نور رؤوفي عالم ناسا التونسي.. الرجل الذي قاد أوّل مركبة بشرية تلمس الشمس

شهد عبد القادر عبدو محمد

قصة نور رؤوفي عالم ناسا التونسي الذي خرج من مدرسة متواضعة في القصرين ليقود مهمة «مسبار باركر الشمسي»، التي حققت في ديسمبر ٢٠٢٤ أقرب اقتراب من الشمس في تاريخ البشرية: ٦.١ مليون كيلومتر من سطحها، بسرعة ٦٩٢ ألف كيلومتر في الساعة.

في الرابع والعشرين من ديسمبر ٢٠٢٤، كانت مجموعة من العلماء في ولاية ميريلاند الأمريكية تحبس أنفاسها أمام شاشاتٍ صامتة، بينما تغوص مركبةٌ فضائية بحجم سيارة في الغلاف الجوي للشمس على بُعد ٦.١ مليون كيلومتر فقط من سطحها الملتهب. وعلى رأس فريق هذه المهمة، يقف نور رؤوفي عالم ناسا التونسي، ابن مدينة القصرين في وسط تونس. هذه قصة الفتى الذي حلم من مدرسةٍ متواضعة بأن يلمس الشمس، ثمّ فعلها — لا بيده، بل بعقله.

من هو نور رؤوفي عالم ناسا؟ حلمٌ كبير في مدرسةٍ صغيرة

وُلد نور الدين رؤوفي في محافظة القصرين، إحدى أفقر مناطق وسط تونس وأكثرها تهميشاً. نشأ في بيئةٍ متواضعة، وبدأ تعليمه — كما يقول هو نفسه — في «مدرسةٍ متواضعة جداً»، لكنّه كان يحمل فضولاً لا يُشبَع وأحلاماً تكبر معه عاماً بعد عام.

“وُلدتُ في القصرين، وبدأت دراستي في مدرسةٍ متواضعة جداً، وكانت لديّ أحلامٌ كهذه، لكنها لم تكن قريبةً أبداً ممّا أفعله الآن. وكلّما كبرت، كبرت أحلامي أكثر فأكثر.”

أكمل رؤوفي دراسته الأولى في كلية العلوم بتونس (جامعة تونس المنار) حيث نال الماجستير في الفيزياء الأساسية، ثم انتقل إلى فرنسا، فنال الدكتوراه في الفيزياء الفلكية من جامعة باريس الحادية عشرة عام ٢٠٠٠. بدأت بعدها رحلةٌ أوروبية بين أرقى المراصد: مرصد تورينو في إيطاليا، ثم معهد ماكس بلانك في ألمانيا (٢٠٠٢–٢٠٠٥)، ثم المرصد الشمسي الوطني الأمريكي في أريزونا (٢٠٠٥–٢٠٠٨). وأخيراً، استقرّ عام ٢٠٠٨ في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز — المختبر الذي صمّم وبنى وشغّل مسبار باركر الشمسي.

مسبار باركر: المهمة التي انتظرتها ناسا ٦٠ عاماً

منذ عام ١٩٥٨، والعلماء يحلمون بإرسال مركبةٍ إلى الشمس، لكنّ السؤال ظلّ بلا جواب ستّين عاماً: كيف تصنع مركبةً تقترب من نجمٍ دون أن تذوب؟ أُطلق مسبار باركر الشمسي في أغسطس ٢٠١٨، محميّاً بدرعٍ حراريٍّ من الكربون بسماكة ١١.٤ سنتيمتر، يحافظ على أجهزته في درجة حرارة الغرفة بينما يواجه وجهُه الأمامي حرارةً تفوق ١٤٠٠ درجة مئوية. مهمّته: الغوص مراراً في الهالة الشمسية (الكورونا) لجمع بياناتٍ تكشف أسرار النجم الذي تعتمد عليه الحياة على الأرض.

وبوصفه العالِم الرئيسي للمهمة (Project Scientist)، يوجّه رؤوفي الأهداف العلمية للمسبار، وينسّق فريقاً دولياً ضخماً، ويفسّر البيانات القادمة من قلب الشمس. هو العقل الذي يقرّر: ما الذي نبحث عنه؟ وماذا تعني هذه الأرقام؟

أبريل ٢٠٢١: «للمرة الأولى في التاريخ، لمست مركبةٌ الشمس»

في أبريل ٢٠٢١، أصبح المسبار أوّل مركبةٍ بشرية تخترق الهالة الشمسية فعلياً وتطير داخلها. أعلنت ناسا الخبر بعبارةٍ صارت شهيرة: «للمرة الأولى في التاريخ، لمست مركبةٌ الشمس». ما اكتشفه المسبار قلب بعض الفرضيات: تبيّن أن الحدّ الخارجي للهالة الشمسية متعرّجٌ بقممٍ ووديان، ورصد بنياتٍ مغناطيسية على شكل حرف Z تُسمّى «الالتفافات» (switchbacks)، تتبّع رؤوفي وفريقه أصلها إلى سطح الشمس المرئي.

