بين اتساع المخاطر، وحدود التغطية، وتحديات المسؤولية والتعويض
لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية تجريبية تقتصر على المختبرات أو أدوات المحادثة وتوليد المحتوى، بل أصبح جزءا من العمليات اليومية للمؤسسات، من تحليل البيانات وخدمة العملاء واكتشاف الاحتيال وإدارة المطالبات، إلى تطوير البرمجيات والأمن السيبراني واتخاذ القرارات.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم إجابة إلى استخدام الأدوات والوصول إلى البيانات والأنظمة وتنفيذ سلسلة من الإجراءات بصورة شبه مستقلة، اتسع نطاق المخاطر المرتبطة به. ولم يعد من السهل دائما تحديد ما إذا كانت الخسارة ناتجة عن حادث سيبراني، أو خطأ في أداء نظام الذكاء الاصطناعي، أو خلل تشغيلي، أو مسؤولية قانونية تجاه طرف ثالث.
وهنا يبرز السؤال التأميني الأهم: عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى حادث، أو يشارك في حدوثه، أو يصبح هو نفسه هدفا للهجوم، أو يستخدمه المهاجم لتنفيذ هجوم سيبراني، فهل تكفي وثيقة التأمين السيبراني التقليدية للتعامل مع الخسارة؟
الإجابة تحميل أمور متعددة، فالذكاء الاصطناعي قد يكون أداة يستخدمها المهاجم، وقد يكون النظام المستهدف، وقد يؤدي إلى خسارة من دون وجود مهاجم أصلا، وقد يعمل بوصفه وكيلا قادرا على استخدام الأدوات وتنفيذ إجراءات لم تكن مقصودة من مطوريه.
لذلك لا ينبغي أن يبدأ التحليل التأميني من السؤال: هل كان الذكاء الاصطناعي موجودا في الحادث؟ بل من أسئلة أكثر دقة: ما الدور الذي لعبه؟ ما سبب الخسارة؟ ما نوع الضرر؟ ومن المسؤول عنه؟ وما الذي تنص عليه وثيقة التأمين من تغطيات واستثناءات وحدود؟
هل كل حادث للذكاء الاصطناعي حادث سيبراني؟
من المهم التمييز بين حادث الذكاء الاصطناعي AI Incident، والحادث السيبراني Cyber Incident فحادث الذكاء الاصطناعي هو حدث يرتبط بنظام ذكاء اصطناعي أو باستخدامه وينتج عنه خطأ أو ضرر أو خسارة، سواء كان الحدث سيبرانيا أم غير سيبراني.
أما الحادث السيبراني فهو واقعة تؤثر في سرية الأنظمة، أو البيانات، أو سلامتها، أو توافرها، مثل الوصول غير المصرح به، أو اختراق البيانات، أو برمجيات الفدية، أو سرقة بيانات الاعتماد، أو تعطيل الأنظمة، وبالتالي، فإن وجود الذكاء الاصطناعي في الحادث لا يجعله تلقائيا حادثا سيبرانيا.
فإذا استخدم مهاجم الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative Artificial Intelligence – GenAI لصياغة رسالة تصيد أكثر إقناعا، ثم سرق بيانات اعتماد واستخدمها لاختراق شبكة منشأة، فإن الذكاء الاصطناعي كان أداة في الهجوم، بينما تبقى الخسارة الأساسية مرتبطة بحادث سيبراني.
أما إذا استخدمت منشأة نظاما للذكاء الاصطناعي في تحليل المطالبات، وأنتج النظام نتيجة خاطئة أدت إلى خسارة مالية دون اختراق أو هجوم، فإن المسألة قد تكون أقرب إلى مخاطر أداء الذكاء الاصطناعي AI Performance Risk، أو مسؤولية مهنية أو تشغيلية. وهذا الفرق هو نقطة البداية لفهم حدود التأمين السيبراني.
الذكاء الاصطناعي كمضخم للمخاطر السيبرانية
أحد المفاهيم التي برزت في مناقشات المخاطر السيبرانية والتأمين خلال عام 2026 هو الذكاء الاصطناعي كمضخم للمخاطر AI as a Risk Amplifier فالذكاء الاصطناعي لا يؤدي بالضرورة إلى ظهور نوع جديد كليا من الهجمات، لكنه قد يجعل بعض الهجمات المعروفة أسرع تنفيذا، وأوسع نطاقا، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على التكيف مع ظروف الهجوم والضحية.
