في مشهدٍ يليق بروايات الخيال العلمي، تحوَّل حلمٌ أدبي إلى كابوسٍ تقنيّ. فجيمير ناظر، المتقاعد الترينيدادي الذي لم يسبق له أن نشَرَ عملاً روائياً يُذكر، فاجأ الجميع بفوزه بالجائزة الإقليمية والعامة للقصة القصيرة من مؤسسة الكومنولث، عن قصته “الأفعى في البستان”. لكنّ المفاجأة الأكبر كانت في ردّة الفعل التي تلَت الإعلان: اتهمه قرّاء وكتّاب ونقّاد بأنَّ روايته لم تكتبها يدٌ بشرية، بل توليدٌ رقمي.
لم تكن التهمة اعتباطية؛ إذ استند المشككون إلى أدلّةٍ قابلة للقياس: نثر “مصقول بشكل مفرط”، واستعارات كثيفة، ونتائج مرتفعة على مقياسات كشف النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، مثل أداة Pangram. وسرعان ما امتدَّ الجدل ليطال فائزين آخرين، ليصبح أحد أبرز النقاشات العامة حول تداخل الذكاء الاصطناعي مع الإبداع الإنساني.
لكن القصة، في جوهرها، ليست عن آلة، بل عن إنسان. فخلال التحقيق الذي أجرته مؤسسة الكومنولث، قدّم ناظر ما يزيد عن مجرد إنكار: عرض مسودّات متعددة للقصة، بعضها كتب باللهجة المحلية، وآخر بتطوّرات مغايرة للشخصيات. كما قدّم تحليلاً فنياً يُظهر تماسك الشخصيات والموضوع رغم اختلاف النسخ. ولم يتوقف الدفاع عند هذا الحد، بل امتدَّ إلى سردٍ صحّي مؤثر: ناظر يعيش مع اعتلالٍ عصبيّ (Neuropathy) وداء السكري، ويتعافى من زرع كلية ولمفوما، وهي ظروفٌ صحية أجبرته على استخدام خاصية التحويل الصوتي إلى نص (Speech-to-Text) على هاتفه، ليُعيد صياغة كل ٣-٤ أسطرٍ على حدة، مما أنتج ذلك “الصقل” الذي اعتُبر دليلاً على الاصطناع!
والمفارقة الأكثر إثارة للدهشة، من منظور علمي، هي ادعاؤه بأنَّ أدوات الكشف التي اتهمته قد تكون ملوَّثةً ببصمته الخاصة. فناظر، وهو شاعرٌ منذ الطفولة، نشر آلاف القصائد في مجموعات فيسبوكية، وهي مادّةٌ يُرجَّح أن شركة “ميتا” قد زوّدت بها نماذجها اللغوية. ومن هنا، يطرح سؤالاً علمياً محفوفاً بالمفارقة: “هل كانت تلك الأدوات تعرف أسلوبي فعلاً، ثمّ اتهمتني بأني نسخةٌ منه؟”
أمّا من الناحية الإنسانية، فكان الثمن غالياً. فوالدته البالغة من العمر 82 عاماً، والتي ابتهجت بفوزه في البداية، عانت من وطأة الاتهامات المتداولة في الصحافة المحلية ووسائل التواصل، ما جعل فرحة النصر تتحوّل إلى مواساةٍ لدموعها. ويقول ناظر: “لقد كسرني أن أرى أمّي حزينة، بينما كنتُ طوال حياتي رمز النجاح لعائلتي.”
ويُختم ناظر حديثه برسالةٍ لا تخلو من قلقٍ مستقبلي: “ما يخيفني ليس الذكاء الاصطناعي في الكتابة، بل في الأسلحة. هناك جنرال روسي أوقف هجوماً نووياً خاطئاً لأنّه استخدم غريزته، وليس خوارزمية.” ويضيف: “أما في الأدب، فالذكاء الاصطناعي لا يملك روحاً، ولن يملكها في حياتي.” لكنّه يعترف بأنَّ التجربة غيّرت كتابته؛ فهو الآن يعيد كتابة روايةٍ عن جدّه في الهند، وهو يتساءل في كلّ جملة: “هل سيتهمني أحدهم مجدداً؟”



