كيمياء جلد الذات

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ليس كل رد فعل يأتي بعد الأذى خطأ، كما أن الصمت ليس دائمًا حكمة، والاعتذار ليس دائمًا فضيلة، والتراجع ليس دائمًا دليلًا على الرقي. ففي كيمياء السلوك الإنساني، لا يمكن فهم النتيجة دون فهم طبيعة التفاعل الذي سبقها.

قد يتعرض الإنسان لضغط نفسي أو لفظي أو بدني، فيدخل في تفاعل داخلي معقد؛ تتصادم فيه مشاعر الخوف مع الإحساس بالكرامة، ويتفاعل القلق مع الرغبة في حماية الذات، فتتغير سرعة الاستجابة، وقد يفقد الإنسان جزءًا من اتزانه وهو يحاول أن يحمي ما يهمه.

وفي الكيمياء، لا تسير التفاعلات دائمًا بالسرعة نفسها؛ فهناك طاقة تنشيط يجب تجاوزها حتى يبدأ التفاعل، وهناك عوامل ترفع سرعة التفاعل وأخرى تبطئه. وكذلك الإنسان؛ قد يكون الخوف هو طاقة التنشيط التي تعيق الفعل، وقد يكون الوهم بوجود قوة لدى الطرف الآخر هو العامل الذي يغير مسار التفاعل كله، حتى وإن كانت تلك القوة في حقيقتها مجرد صورة صنعها العقل تحت تأثير القلق.

وهنا تبدأ إحدى أخطر عمليات التحول في كيمياء النفس:

يتحول الخوف من احتمال إلى يقين، ويتحول الوهم إلى قوة، ثم تتحول القوة المتخيلة إلى سلوك حقيقي.

قد يعتقد الإنسان أن الطرف الآخر أقوى مما هو عليه، وأن المواجهة ستجلب نتائج لا يستطيع احتمالها، فيبدأ بالدفاع عن نفسه كما لو كان مخطئًا، ويكثر من التبرير، ويبحث عن أسباب للاعتذار حتى عندما لا يكون الاعتذار هو التفاعل المناسب.

وهذا يشبه في الكيمياء وجود مادة متفاعلة تحت تأثير وسط غير متزن؛ فليست المشكلة دائمًا في المادة ذاتها، وإنما في الوسط الذي جرى فيه التفاعل.

وفي التفاعلات الكيميائية الدائمة، لا تختفي المادة من الوجود، وإنما تتحول من صورة إلى أخرى. وكذلك التجارب الإنسانية؛ قد تنتهي الواقعة، لكن أثرها يبقى في الذاكرة، ويتحول إلى خبرة، أو خوف، أو حذر، أو حكمة. والسؤال الحقيقي ليس: هل حدث التفاعل؟ بل: إلى أي مادة جديدة حوّلنا أثره؟

فالإنسان قد يخرج من تجربة مؤلمة أكثر ضعفًا، وقد يخرج منها أكثر اتزانًا.

قد يجعل الخوف منه شخصًا يجلد ذاته، وقد يجعله أكثر وعيًا بحدوده.

قد يدفعه الضغط إلى الاعتذار عن شيء لم يرتكبه، وقد يدفعه في المرة التالية إلى الوقوف في موضعه دون عدوان ودون انكسار.

وهنا تظهر قاعدة مهمة في الكيمياء الفكرية:

لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن النفس إلى اعتداء على الآخر، كما لا ينبغي أن يتحول الخوف من الاعتداء إلى اعتداء على الذات.

فكما أن زيادة أحد مكونات التفاعل قد تدفع النظام بعيدًا عن الاتزان، فإن الإفراط في الخوف أو التبرير أو جلد الذات قد يجعل الإنسان يتنازل عن مساحته النفسية دون أن يطلب منه أحد ذلك صراحة.

ومن أخطر التفاعلات الداخلية أن يقف الإنسان أمام نفسه متهمًا، قبل أن يعرف هل هو متهم أصلًا.

فيبدأ بالسؤال:

لماذا أخطأت؟

ماذا كان ينبغي أن أفعل؟

هل كان يجب أن أعتذر؟

هل كان ينبغي أن أصمت؟

هل كان الطرف الآخر أقوى؟

ثم يتحول السؤال من وسيلة للفهم إلى أداة لجلد الذات.