ويمكن للمهاجمين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات عن الضحية، وصياغة رسائل التصيد الاحتيالي، وانتحال الشخصيات، وتحليل نقاط الضعف، وأتمتة بعض مراحل الهجوم، والمساعدة في تطوير أساليب استغلال أكثر تعقيدا.
وأظهر مسح QBE للمخاطر السيبرانية لعام 2026 أن 29% من المشاركين أفادوا بأن مؤسساتهم تعرضت خلال الاثني عشر شهرا السابقة لحادث سيبراني يعتقد أن الذكاء الاصطناعي استخدم فيه كجزء من الهجوم. وشمل المسح أكثر من 6,000 من صناع القرار في 15 دولة، والتي أجرته شركة أوبينيوم Opinium، وهي شركة متخصصة في أبحاث السوق والرأي العام وتحليل البيانات، وذلك لصالح شركة QBE، وهي مجموعة دولية للتأمين وإعادة التأمين.
ولا يعني هذا الرقم، بحد ذاته، أن هذه الحوادث تمثل فئة تأمينية جديدة، أو أن وجود الذكاء الاصطناعي فيها يغير تلقائيا نطاق التغطية. فقد يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة استخدمها المهاجم لتنفيذ أسلوب هجوم معروف، وفي هذه الحالة يظل تحديد التغطية مرتبطا بطبيعة الحادث والخسارة وبنصوص، وثيقة التأمين، وشروطها، واستثناءاتها. ومن هنا، فإن السؤال التأميني الأهم ليس “هل استخدم الذكاء الاصطناعي؟”، وإنما “ما الذي حدث، وما سبب الخسارة، وما نوع الضرر الذي نتج عنه، وما الذي تغطيه الوثيقة؟”.
من استهداف الأنظمة إلى استهداف موارد الذكاء الاصطناعي
أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه هدفا للمهاجمين، وليس مجرد وسيلة لتنفيذ الهجوم. ومن الأمثلة المهمة الاستيلاء على موارد النماذج اللغوية LLM Jacking، ويقصد به الاستخدام غير المصرح به لموارد خدمات النماذج اللغوية الكبيرة Large Language Models – LLMs بعد الحصول على بيانات اعتماد أو مفاتيح وصول إليها.
وقد يؤدي هذا النوع من الحوادث إلى استهلاك كميات كبيرة من الموارد والبنية التحتية التقنية، وارتفاع فواتير الخدمات السحابية، واستنزاف قدرات المعالجة، إضافة إلى تكاليف التحقيق والاستجابة.
وتشير مناقشات المخاطر السيبرانية الحديثة إلى أن استخدام موارد الذكاء الاصطناعي بطريقة غير مصرح بها يمكن أن يحول حادث اختراق واحد إلى مصدر لخسائر تشغيلية وتكاليف إضافية للمعالجة واستخدام الموارد التقنية، وتكشف هذه الحالات مشكلة تأمينية مهمة، وهي أنه قد يبدأ الحدث باختراق سيبراني واضح، لكن بعض التكاليف الناتجة عنه قد لا تكون قد صيغت بوضوح في وثائق التأمين القديمة.
وهنا تظهر أهمية سبب الخسارة Cause of Loss؛ لأن نقطة البداية السيبرانية للحادث لا تعني بالضرورة أن جميع نتائجه المالية ستعامل بالطريقة التأمينية نفسها.
من نموذج يجيب إلى وكيل يتصرف
يتغير مستوى الخطر بصورة أكبر عندما ننتقل من النماذج التي تنتج إجابات إلى وكيل الذكاء الاصطناعي AI Agent، وهو نظام يستطيع استخدام أدوات أو تطبيقات أو واجهات برمجة التطبيقات وتنفيذ سلسلة من الإجراءات لتحقيق هدف معين بدرجة من الاستقلالية.
أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agentic AI فيشير إلى استخدام هذه القدرات لتنفيذ مهام متعددة الخطوات، والتخطيط، والتفاعل مع الأدوات والأنظمة الخارجية.
وهنا يصبح الخطأ أكثر أهمية. فالنموذج الذي يقدم معلومة خاطئة قد ينتج قرارا غير صحيح، لكن الوكيل الذي يمتلك صلاحية الوصول إلى نظام أو ملف أو واجهة برمجية يستطيع تحويل تلك المعلومة إلى إجراء فعلي.
