“الجائحة الخامسة: حين أحضر الأسطول البريطاني الموت إلى أستراليا – ونماذج رياضية تعيد كتابة التاريخ”

فريق الترجمة
AW6D7G Sailing ship in rock art

في صيفٍ حارّ من يناير 1788، رست 11 سفينةً محمّلة بالمدانين والبحّارة البريطانيين في ميناء سيدني الأسترالي. رفع القبطان آرثر فيليب علم الاتحاد، وأعلن أنّ القارة أصبحت ملكاً للتاج البريطاني. لكنّ ما لم يعلنه هو الجرثومة التي كانت تركبُ الأمواج معهم، في زجاجاتٍ صغيرة تحوي جُلَيْداتٍ مَجدريّة، كانت وصفةً للتحصين في ذلك الزمان، فأصبحت شرارةَ إبادةٍ جماعيّة.

فبعد عامٍ واحدٍ فقط من وصول الأسطول، كان سكان القارة الأصليون يموتون بأوصافٍ مروّعة، كما تصفهم المؤرخة لينيت راسل من جامعة موناش: “كانوا يلفظون أنفاسهم في ظروفٍ بشعة، وكأنّ الجدري يلتهم القبائل بأكملها.” وبحلول 1789، كانت القارة قد فقدت جزءاً هائلاً من سكّانها، في أوّل جائحة مسجّلة في تاريخ أستراليا الحديث.

السؤال العلمي: من أين أتى الفيروس؟

ظلّ المؤرخون لعقود يتساءلون: هل حمل الجدري مع الأسطول الأول، أم أنّه تسلّل من طريقٍ آخر؟ هناك نظريّتان متنافستان:

  1. النظرية البريطانية التقليدية: الفيروس وصل مع الأسطول، لكنّه انطفأ أثناء الرحلة البحرية الطويلة (أكثر أشهر الحجر الصحّي فعالية!)، كما تخلو سجلات الرحلة من أي ذكرٍ لتفشٍّ على متن السفن.
  2. النظرية البديلة: المرض دخل القارة من الشمال، عبر اتصال سكّان أستراليا الأصليين بالبحّارة الإندونيسيين، حيث كان الجدري متوطّناً هناك لقرون.

النمذجة الحاسوبية تحسم الجدل

هنا تدخّل العلم الرياضي ليحسم ما عجزت عنه الوثائق التاريخية. فريق بحثي من جامعات موناش وفلندرز، بقيادة عالم البيئة كوري برادشو، استخدم نماذج محاكاة حاسوبية تعتمد على:

  • معدّلات الوفيات المعروفة للجدري.
  • مسارات الحركة المحتملة بناءً على توفر مصادر المياه.
  • بيانات المجموعات اللغوية الأصلية.
  • تقديرات الكثافة السكانية بين سيدني والساحل الشمالي لأستراليا.

النتيجة القاطعة: أي وباء ينطلق من الساحل الشمالي كان سينطفئ حتماً قبل أن يقطع آلاف الكيلومترات برّاً ليصل إلى ميناء سيدني في التوقيت المذكور. يقول برادشو: “لا مجال للشكّ، فالمصدر الوحيد الممكن هو الأسطول الأول.”

ويرجّح الفريق أن مصدر العدوى كان زجاجات الجُلَيْدات المَجدريّة التي كان أطباء البحرية الملكية يحملونها للتطعيم ضدّ المرض، وهي ممارسة طبية شائعة في القرن الثامن عشر، لكنّها تحوّلت هذه المرّة إلى سلاح بيولوجي غير مقصود (أو ربّما مقصود؟).

إعادة تقدير عدد الضحايا: من مئات الآلاف إلى الملايين

لكنّ المفاجأة الأكبر كانت في دراسة ثانية للفريق نفسه، أعادت حسابات عدد سكّان أستراليا قبل الاستعمار. الاعتقاد السائد، المستند إلى تقارير إثنوغرافية من أواخر القرن التاسع عشر، كان أن عدد السكان الأصليين يتراوح بين 200,000 و 800,000 نسمة، يعيشون في مجموعات صغيرة منعزلة من الصيّادين الجامعين.

هذا التقدير، كما يوضح عالم الآثار آلان ويليامز، كان خاطئاً لأنّ الإثنوغرافيين في القرن التاسع عشر وصفوا مجتمعاتٍ كانت قد تحطّمت بالفعل بسبب الجدري والأوبئة اللاحقة. هم لم يروا أستراليا قبل الجائحة، بل بعدها.

استخدم الفريق ثلاث منهجيات متقاطعة لتقدير الحجم الحقيقي للسكان:

  1. تحليل التأريخ بالكربون المشعّ (Radiocarbon Dating) لآلاف المواقع الأثرية، لتتبّع متى وصل البشر إلى مناطق القارة المختلفة خلال أكثر من 50,000 عام.
  2. حساب معدّلات النمو السكاني استناداً إلى معدّلات الخصوبة والبقاء على قيد الحياة في مجتمعات أخرى، ومعدّل انتشار القطع الأثرية كدليل على النمو السكاني.
  3. تحليل التنوّع في الحمض النووي للميتوكوندريا (mtDNA) لدى السكان الأصليين المعاصرين، لتقدير حجم السكان القدامى.

النتيجة: تراوح عدد السكان بين 950,000 و 4.1 مليون نسمة، مع تقدير وسطيّ يبلغ 2.3 مليون – أي أكثر بعشر مرّات من التقديرات السابقة!

يقول برادشو: “أستراليا قارة شاسعة، سكّانها الأصليون عاشوا فيها 60,000 عام، وتكيّفوا مع كلّ نظام بيئي فيها. لم يكونوا أبداً على حافّة الانقراض.”

تداعيات علمية وتاريخية

هذه النتائج لا تعيد كتابة التاريخ الديموغرافي فقط، بل تحدّى افتراضاً علمياً راسخاً في علم الآثار: أنّ المجتمعات البشرية في عصور ما قبل التاريخ كانت صغيرة الحجم ودائمة المعاناة من شبح الانقراض. يقول عالم الآثار ميكا تالافارا من جامعة هلسنكي: “إذا قبلنا هذه الأعداد الكبيرة، فسيكون لذلك تأثير كبير على طريقة تفكير علماء الآثار في العصور ما قبل التاريخية.”

أمّا على المستوى الإنساني، فتقديرات الملايين من الضحايا تعني أنَّ جائحة الجدري، إلى جانب الجوع والعنف الحدودي والأمراض الأخرى التي جلبها المستعمرون، قد محقت فعلياً أكثر من نصف سكان القارة، ولسنوات طويلة.

ويشدّد شين إنغري، الباحث في علم الأحياء الجزيئي من شعب داراوال الأصلي، والمشارك في الدراسة، على الهدف الأعمق من هذا البحث: “نريد تفكيك أسطورة القارة الفارغة. هذه الأسطورة جعلت البريطانيين يقولون: ‘لم يبقَ منهم أحد، لقد ماتوا جميعاً باكراً’.” ويضيف: “أنا فخور بأجدادي الذين نجوا من تلك الأوقات العصيبة.”

في النهاية، يرى الباحثون أن هذه الأرقام ليست مجرّد تمرين أكاديمي، بل هي جزء من مصالحة تاريخية تحتاجها أستراليا المعاصرة، حيث لا يزال عدد السكان الأصليين (حوالي المليون نسمة) لم يعد بعد إلى ما كان عليه قبل الغزو. يقول ويليامز: “للحديث عن الحقيقة والمصالحة، علينا أن نتحدث عن حجم ما حدث.”


شارك المقالة
متابعة
فريق الترجمة في مجلة نقطة