بتمويل من منحة بحثية دولية تُقدّر قيمتها ب9 ملايين دولار أمريكي وتمتد على مدار ثلاث سنوات، يقود الدكتور هلال الأشول، أستاذ علوم الأعصاب لدى وايل كورنيل للطب – قطر، إحدى الجامعات الدولية الشريكة لمؤسسة قطر، فريقًا دوليًا من الباحثين لاستكشاف آفاقٍ جديدة في فهم مرض باركنسون وتطوير أدوية لمعالجته.
بعد حصول الفريق على المنحة من مبادرة “مواءمة العلوم حول مرض باركنسون” (ASAP) بالشراكة مع مؤسسة مايكل ج. فوكس، يتحدث الدكتور الأشول – الذي يشغل أيضًا منصب مستشار البحوث والتطوير والابتكار لرئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر، والمدير التنفيذي للبحوث والابتكار في مكتب رئيس المجلس، وأستاذ مشارك في المعهد الفيدرالي السويسري في لوزان – عن دور هذا المشروع في دفع الجهود العالمية الرامية إلى تطوير علاجات لمرض باركنسون، وما يمثله من قيمة مضافة لمكانة قطر الدولية كمركز للعلوم والبحوث.

إلى أي مدى وصل فهمنا لمرض باركنسون حول العالم، وما الجوانب التي لا نزال نجهلها عنه؟
على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزناه في فهم مرض باركنسون خلال العقود الماضية، إلا أنه لا يزال أمامنا الكثير لنكتشفه. فقد أصبح لدينا مفهوم أعمق حول الخلايا العصبية الأكثر تأثرًا بالمرض، والبروتينات التي تترسب في الدماغ وتسبب موت الخلايا العصبية ، إضافة إلى الدور المحوري الذي يلعبه بروتين “ألفا سينوكلين”، كما نعرف الكثير عن الجينات والعوامل البيئية التي تسبب أو تزيد من احتمالية الإصابة بالمرض.
لكن الأسئلة الأهم ما زالت قائمة: ما هي العوامل الأساسية التي تسبب ترسب البروتينات ومرض باركنسون في المقام الأول؟ ولماذا يتطور بشكل مختلف من شخص لآخر؟ وكيف ينتشر داخل الدماغ؟ والأهم من ذلك، كيف يمكننا إيقافه أو منع تقدم مراحله؟
يعيش اليوم ما لا يقل عن 10 إلى 12 مليون شخص حول العالم مع مرض باركنسون، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد المصابين ليصل إلى حوالي 25 مليون بحلول عام 2050، ليصبح بذلك أسرع الأمراض العصبية انتشارًا في العالم. ولهذا تبرز الحاجة الملحة إلى أبحاث تسهم في فهم أسبابه بشكل أفضل، وتعمل على تطوير علاجات قادرة على إبطاء المرض وإيقافه.

في المقابل الإيجابي، أصبحنا نمتلك اليوم معارف وأدوات وتقنيات لم تكن متاحة من قبل. فبفضل النماذج الخلوية البشرية المتقدمة، مثل تلك التي طورناها في مختبرنا، والتطورات الهائلة في علوم الجينات والهندسة الجينية والتصوير وأدوات التحليل الحيوي، أصبح بإمكاننا دراسة المرض بدقة غير مسبوقة.
وللمرة الأولى، أشعر أن سرعة الاكتشافات العلمية بدأت تواكب حجم التحديات التي يفرضها هذا المرض، مما يمنحنا أسبابًا حقيقية للتفاؤل بالمستقبل.
هل يمكن الوقاية من مرض باركنسون، أم أننا لا نزال بعيدين عن استراتيجية وقائية واضحة؟
حتى الآن، لا توجد طريقة مؤكدة للوقاية من مرض باركنسون، لكن هناك مؤشرات متزايدة على أن بعض عوامل الخطر يمكن الحد منها أو التحكم فيها.
تشير العديد من الدراسات إلى أن الالتزام بنمط حياة صحي يشمل الأنشطة البدنية والذهنية المنتظمة، والتغذية المتوازنة، والنوم الجيد، والاهتمام بصحة القلب والأوعية الدموية، قد يسهم في تعزيز صحة الدماغ على المدى الطويل، وربما يقلل من خطر الإصابة بالمرض.