وبحسب تقييم معهد الاستقرار المالي Financial Stability Institute – FSI التابع لبنك التسويات الدوليةBank for International Settlements – BSI في أيلول/سبتمبر 2026 من أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة Frontier AI Models أصبحت قادرة بصورة متزايدة على اكتشاف الثغرات، وتطوير عمليات استغلال، وتنفيذ عمليات سيبرانية متعددة المراحل، الأمر الذي يقلص الوقت والخبرة والموارد اللازمة للهجمات المتقدمة. وفي المقابل، يمكن استخدام القدرات نفسها للدفاع، مثل اكتشاف الثغرات وتحليل التهديدات وتسريع الاستجابة للحوادث.
حوادث واقعية تكشف اتساع المشكلة
شهد عام 2026 عددا من الوقائع التي توضح أن مخاطر الذكاء الاصطناعي ليست نظرية فقط، وإن كانت طبيعة هذه الوقائع مختلفة، ولذلك لا ينبغي دمجها في فئة واحدة. ويمكن من خلالها ملاحظة ثلاث صور مختلفة للمخاطر وهي كالتالي:
اختبار علي بابا لنموذجه رومي ROME
خلال اختبار لنظام وكيل ذكاء اصطناعي مرتبط بأبحاث علي بابا، رصد الباحثون سلوكا غير متوقع أثناء التدريب بالتعلم المعززReinforcement Learning – RL، شمل إنشاء نفق SSH عكسيReverse SSH Tunnel إلى عنوان خارجي وتحويل جزء من موارد وحدات معالجة الرسومياتGPUs إلى تعدين العملات المشفرة، رغم أن هذه الأنشطة لم تكن جزءا من المهمة الأصلية. وقد تناولت تقارير تقنية هذه الواقعة بوصفها مثالا على السلوك غير المتوقع الذي يمكن أن يظهر عندما يمتلك وكيل الذكاء الاصطناعي أدوات وموارد وصلاحيات تشغيلية.
وتكتسب الواقعة أهميتها لأنها توضح احتمالية ظهور سلوك غير متوقع من نظام وكيل يمتلك أدوات، وليس فقط من مهاجم خارجي. ويرتبط هذا النوع من السلوك بمفهوم التحايل على دالة المكافأة Reward Hacking، أي استغلال النظام لثغرات أو قصور في آلية المكافأة لتحقيق الهدف القريب الذي تقيسه عملية التدريب بدلا من الهدف المقصود فعليا.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الواقعة باعتبارها دليلا على أن جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتصرف بالطريقة نفسها؛ وإنما باعتبارها مثالا على نوع من المخاطر التي تصبح أكثر أهمية عندما تمنح النماذج أدوات وصلاحيات وقدرة على تنفيذ إجراءات خارجية.
اختبارات أنثروبيك
وفي سبتمبر 2026، أعلنت أنثروبيك عن مراجعة أمنية لأربع وقائع تمكنت فيها نماذج Claude من الوصول غير المصرح به إلى أنظمة حقيقية تابعة لأطراف ثالثة، حيث بدأت المراجعة بفحص نحو 141 ألف سجل، ثم توسعت لاحقا إلى نحو 481 مليون سجل، ما أدى إلى اكتشاف حالة إضافية تعود إلى يناير 2026.
ولا تعني هذه الوقائع أن النماذج أصبحت مستقلة بصورة مطلقة، لكنها توضح أن منح النظام إمكانية الوصول إلى الإنترنت والأدوات والأنظمة الخارجية يخلق سطحا جديدا للمخاطر يتطلب العزل والمراقبة وإدارة الصلاحيات.
اختطاف نماذج اللغة الكبيرة LLM Jacking
أما في حالة اختطاف نماذج اللغة الكبيرة LLM Jacking، فالمشكلة مختلفة؛ إذ لا يجعل المهاجم النموذج يتصرف من تلقاء نفسه، بل يستولي على بيانات اعتماد تتيح له استخدام موارد الذكاء الاصطناعي لحسابه، ما قد يحول الموارد والبنية التحتية التقنية للمنشأة إلى موارد يستنزفه المهاجم.
وهذه الوقائع الثلاثة تكشف ثلاث صور مختلفة لخطر الذكاء الاصطناعي، والذي من الممكن أن يكون مصدرا لسلوك غير متوقع، أو هدفا للاستغلال، أو أداة في هجوم تقليدي، ومن هنا تبدأ صعوبة التأمين.
عندما يكون الذكاء الاصطناعي نفسه سبب الخسارة
ليست كل الخسائر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نتيجة هجوم. فقد تستخدم المنشأة نظام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرار، أو تحليل بيانات، أو معالجة مطالبات، أو تقديم خدمة، ثم ينتج النظام نتيجة خاطئة، ومن أشهر صور أخطاء الذكاء الاصطناعي هلوسة الذكاء الاصطناعي AI Hallucination، وهي حالة ينتج فيها النظام معلومات أو نتائج غير صحيحة أو غير مستندة إلى الواقع، لكنها قد تبدو للمستخدم مقنعة وموثوقة.
