملابس شخصا غائبا إلى الذاكرة بكل حضوره. لأن الإنسان ليس مجرد كيان مادي، بل هو نظام معقد من المادة والأثر والذاكرة والمعنى. وهنا يمكن أن نفهم القميص بوصفه حاملًا للأثر. وفي الكيمياء، قد تكشف كمية صغيرة من مادة عن وجود مادة أكبر . وفي الكيمياء الفكرية: قد يكشف أثر صغير عن حضور إنسان كامل.

وهكذا يصبح القميص معادلة فكرية: قماش  +أثر يوسف = رسالة إلى يعقوب. ثم تتحول الرسالة إلى بشارة: الأثر←البشارة←البصر. أما اليوريا، فتعطينا طبقة أخرى من التأمل الكيميائي، وليس تفسيرا مثبتا لمعجزة يوسف.  وهنا تكمن قوة الفكرة، فبدل أن نقول إن العلم  ” اكتشف ما قاله القرآن”، نقول: إن العلم الحديث كشف لنا أن وراء عدسة العين عالما من البروتينات والتجمعات والتفاعلات الكيميائية، وأن اليوريا تستطيع بالفعل التأثير في هذه البروتينات، بينما تترك لنا قصة يوسف مساحة واسعة للتأمل في سر القميص وأثره. إنها ليست محاولة لإجبار القرآن على الدخول إلى المختبر. بل محاولة لجعل المختبر أكثر قدرة على التأمل في عظمة المادة.

فالقرآن يخبرنا: ” فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا”. والكيمياء تقول لنا: إن العدسة ليست مجرد زجاج شفاف؛ إنها منظومة بروتينية دقيقة، وإن تغير ذوبانية بروتيناتها وتجمعها يرتبط بظواهر العتامة، وإن اليوريا قادرة في المختبر على التأثير في هذه البروتينات وإذابة جزء كبير من الكسر غير القابل للذوبان منها. أما الكيمياء الفكرية فتقول: ربما ليست العبرة دائما بأن نعرف كيف تعمل الأشياء فقط… بل أن نتساءل: لماذا اختير هذا الشيء؟، ولماذا كان القميص؟ن ولماذا جاء الأثر قبل اللقاء؟، ولماذا تحول الشيء نفسه في قصة واحدة من شاهد على الموت إلى بشارة بالحياة؟. هنا يتحول القميص من قطعة قماش إلى مفاعل للمعنى، وتتحول اليوريا من جزيء صغير إلى نافذة على عالم البروتين، وتتحول العدسة من عضو للرؤية إلى منظومة كيميائية بالغة التعقيد، وتتحول قصة يوسف من مجرد حكاية عن أب وابن إلى درس في كيمياء الأثر والتحول والانتظار.

وفي النهاية: ليس كل ما في القرآن معادلة كيميائية، لكن كل اكتشاف في الكيمياء يمكن أن يفتح أمام العقل بابا جديدا للتأمل. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تقوله الكيمياء الفكرية عن قميص يوسف هو:

قد يكون الشيء صغيرا في مادته، لكنه عظيم في أثره.
وقد تحمل قطعة قماش ذاكرة إنسان.
وقد يحمل الأثر رسالة قبل أن يصل صاحبه.
وقد يكون ما نراه مادة، بينما يكون ما لا نراه هو المعنى.

وهكذا… لم يكن القميص مجرد قميص، بل كان أثرا يحمل يوسف، وكان الأثر طريقًا إلى البشارة، وفي تلك اللحظة، لم تعد الكيمياء تبحث فقط عن تركيب القميص… بل بدأت تبحث عن كيمياء الأثر في الإنسان. وهنا تبدأ كيمياء القميص.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51