ومن واقع خبرتنا مع أمراض أخرى، فإن الوقاية تصبح أكثر احتمالًا عندما نفهم المرض بشكل أفضل، وعندما تتوفر لدينا الوسائل لاكتشافه في مراحله المبكرة، ومتابعة تطوره بدقة، وتحديد العوامل المُسببة له. وهذا ما حدث مع أمراض القلب، حيث أدى التقدم في التشخيص المبكر، واكتشاف الأدوية الفعّالة لخفض الكوليسترول، وفهم عوامل الخطر إلى إنقاذ ملايين الأرواح. وأنا متفائل بأننا نسير في الاتجاه نفسه مع مرض باركنسون.
كل اكتشاف جديد يقربنا خطوة إضافية من تطوير أدوات للكشف المبكر، ومراقبة تطور المرض، وربما في المستقبل الوقاية منه أو إيقافه قبل أن يسبب أضرارًا دائمة.
لماذا أصبحت قطر نقطة انطلاق هذا المشروع؟
على مدار أكثر من عشرين عامًا، ظلّ فريقنا البحثي يدرس مرض باركنسون. وخلال هذه الفترة، تمكّنا من تطوير قواعد معرفية أساسية، إلى جانب أدوات وتقنيات ونماذج خلوية تتيح لنا استقصاء الآليات الكامنة وراء باركنسون بطرق لم تكن متاحة من قبل.
وتشكّل هذه الإنجازات جوهر ما يقوم عليه مشروع مبادرة “مواءمة العلوم حول مرض باركنسون” (ASAP) ، فيما يُعزى فضل خططه وتوجهاته وأهدافه إلى الخبرات والتقنيات والفِرق البحثية الشريكة لنا في جامعة ستانفورد وشركة آرفينس (Arvinas) للتقنيات الحيوية. ومعًا، يجمع الفريق نقاط قوة متكاملة تمتد عبر تخصصات مختلفة، منها بيولوجيا الخلايا الجذعية، وإعادة البرمجة الخلوية، وبيولوجيا الجسيمات الحالّة، وعلم الجينوم الوظيفي، والفحص الجيني، والتحلل البروتيني الموجّه.

وإن كان الفريق القائد من الدوحة يعكس الجذور العلمية التي انطلق منها المشروع، فإن المشروع يستند أيضًا إلى التقدم الكبير الذي حققه جميع الشركاء الذين سيتولون أدوارًا قيادية في صياغة مساره، وتحديد أولوياته، ورسم طموحاته الانتقالية من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة التطوير العلاجي.
ما الهدف المُراد تحقيقه من هذا المشروع البحثي؟
من خلال فهم كيفية تكتّل جزيئات البروتين السامة وانتشارها وتأثيرها المُدمّر لخلايا الدماغ، إضافةً إلى اكتشاف أسباب عجز الدماغ عن التخلص منها، نأمل في تحديد أهداف علاجية جديدة وتطوير استراتيجيات فعّالة للحد من تكوّن هذه الكُتل، وتحييد آثارها السامة، وتعزيز قدرة الدماغ على إزالتها.
كما أننا نأمل أن نصل إلى مستوى أفضل لفهم الأسباب البيولوجية الأساسية لمرض باركنسون، التي تُمكّننا من ابتكار طرق علاجية أكثر فعالية لتغيير مسار المرض وتحسين حياة المرضى.
وأخيرًا وليس آخرًا، نطمح إلى تطوير نماذج خلوية لمرض باركنسون وأدوات بحثية متقدمة تساعد الباحثين حول العالم على تسريع اكتشاف الأدوية واختبار استراتيجيات علاجية جديدة.