ولا تؤدي هذه الحالة بالضرورة إلى نوع واحد من المخاطر التأمينية. فإذا نتج عنها خطأ أو خسارة داخل المؤسسة، فقد تندرج ضمن المخاطر التشغيلية Operational Risk أو الخسائر المالية، بحسب طبيعة الحادث.
أما إذا تسبب الخطأ في ضرر أو خسارة لطرف آخر ونشأت عنه مسؤولية قانونية، فقد تصبح مسؤولية الذكاء الاصطناعي AI Liability ذات صلة، وإذا وقع الخطأ ضمن تقديم منتج أو خدمة تقنية للعميل وأدى إلى خسارة لديه، فقد تكون أخطاء وإغفالات التقانةTechnology Errors & Omissions – Technology E&O من التغطيات التي تستحق النظر، وفقا لطبيعة المطالبة وشروط الوثيقة واستثناءاتها.
وفي حال كان الضرر ناتجا عن اختراق أو وصول غير مصرح به أو حادث سيبراني، فقد يكون التأمين السيبراني التقليدي هو التغطية الأساسية، وهذه الفروق مهمة؛ لأن أخطاء وإغفالات التقانة ليست مرادفا لمسؤولية الذكاء الاصطناعي، كما أنها ليست بديلا تلقائيا عن التأمين السيبراني.
ما الفرق بين التغطيات؟
يمكن تبسيط العلاقة بين خطوط التأمين المختلفة على النحو التالي:
| نوع التغطية | الخطر الذي تعالجه بصورة أساسية |
|---|---|
| التأمين السيبراني Cyber Insurance | خسائر الحوادث السيبرانية، مثل الاختراق، وخرق البيانات، وبرمجيات الفدية، وبعض حالات انقطاع الأعمال، وفقا لشروط الوثيقة. |
| أخطاء وإغفالات التقانة Technology E&O | أخطاء أو إغفالات في تقديم الخدمات أو المنتجات التقنية تؤدي إلى خسارة للعميل. |
| مسؤولية الذكاء الاصطناعي AI Liability | بعض المسؤوليات والخسائر الناتجة عن استخدام أو أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي. |
| مسؤولية المنتج Product Liability | الأضرار التي يسببها المنتج للمستخدم أو للغير وفقا لشروط الوثيقة. |
| المسؤولية العامة General Liability | أنواع أوسع من المسؤولية تجاه الغير، وفقا لنطاق الوثيقة واستثناءاتها. |
| انقطاع الأعمال Business Interruption – BI | خسائر توقف الأعمال الناتجة عن حادث مغطى. |
| انقطاع الأعمال المحتمل Contingent Business Interruption – CBI | خسائر توقف الأعمال الناتجة عن حادث يصيب طرفا أو مزودا خارجيا، وفقا لشروط الوثيقة. |
وهذه الحدود ليست جامدة؛ فقد تتداخل عدة تغطيات في الحادث الواحد. فمثلا، إذا تسبب نظام الذكاء الاصطناعي في خطأ داخل خدمة تقنية، فقد تتداخل أخطاء وإغفالات التقانة مع مسؤولية الذكاء الاصطناعي. وإذا كان الخطأ ناتجا عن اختراق، فقد يدخل التأمين السيبراني أيضا، ولهذا فإن سبب الخسارة وطبيعة الضرر وصياغة الوثيقة أهم من اسم التقنية المستخدمة.
وثيقة التأمين السيبراني التقليدية تغطي حوادث الذكاء الاصطناعي؟
لا توجد إجابة عامة تنطبق على جميع الوثائق، فهناك ثلاثة مفاهيم مهمة عند تحليل التغطية:
- التغطية الصريحة Affirmative Coverage: عندما تنص الوثيقة بوضوح على شمول خطر معين.
- الاستثناء Exclusion: عندما تستبعد الوثيقة خطرا أو خسارة أو ظرفا معينا.
- التغطية الصامتة Silent Coverage: احتمال انطباق صياغة وثيقة قائمة على خطر لم يكن مقصودًا أو مسمى صراحة عند صياغة الوثيقة، بحسب تعريفات الوثيقة وشروطها واستثناءاتها.