“بالطيران على هذا القرب من الشمس، يستشعر مسبار باركر الآن ظروفاً في الطبقة التي يهيمن عليها المغناطيس من الغلاف الجوي الشمسي لم نكن نستطيع استشعارها من قبل.”

ديسمبر ٢٠٢٤: أقرب اقترابٍ من الشمس في التاريخ

بدأ الاقتراب التاريخي في ١٩ ديسمبر ٢٠٢٤، ووصل ذروته في الرابع والعشرين منه. طار المسبار على بُعد ٦ مليون كيلومتر فقط من سطح الشمس — أقرب مسافة وصل إليها جسمٌ بشريٌّ من نجمٍ على الإطلاق — بسرعة ٦٩٢ ألف كيلومتر في الساعة، وهو أسرع جسمٍ صنعه الإنسان في التاريخ، تحت حرارةٍ بلغت ٩٨٢ درجة مئوية.

وبسبب قربه الشديد، انقطع الاتصال بالأرض لأيام، فانتظر فريق رؤوفي حتى ٢٦ ديسمبر ليصلهم «نبضٌ» إشاريٌّ يؤكّد أن المركبة نجت. حين وصلت الإشارة إلى غرفة التحكم، انفجر الفريق فرحاً. هذا الإنجاز نال جائزة Collier Trophy لعام ٢٠٢٤، إحدى أرفع جوائز الطيران والفضاء الأمريكي.

لماذا يهمّنا أن نلمس الشمس؟

الشمس لا تبعث الضوء والحرارة فقط، بل تطلق تياراً دائماً من الجسيمات المشحونة يُسمّى الرياح الشمسية، وأحياناً عواصف مغناطيسية هائلة يمكن أن تُعطّل الأقمار الاصطناعية، وتُسقط شبكات الكهرباء، وتُشوّش الملاحة والاتصالات. يلخّص رؤوفي اللغز الأكبر بقوله إنّ السؤال المحوري هو: كيف تتولّد الرياح الشمسية، وكيف تفلت من جاذبية الشمس الهائلة؟ فهم هذه الآلية يساعد البشرية على التنبّؤ بـ«طقس الفضاء» وحماية تقنياتها.

الإنسان خلف العالِم ورسالته لتونس

بعيداً عن الشمس، يحمل رؤوفي شغفاً بسيطاً: كرة القدم. فهو حَكَمٌ معتمد لدى الاتحاد الأمريكي لكرة القدم منذ عام ٢٠٠٦. وهو عضوٌ في الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي والجمعية الفلكية الأمريكية. وقد كرّمته السفارة الأمريكية في تونس علناً، واصفةً عمله بأنه يعكس «الدور الحيوي للكفاءات التونسية في دفع الاستكشاف العلمي عالمياً».

رغم نجاحه العالمي، لم ينسَ رؤوفي من أين بدأ. صار رمزاً وطنياً في تونس، ومصدر إلهامٍ لجيلٍ كامل من الطلاب العرب الذين يرون فيه دليلاً على أنّ المسافة بين «مدرسةٍ متواضعة في القصرين» و«قيادة مهمةٍ تلمس الشمس» ليست مستحيلة، بل تحتاج إلى فضولٍ وإصرارٍ وأحلامٍ تكبر مع صاحبها.

خاتمة: الفتى الذي لمس الشمس

قصّة نور رؤوفي ليست مجرّد قصة نجاحٍ فردي، بل قصة ما يمكن أن يصنعه الفضول حين لا يُخمَد. طفلٌ من إحدى أفقر مناطق تونس، بدأ في مدرسةٍ متواضعة، فكبرت أحلامه حتى تجاوزت حدود كوكبه، وانتهى به الأمر يقود البشرية في أقرب لقاءٍ لها مع نجمها. وكما يقول: «كلّما كبرت، كبرت أحلامي أكثر فأكثر». ربما يكون هذا هو الدرس الأهمّ من حكايته — أنّ الأحلام، إن غذّيناها، تكبر معنا حتى تصل بنا إلى الشمس.

❖  ❖  ❖

أبرز المصادر

  • صفحة الدكتور نور رؤوفي الرسمية على موقع مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز (JHUAPL).
  • موقع ناسا للعلوم (يناير ويوليو ٢٠٢٥) — «مسبار باركر يحقق التاريخ بأقرب مرور من الشمس».
  • العربية الإنجليزية (ديسمبر ٢٠٢٤) — «العالم التونسي على رأس مهمة ناسا الشمسية التاريخية».
  • حوار موقع نواة التونسي (نوفمبر ٢٠١٨) — حوار مطوّل عن نشأته ومسيرته.
  • الجمعية الفلكية الأمريكية (AAS)، وWeb Manager Center، وHayat Life.

شارك المقالة