قد تُقرأ هذه القصة كقصة حول مرض باركنسون، لكنها تكشف أيضًا عن قصة ودور قطر – فكيف ذلك؟
إن مرض باركنسون ليس مجرد حالة طبية، بل قصة إنسانية عالمية تمتد آثارها إلى المرضى وأسرهم في قطر والمنطقة والعالم أجمع. ومواجهته تتطلب تعاونًا دوليًا، وتضافر أفضل العقول والموارد التي يمكن أن نوحّدها معًا. فالتحديات التي نواجهها كباحثين يسعون إلى إيجاد علاجات لهذا المرض المدمّر ليست تحديات فنية تتطلب موارد كبيرة فحسب، بل هي أيضًا تحديات مفاهيمية تحتاج إلى أفكار جديدة، وإلى طرق مختلفة في صياغة المشكلة، وإلى حلول خلاقة. ولهذا السبب تحديدًا، فإن مواجهة مرض باركنسون مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدول والعلماء على حد سواء.
وفي بعدها الآخر، تسلّط هذه القصة الضوء على دور قطر. فنحن نسعى إلى ترسيخ مكانة قطر كمساهم فاعل ومؤثر في الجهد العالمي الرامي إلى تحسين جودة حياة المصابين وعائلاتهم، وفي نهاية المطاف التوصل إلى علاج شافٍ. وهذا العمل، وما نتلقاه من تمويل دولي، يُعدّ شهادة حقيقية على ما يُنجَز هنا من علم رفيع المستوى، ويستند ذلك إلى ما حققته قطر من تقدير دولي بفضل استثماراتها المستدامة في تطوير البنية العلمية والقدرات البحثية الرائدة، وعلى دورها المتنامي بوصفها مساهمًا فاعلًا في البحث العلمي في العالم.
هل هناك مناطق أو فئات سكانية أو مجتمعات معينة ينتشر فيها مرض باركنسون بشكل أكبر؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهل نعلم الأسباب؟
نعم، ينتشر مرض باركنسون بشكلٍ أكبر في بعض المجتمعات مقارنة بغيرها. ويعود ذلك إلى اختلاف أعمار السكان كمسبب أكبر، إلى جانب العوامل الوراثية، وربما أيضًا بعض العوامل البيئية ونمط الحياة.
لكن الحقيقة هي أننا لا نمتلك صورة كاملة، لأن معظم الدراسات أُجريت في أوروبا وأمريكا الشمالية، ولا تزال البيانات في منطقتنا والعديد من مناطق العالم محدودة.

مما يمثل تحديًا وفرصة في نفس الوقت. فمن خلال دراسة المرض في مجتمعات أكثر تنوعًا، يمكننا فهم أسبابه بشكل أفضل واكتشاف العوامل التي تزيد من خطر الإصابة به، وآليات مرضية ربما لم تكن معروفة من قبل. وهذا هو أحد المحاور الرئيسية لبرنامجنا البحثي حول مرض باركنسون في وايل كورنيل للطب – قطر، والذي ننفذه بالتعاون مع مؤسسات بحثية أخرى في مؤسسة قطر ودولة قطر، من أجل المساهمة في سد هذه الفجوة المعرفية وضمان أن تكون الاكتشافات والعلاجات المستقبلية أكثر شمولًا وتمثيلًا لمختلف شعوب العالم.
كيف يعكس هذا المشروع الانتقال من بناء القدرات البحثية إلى إنتاج بحوث طبية حيوية ذات تأثير عالمي؟
على مدى سنوات، استثمرت قطر في بناء أسس منظومة بحثية عالمية المستوى، من مؤسسات ومختبرات وبنية تحتية متقدمة إلى كفاءات بشرية متميزة. وقد كانت تلك المرحلة ضرورية، لكنها لم تكن الهدف النهائي، بل خطوة أساسية نحو تحقيق أثر علمي حقيقي.
ويجسد هذا المشروع مرحلة جديدة في مسيرة البحث العلمي في قطر – مرحلة بدأت فيها الاستثمارات طويلة الأمد تؤتي ثمارها. فلم نعد نركز على بناء القدرات فحسب، بل أصبحنا نوظف هذه القدرات لإنتاج معرفة واكتشافات علمية تنافس على أعلى المستويات حول العالم، وتمتلك إمكانات حقيقية لترجمتها إلى حلول وعلاجات يمكن أن تحدث فرقًا في حياة المرضى.
وهذا هو جوهر التحول – الانتقال من بناء المنظومة إلى الاستفادة منها، ومن توفير الإمكانات إلى تحقيق الاكتشافات، ومن الاستعداد للمنافسة إلى المساهمة الفعلية في رسم مستقبل الطب.
وتزداد أهمية هذا المشروع لأنه يتناول أسئلة علمية تتجاوز حدود قطر والمنطقة، وتمس قضايا تهم البشرية جمعاء.
كيف نجحت مؤسسة قطر ووايل كورنيل للطب – قطر في تمكين هذا النوع من الأبحاث القادرة على المنافسة دوليًا، وما الذي تعكسه هذه المنحة عن مستوى نضج المنظومة البحثية في قطر اليوم؟
أسهم الاستثمار المستدام الذي تقوده مؤسسة قطر ووايل كورنيل للطب – قطر على مدى العقود الماضية في بناء منظومات بحثية وابتكارية متقدمة. تزوّد الباحثين بكل ما يحتاجونه من بنية تحتية وموارد لإطلاق بحوث وإدارتها وفق أعلى المعايير العالمية وبقدرة تنافسية هائلة، بما في ذلك توفير مرافق متقدمة للغاية ومنصات تقنية حديثة، وتدفقًا مستمرًا من الباحثين الموهوبين، وثقافة عمل تعاونية متعددة التخصصات، إلى جانب فرق إدارية بحثية فعالة وداعمة.
وقد كانت جميع هذه العوامل أساسية في قدرتنا على التنافس من أجل الحصول على تمويل عالمي تنافسي بهذا الحجم، وعلى المضي قدمًا في مشاريع عالية المخاطر وعالية العائد.