وهنا يصبح العقل أشبه بمفاعل كيميائي يعمل في اتجاه واحد، يعيد إنتاج النتيجة نفسها مهما تغيرت الظروف.

لكن الاتزان لا يعني أن يعتقد الإنسان أنه لا يخطئ؛ فالإنسان قد يخطئ، والاعتراف بالخطأ قوة، والاعتذار عند استحقاقه رقي، والتراجع عند اكتشاف الخطأ حكمة.

إنما الاتزان الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان أن يقول:

إن كنت مخطئًا، أعترف بخطئي دون إذلال.
وإن كنت مصيبًا، أتمسك بحقي دون عدوان
.
وإن كنت لا أعلم، أطلب الحقيقة دون خوف
.

هذه هي حالة الاتزان التي تشبه الاتزان الكيميائي؛ ليست سكونًا مطلقًا، وإنما حالة ديناميكية تستمر فيها التفاعلات مع بقاء النظام مستقرًا.

وفي الكيمياء، قد يعمل المحفز على تغيير سرعة التفاعل دون أن يُستهلك فيه. وفي الحياة، قد تكون كلمة، أو موقف، أو تجربة، أو شخص، محفزًا يكشف ما كان مختبئًا داخل الإنسان. لكن المحفز لا يصنع المادة من العدم؛ إنه يكشف قابلية كانت موجودة أصلًا.

لذلك لا ينبغي أن يصبح الخوف هو المحفز الدائم لكل قراراتنا.

فالخوف إذا زاد عن حده يتحول من وسيلة للحماية إلى مادة تعوق الحركة، ومن غريزة تحفظ الإنسان إلى قوة تسلبه حريته الداخلية.

وقد يعتاد الإنسان مع الزمن على هذا التفاعل، فيصبح الاعتذار التلقائي، والتبرير المستمر، والخشية من المجهول، والبحث عن رضا الآخرين، جزءًا من بنيته السلوكية.

وهنا تحتاج النفس إلى إعادة ضبط التفاعل.

ليس المطلوب أن تتحول إلى القسوة، ولا أن تستبدل الخضوع بالعدوان، وإنما أن تستعيد قدرتها على الاتزان.

أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم.

متى تعتذر، ومتى ترفض الاعتذار.

متى تتراجع، ومتى تثبت.

متى تخاف، ومتى تدرك أن جزءًا كبيرًا مما تخشاه ليس حقيقة، وإنما صورة صنعها العقل تحت ضغط الموقف.

إن الحرية النفسية لا تعني ألا يخاف الإنسان، وإنما ألا يسمح للخوف بأن يصبح هو الذي يتخذ القرار.

ففي كيمياء الإنسان، ليست القوة في أن ينتصر على الآخرين، بل في ألا يسمح لأي تفاعل خارجي بأن يعيد تشكيله على صورة لا يريدها.

وقد تكون بعض التجارب المؤلمة بمثابة تفاعل غير مرغوب فيه، لكنها لا تخلو من قيمة؛ لأنها تكشف للإنسان نقاط ضعفه، وتدفعه إلى إعادة النظر في طريقة استجابته، وتعلمه أن الكرامة ليست صراخًا، وأن الثبات ليس عدوانًا، وأن الاعتذار ليس مذلة، وأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة.

وفي النهاية، لا يستطيع الإنسان أن يمنع جميع التفاعلات التي تحدث حوله، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يدير شروط التفاعل داخله.

فالحياة تفاعلات مستمرة، والإنسان في حالة تشكل لا تنتهي.

وما دام التفاعل مستمرًا، فليس مطلوبًا أن نمنع التفاعل، بل أن نختار المادة التي نريد أن نصبحها بعده.

وهنا تبدأ الكيمياء الفكرية الحقيقية:

ألا تجعل الخوف كاشفًا لضعفك، بل كاشفًا لوعيك.
وألا تجعل الخطأ سببًا لجلد ذاتك، بل فرصة لإعادة الاتزان
.
وألا تجعل قوة الآخرين المتخيلة تسلبك حريتك الداخلية
.
وأن تتعلم أن تكون ثابتًا في الحق، متواضعًا أمام الحقيقة، كريمًا في الاعتذار، حرًا في القرار
.

فالإنسان لا يختار دائمًا ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يتفاعل معه.

وهذه هي أعمق معادلات الكيمياء الفكرية:
التجربة قد تفرض التفاعل، لكنها لا ينبغي أن تفرض النتيجة
.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51