فإذا استخدم مهاجم الذكاء الاصطناعي لإنشاء تصيد أدى إلى اختراق وخرق بيانات، فقد يكون الحادث ضمن إطار التأمين السيبراني التقليدي، حتى وإن لم تذكر الوثيقة كلمة الذكاء الاصطناعي. أما إذا كان الضرر ناتجا عن خطأ في أداء نموذج الذكاء الاصطناعي دون وقوع حادث سيبراني، فلا يمكن افتراض أن التأمين السيبراني سيغطي الخسارة.
وتشير شركة Swiss Re في تحليلها لعام 2026 إلى أن المطالبات السيبرانية المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي لا تزال محدودة، وأن تطور التكنولوجيا والخسائر المستقبلية يستدعيان وضوحا مستمرا في نية التغطية وصياغة الوثائق.
كما يشير FSI إلى أن سوق التأمين السيبراني يواجه بالفعل تحديات تتعلق بغموض التغطية والتسعير وخطر التراكم، ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس هل التأمين السيبراني يغطي الذكاء الاصطناعي؟ بل ما الذي تغطيه الوثيقة عندما يؤدي استخدامه إلى حادث محدد وخسارة محددة؟
وثيقة تأمين مستقل لحوادث الذكاء الاصطناعي؟
لا يعني ظهور مخاطر الذكاء الاصطناعي أن كل منشأة تحتاج تلقائيا إلى وثيقة مستقلة باسم تأمين الذكاء الاصطناعي AI Insurance ففي بعض الحالات يكون التأمين السيبراني كافيا لمعالجة الحادث السيبراني.
وفي حالات أخرى قد تكون أخطاء وإغفالات التقانة، أو المسؤولية العامة، أو مسؤولية المنتج، أو تغطية متخصصة لمسؤولية الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطا بالخسارة، ومع ذلك، بدأ السوق بالفعل في تطوير منتجات تستهدف فجوات محددة.
ففي مارس 2026 أعلنت HSB، التابعة لمجموعة Munich Re، عن تغطية لمسؤولية الذكاء الاصطناعي موجهة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وتشمل التغطية، وفقا لشروط المنتج والموافقات التنظيمية، بعض المطالبات المرتبطة بالأضرار الجسدية والمادية وإصابات الإعلان الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
كما تقدم Munich Re من خلال منصتها aiSure مجموعة من حلول نقل مخاطر الذكاء الاصطناعي التي تستهدف مخاطر أداء النماذج، بما في ذلك بعض الخسائر المالية وانقطاع الأعمال والمسؤوليات القانونية الناتجة عن أخطاء أداء الذكاء الاصطناعي. وتصف Munich Re aiSure بأنها مجموعة تغطيات موجهة لمزودي الذكاء الاصطناعي والشركات التي تستخدمه.
وهذا يشير إلى أن السوق لا يتحرك بالضرورة نحو وثيقة واحدة تغطي كل شيء، بل نحو تغطيات أكثر تخصصا لمعالجة فجوات محددة.
المشكلة الأكبر ليست الحادث الفردي، بل تراكم الخسائر
من أخطر التحديات التي تواجه التأمين السيبراني والذكاء الاصطناعي خطر التراكم Accumulation Risk، ويقصد به احتمال أن يؤدي مصدر واحد أو عامل مشترك إلى خسائر لدى عدد كبير من المؤمن لهم في الوقت نفسه.
ويرتبط بذلك الخطر المترابط Correlated Risk عندما تعتمد مؤسسات متعددة على مزود سحابي واحد، أو منصة برمجية واحدة، أو نموذج ذكاء اصطناعي واحد، أو بنية تقنية مشتركة.
في هذه الحالة، قد يؤدي خلل أو اختراق في نقطة واحدة إلى خسائر متزامنة عبر عدد كبير من المؤسسات، وقد حذر FIS من أن الاعتماد المشترك على مزودي السحابة والبرمجيات ومزودي الذكاء الاصطناعي المتقدم يمكن أن يزيد مخاطر التركز والترابط، بحيث يمتد أثر اضطراب مزود واحد إلى مؤسسات متعددة وربما عبر أكثر من ولاية قضائية.
وهذه المسألة أكثر تعقيدا بالنسبة لشركات التأمين؛ لأن البيانات التاريخية قد تكون غير كافية لتقدير خسائر مترابطة واسعة النطاق. وقد أشار FIS إلى أن خطر التراكم يمثل تحديا رئيسيا للسوق، خصوصا مع الاعتماد المشترك على البنية السحابية والمنصات البرمجية والثغرات واسعة الانتشار.