ما الدور المميز الذي يمكن أن تضطلع به قطر في دعم البحوث الطبية الحيوية حول العالم؟
أرى أن قطر تتميّز بفرصة استثنائية للمساهمة في رسم مستقبل البحث الطبي الحيوي على ثلاثة مستويات.
أولًا: من خلال إثراء المعرفة العلمية الدولية ببيانات ورؤى تعكس الخصائص الجينية وأنماط الحياة والاحتياجات الصحية لمجتمعاتنا، بما يجعل الطب أكثر دقة وشمولًا لمختلف شعوب العالم.
ثانيًا: من خلال الانتقال من المشاركة في إنتاج المعرفة إلى المساهمة في قيادتها. ومن خلال ما تمتلكه اليوم من بنية تحتية متقدمة ومواهب واستثمارات استراتيجية، أصبحت قطر قادرة على المساهمة الفعالة في إيجاد حلول للتحديات التي تشهدها العديد من المجالات، والوصول إلى الاكتشافات التي تشكل مستقبل الطب.
ثالثًا: من خلال لعب دور إقليمي قيادي يجمع المؤسسات والباحثين في المنطقة، ويعزز الشراكات والبنية التحتية والمشاريع العلمية الكبرى التي تخدم المنطقة بأكملها. وبهاذا لا تقتصر فرصة قطر على دعم البحث العلمي فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في توجيهه وصناعة اكتشافات تنطلق من منطقتنا إلى العالم.
ما الرسالة التي تحملها هذه المنحة إلى العلماء والطلاب في قطر ممن يرغبون في متابعة بحوثهم في علم الأعصاب أو الطب أو البحوث الطبية الحيوية؟
هذه المنحة تؤكد أن الأفكار التي تولد هنا، والقدرات التي نبنيها هنا، تحظى بثقة واحترام المجتمع الدولي.
فاليوم تمتلك قطر بنية تحتية عالمية المستوى، ومؤسسات بحثية متميزة، وبيئة علمية تمكّن الباحثين من المنافسة والمساهمة الفعالة في معالجة أكبر التحديات العلمية والطبية في العالم.
آمنوا بأنفسكم وبأفكاركم، واعملوا بجد، ولا تخشوا طرح الأسئلة الجريئة أو التفكير بشكل مختلف أو أن تعملوا في مجالات وأفكار جديدة قد لا يؤمن بها الآخرين.
فكرة مبتكرة واحدة، مقرونة بالإصرار والتعاون، يمكن أن تنطلق من الدوحة لتُحدث أثرًا عالميًا. وربما يحمل الاكتشاف الكبير القادم اسم أحدكم.



