كيمياء الرقي واللا رقي

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

يرقى الإنسان بسلوكه القويم، وتتراحم الكائنات بسلوكها، ويسقط كل ذلك في هاوية الانحدار حين ينحرف السلوك عن مساره الإنساني. فالسلوك هو الخيط الرفيع، بل هو الصراط الفاصل بين الإنسانية واللاإنسانية؛ إذ لا تكمن قيمة الإنسان فيما يمتلكه من علم أو قوة أو مكانة، وإنما فيما ينتجه من سلوك حين تتفاعل داخله المعرفة مع الوعي، والقدرة مع الضمير، والفطرة مع الاختيار.

وفي كيمياء السلوك الإنساني، لا يمكن النظر إلى الإنسان باعتباره مادة ثابتة أو كيانا مكتمل التكوين، بل هو ناتج تفاعل مستمر بين الفطرة والتربية والتجربة والبيئة والوعي والاختيار. فالفطرة تمثل المادة الأولية، والبيئة هي الوسط الذي تجري فيه التفاعلات، والتجارب عوامل مؤثرة، والوعي هو الذي يستطيع أن يضبط مسار التفاعل، بينما يظهر السلوك بوصفه الناتج النهائي لهذه المنظومة المتفاعلة.

وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل الإنسانية فطرة في الإنسان؟ وهل الخير والشر موجودان في داخله؟ ربما كان الخير أقرب إلى جوهر الفطرة الإنسانية؛ فالرحمة والتعاطف والعطاء والإحساس بالآخر كلها معانٍ تجعل الإنسان إنسانًا. أما الشر، فكثيرا ما ينشأ ويتضخم بفعل ما يتعرض له الإنسان من تشوهات وتجارب وقسوة وخوف وأنانية وانحراف في الوعي. وكأن الخير يسكن في عمق الفطرة، بينما يحتاج الشر إلى بيئة تسمح له بالنمو والتشكل.

ومن هنا يمكن القول، بلغة الكيمياء الفكرية: الخير قابلية فطرية، والشر تفاعل قد تهيئ له ظروف التشكل.

فالإنسان لا يولد مكتمل الشر أو مكتمل الخير، وإنما يولد وفي داخله قابلية للتشكل، ثم تبدأ الحياة في إجراء تفاعلاتها عليه. كل موقف يضيف أثرا، وكل كلمة قد تكون عاملًا مساعدا، وكل تجربة قد تغير من طاقة التفاعل، وكل اختيار يترك ذرة جديدة في البنية الداخلية للإنسان. ومع تكرار التفاعلات، يتحول الفعل إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى نمط، والنمط إلى جزء من التكوين.

ولهذا فإن الإنسان قد لا يسقط فجأة، كما أنه لا يرتقي فجأة؛ فالانحدار عملية تراكمية، والرقي كذلك. قد يبدأ اللارقي بكلمة، أو بنظرة، أو باستعلاء صغير، أو بإهانة يبررها الإنسان لنفسه، ثم تتكرر حتى يصبح ما كان مستنكرًا بالأمس أمرًا عاديا اليوم. وهنا تكمن خطورة السلوك؛ لأنه لا يكتفي بأن يكون فعلاا خارجيًا، بل قد يعيد تشكيل صاحبه من الداخل.

وفي المقابل، قد تبدأ حالة الرقي بفعل صغير من الرحمة، أو ضبط للنفس، أو اعتذار، أو احترام لإنسان لا يملك أن يرد الإساءة، ثم تتكرر هذه الأفعال حتى تصبح جزءا من البناء الداخلي للإنسان.

الرقي إذن ليس في امتلاك القدرة على إيذاء الآخرين ثم العجز عن استخدامها، وإنما في امتلاك القدرة ثم إخضاعها للوعي والضمير. فالقوة التي لا يضبطها الوعي قد تتحول إلى قسوة، والعلم الذي لا تضبطه الأخلاق قد يتحول إلى غرور، والسلطة التي لا تحكمها الإنسانية قد تتحول إلى استعلاء.

ومن هنا تصبح الرحمة ليست ضعفا، وإنما حالة من الاتزان؛ لأن القوة حين تدار بالوعي تحفظ الحياة، وحين تنفصل عن الوعي قد تهدمها. وكما تبحث الكيمياء عن الاتزان داخل التفاعلات، تحتاج الإنسانية إلى اتزان بين ما يستطيع الإنسان أن يفعله وما ينبغي له أن يفعله.

ولهذا فإن الفارق بين الإنسان الراقي والإنسان المنحدر ليس دائما في القدرات أو الذكاء أو المكانة، وإنما في كيفية إدارة هذه العناصر داخل النفس. قد يمتلك الإنسان قدرة هائلة، لكنه يظل راقيا حين يجعلها وسيلة للبناء، وقد يمتلك آخر القدرة نفسها، لكنه يستخدمها للإيذاء، فيتحول ما كان يمكن أن يكون طاقة للبناء إلى طاقة للهدم.

إن الرقي ليس حالة يصل إليها الإنسان ثم يستقر فيها، وإنما هو تفاعل مستمر يحتاج إلى إعادة ضبط. فالإنسان قد يرتقي اليوم ويتراجع غدا، وقد يخطئ ثم يراجع نفسه، وقد ينحرف ثم يعيد تصحيح مساره. ولذلك فإن أعظم صور الرقي ليست في ألا يخطئ الإنسان، وإنما في أن يمتلك الوعي الذي يجعله قادرا على اكتشاف انحرافه وإعادة تشكيل نفسه.

فالإنسان، في جوهر الكيمياء الفكرية، ليس ما كان عليه فقط، بل هو ما يعيد تشكيله في نفسه كل يوم.

ومن هنا يمكن اختزال المشهد كله في معادلة إنسانية:

الفطرة + التجربة + الوعي + الاختيار = السلوك.

فإذا اتزن التفاعل، ارتقى الإنسان، وإذا اختل، بدأ الانحدار. ويبقى السلوك هو الاختبار الحقيقي للإنسان؛ لأن الإنسانية ليست فيما نقوله عن أنفسنا، وإنما فيما يخرج منا عندما نمتلك القدرة على الفعل.

فالرقي ليس أن تكون أعلى من الآخرين، بل ألا تنخفض بإنسانيتك وأنت تتعامل معهم.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51