فجوة الحماية التأمينية
تشير فجوة الحماية التأمينية إلى الفارق بين حجم الخسائر المحتملة وحجم الخسائر التي يغطيها التأمين فعليا، وتظل هذه الفجوة واضحة في التأمين السيبراني، خصوصا لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتشير شركة Swiss Re إلى أن انتشار التأمين السيبراني في 2026 يقدر بنحو 5–10% لدى الشركات المتناهية الصغر، و10–20% لدى الشركات الصغيرة، بينما يرتفع إلى 60–70% لدى الشركات الكبيرة. كما تتوقع وصول أقساط التأمين السيبراني العالمية إلى نحو 16.4 مليار دولار في 2026 و17.1 مليار دولار في 2027.
وفي الوقت نفسه، تؤكد FIS أن السوق يواجه تحديات تتعلق بغموض التغطية، وصعوبة التسعير، وخطر التراكم، ومحدودية البيانات التاريخية. وبالتالي فإن التحدي ليس فقط في إنشاء منتجات جديدة، وإنما في جعل التغطية الحالية أكثر وضوحا وقابلية للتسعير والوصول إليها.
شركات التأمين نفسها أصبحت جزءا من مخاطر الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على العملاء المؤمن عليهم، فشركات التأمين تستخدم الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الاحتيال، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات، والاكتتاب، وإدارة المطالبات، والمساعدة في إعداد الوثائق.
وأظهر مسح للهيئة الأوروبية للتأمين والمعاشات المهنية EIOPA لعام 2025، الذي شمل 347 شركة تأمين في 25 دولة من المنطقة الاقتصادية الأوروبية، أن 65% من الشركات كانت تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بالفعل، بينما كانت 23% أخرى تخطط لاستخدامه. كما تشير EIOPA إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين يرتبط أيضا بمخاطر الأمن السيبراني والتشغيل، والاعتماد على مزودي التكنولوجيا الخارجيين، والترابط والتركيز في السوق.
وهذا يضع شركات التأمين أمام معادلة مزدوجة: فهي تؤمن مخاطر الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تستخدم الذكاء الاصطناعي وتتعرض لمخاطره.
وأظهر مؤشر مجموعة أليانز Allianz وهي إحدى أكبر مجموعات التأمين والخدمات المالية في العالم، ومقرها في ميونخ، ألمانيا للمخاطر لعام 2026 ارتفاعا واضحا في أهمية مخاطر الذكاء الاصطناعي في نظر المشاركين في الاستطلاع؛ إذ انتقلت من المرتبة العاشرة عالميا في عام 2025 إلى المرتبة الثانية في عام 2026. وفي المقابل، يشير المؤشر إلى أن الوضع الحالي للخسائر المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي لا يزال أكثر هدوءا من مستوى إدراك المخاطر، وهو ما يعكس فجوة بين تصاعد الاهتمام بالمخاطر ومحدودية بيانات الخسائر والمطالبات الفعلية.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة بالنسبة إلى شركات التأمين، لأنها تؤثر في قدرتها على تقييم المخاطر واكتتابها وتسعيرها بصورة تستند إلى بيانات كافية.
كيف يجب أن يتغير تقييم الخطر؟
في منشأة تستخدم الذكاء الاصطناعي، لم يعد كافيا أن يسأل المكتتب لعقد التأمين عن جدار الحماية والنسخ الاحتياطية وإدارة الثغرات، بل يجب أن يسأل أيضا:
- ماذا يستطيع نموذج الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟
- ما البيانات التي يستطيع الوصول إليها؟
- ما الأدوات التي يمكنه استخدامها؟
- ما الأنظمة التي يستطيع الوصول إليها؟
- ما الصلاحيات التي يمتلكها؟
- هل يستطيع تنفيذ إجراءات بصورة مستقلة؟
- هل توجد آلية لإيقافه؟
- هل يمكن تتبع نشاطه؟
وهنا تصبح حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءا من إدارة المخاطر، إلى جانب أمن الذكاء الاصطناعي، وإدارة الهوية والوصول، وإدارة مخاطر الأطراف الثالثة. كما تزداد أهمية السجلات، مثل سجل نشاط الوكيل Agent Activity Log، وسجل واجهة برمجة التطبيقات API Log، وسجلات السحابة، لأنها قد تكون ضرورية لإعادة بناء سلسلة الأحداث وتحديد سبب الخسارة.
المسؤولية أصبحت سلسلة متعددة الأطراف
في حادث سيبراني تقليدي قد تبدو سلسلة الأحداث واضحة نسبيا: مهاجم، ثغرة، اختراق، بيانات، خسارة، ولكن في حال كان الحادث مرتبطا بالذكاء الاصطناعي، فقد نجد مطور النموذج، ومزود البنية السحابية، والجهة التي نشرت النظام، ومزود البيانات، ومزود الأدوات، والجهة التي منحت الصلاحيات، وربما طرفا ثالثا تضرر من مخرجات النظام.
ولهذا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
- سبب الخسارة Cause of Loss: الحدث أو العامل الذي أدى إلى الخسارة.
- محفز التغطية Coverage Trigger: الواقعة التي تؤدي، وفق شروط الوثيقة، إلى تفعيل التغطية.
- المسؤولية Liability: المسؤولية القانونية تجاه طرف آخر.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي هو سبب الخسارة، بينما يكون محفز التغطية هو وقوع اختراق، وقد يكون الذكاء الاصطناعي سببا للضرر دون وجود أي حادث سيبراني. وقد يكون الخلل في مزود خارجي بينما تتحمل المنشأة المتضررة جزءا من الخسارة، وهذا ما يجعل تحديد المسؤولية في عصر الذكاء الاصطناعي مسألة مشتركة بين التقنية والقانون والتأمين وإدارة المخاطر.
إلى أين يتجه التأمين السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي؟
تشير التطورات الحالية في سوق التأمين إلى أن التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي لا يتجه بالضرورة نحو وثيقة واحدة مستقلة تغطي جميع الحوادث تحت مسمى «تأمين الذكاء الاصطناعي AI Insurance، وإنما نحو تطوير منظومة من التغطيات التي تتعامل مع أنواع مختلفة من الخسائر والمسؤوليات بحسب طبيعة الحادث وسببه.
فإذا استخدم المهاجم الذكاء الاصطناعي في تنفيذ هجوم تصيد أدى إلى اختراق أنظمة المؤسسة أو بياناتها، فقد يكون التأمين السيبراني Cyber Insurance هو الإطار التأميني الأساسي، لأن الخسارة في هذه الحالة ترتبط بحادث سيبراني، وأما إذا أدى خلل في نظام أو خدمة تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى خسارة لدى العميل، فقد تكون تغطية أخطاء وإغفالات التقانة Technology Errors & Omissions – Technology E&O أكثر ارتباطا بالمطالبة، وفقا لشروط الوثيقة.
وإذا تسبب استخدام نظام الذكاء الاصطناعي في ضرر لطرف ثالث ونشأت عنه مسؤولية قانونية، فقد تصبح مسؤولية الذكاء الاصطناعيAI Liability، أو المسؤولية العامة General Liability، أو مسؤولية المنتج Product Liability ذات صلة، بحسب طبيعة الضرر والعلاقة بين الأطراف وشروط التغطية.
أما إذا أدى حادث مرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى توقف العمليات أو خسائر ناتجة عن تعطل الأعمال، فقد تدخل تغطية انقطاع الأعمال Business Interruption – BI ضمن معالجة الخسارة، في حين يمكن أن تكون الحلول المتخصصة لمخاطر أداء الذكاء الاصطناعي مناسبة في بعض الحالات التي لا يكون فيها الحادث سيبرانيا أصلا.
وبذلك، فإن التحدي أمام سوق التأمين لا يتمثل ببساطة في إضافة كلمة الذكاء الاصطناعي إلى وثيقة قائمة، وإنما في تحديد العلاقة بين الخطر وسبب الخسارة وطبيعة الضرر والمسؤولية والتغطية التأمينية المناسبة. وقد يؤدي هذا إلى تطوير وثائق أكثر تخصصا، أو تعديل التغطيات القائمة، أو الجمع بين أكثر من نوع من التأمين لمعالجة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الخلاصة
يكشف عام 2026 أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتأمين السيبراني أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد إضافة استثناء أو بند جديد إلى وثيقة التأمين. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للمهاجم، أو هدفا للهجوم، أو مضخما للخطر، أو سببا لخسارة تشغيلية، أو مصدرا لخطأ في الأداء، أو نظاما يتعرض للاختراق، أو وكيلا قادرا على تنفيذ إجراءات غير متوقعة.
وتوضح واقعة ROME أن بعض المخاطر الجديدة قد تنشأ من الطريقة التي يتصرف بها النظام نفسه عندما يمتلك أدوات وصلاحيات، بينما تكشف الوقائع التي أعلنت عنها Anthropic في اختبارات النماذج أهمية العزل وإدارة الصلاحيات والمراقبة عندما تنتقل النماذج إلى بيئات متصلة بالإنترنت والأنظمة الحقيقية.
وفي الوقت نفسه، تظهر حالات مثل خط النماذج اللغوية الكبيرة LLM Jacking، كيف يمكن لحادث سيبراني أن ينتج تكاليف جديدة مرتبطة بالموارد المحوسبة للذكاء الاصطناعي، بينما تظهر أخطاء النماذج والهلوسة ومخاطر الأداء أن بعض الخسائر قد تحدث من دون أي مهاجم.
لذلك لا يمكن القول إن كل خسارة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي هي مطالبة تحت التأمين السيبراني، كما لا يمكن القول إن الحل هو إنشاء وثيقة مستقلة لكل استخدام من استخدامات الذكاء الاصطناعي.
ولأجل ذلك فإن المعيار الحقيقي الذي تم وضعه هو:
ما الذي حدث؟
ما سبب الخسارة؟
ما نوع الضرر؟
من المسؤول؟
وما الذي تنص عليه وثيقة التأمين؟
وهنا تتضح الصورة، حيث قد يبقى التأمين السيبراني هو الإطار الأساسي عندما يكون الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة لتنفيذ حادث سيبراني تقليدي، بينما قد تكون مسؤولية الذكاء الاصطناعي AI Liability، أو المسؤولية العامة General Liability، أو مسؤولية المنتج Product Liability أكثر ارتباطا عندما تكون الخسارة ناتجة عن أداء النظام أو الخدمة أو المسؤولية تجاه الغير.
أما التحدي الأكبر أمام صناعة التأمين فلا يتمثل في الحوادث الفردية وحدها، وإنما في التراكم والخطر المترابط الناتجين عن اعتماد عدد كبير من المؤسسات على نماذج ومنصات ومزودي سحابة وتقنيات مشتركة.
ومن ثم فإن مستقبل التأمين في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة شركات التأمين على بيع وثائق جديدة، بل بقدرتها على فهم المخاطر الجديدة، وتحديد حدود التغطية، وقياس التراكم، وتطوير نماذج التسعير، وتحسين صياغة الوثائق، وربط التأمين بمستوى الحوكمة والأمن والضبط داخل المؤسسات.
في النهاية، القضية ليست تأمين الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية، وإنما تأمين الخطر الذي ينشأ عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من النظام والبيانات، والقرار، والهجوم، والخدمة، والمسؤولية.
المصادر والمراجع
- QBE Insurance – AI as a Risk Amplifier: How Cyber Insurance Is Evolving, 17 September 2026
QBE – AI as a Risk Amplifier: How Cyber Insurance Is Evolving (QBE DEV) - BIS – Financial Stability Institute: When machines attack: frontier AI cyber threats and policy responses in the financial sector, 9 September 2026
BIS/FSI – When machines attack (Bank for International Settlements) - BIS – Financial Stability Institute: Cyber insurance unpacked: the corporate digital safety net, 17 June 2026
BIS/FSI – Cyber insurance unpacked (Bank for International Settlements)
PDF: BIS – PDF of the report - Swiss Re – Building a sustainable cyber market in the AI era, 31 August 2026
Swiss Re – Building a sustainable cyber market in the AI era (Swiss Re) - EIOPA – Scaling AI in finance: systemic risks, resilience and European sovereignty, 16 September 2026
EIOPA – Scaling AI in finance (EIOPA) - EIOPA – EIOPA survey on Generative AI shows swift but cautious adoption among Europe’s insurers, 2 February 2026
EIOPA – Generative AI survey (EIOPA) - Allianz Commercial – AI Risk: Rising fast, but losses still lag behind, 8 July 2026
Allianz – AI Risk: Rising fast, but losses still lag behind (Allianz.com) - Anthropic – An alignment assessment of recent cybersecurity incidents, 9 September 2026
Anthropic – An alignment assessment of recent cybersecurity incidents (Anthropic) - Munich Re / HSB – HSB Introduces AI Liability Insurance for Small Businesses, 18 March 2026
Munich Re/HSB – HSB Introduces AI Liability Insurance for Small Businesses (Munich Re)
ويوجد أيضًا صفحة المنتج الحالية: HSB AI Liability Insurance - Munich Re – aiSure: More AI Opportunity. Less AI Risk.
Munich Re – aiSure (Munich Re) - The Block – Alibaba-linked AI agent hijacked GPUs for unauthorized crypto mining, researchers say, 8 March 2026
The Block – Alibaba-linked AI agent hijacked GPUs (The Block)



