عالم “العلاج بالحلم” التخديري الناشئ

عبد الكريم عويرفريق الترجمة
شخص نائم يرتدي قبعة تخطيط الدماغ الكهربائي وأجهزة استشعار على وجهه، مغطى ببطانية أرجوانية.

يدرس فريق بحثي في جامعة ستانفورد الأمريكية ظاهرة عرفها أطباء التخدير منذ زمن بعيد دون أن يولوها اهتماماً يُذكر: الأحلام التي يراها بعض المرضى أثناء خضوعهم للتخدير العام. وتشير ملاحظات أولية إلى أن هذه الأحلام قد تساعد بعض المرضى على تخفيف القلق وأعراض الصدمات النفسية، وهي فرضية يعمل الباحثون حالياً على اختبارها بأدوات علمية منضبطة.

ملاحظات من غرفة العمليات

بدأت القصة مع طبيب التخدير هاريسون تشاو، الذي عاد إلى جامعة ستانفورد بعد نحو عشرين عاماً قضاها في الممارسة الخاصة. فمنذ عام 2009، بدأ تشاو يدوّن ما يرويه مرضاه بعد استيقاظهم، ولاحظ أن كثيراً منهم يرون أحلاماً شديدة الوضوح، مترابطة الأحداث، أقرب إلى فيلم قصير له بداية ووسط ونهاية. واللافت أن هذه الأحلام كانت تدور في الغالب حول مصدر قلق في حياة المريض، وتنتهي بحلّه.

من بين هذه الحالات أمٌّ خضعت لجراحة لعلاج سرطان الثدي، ورأت في حلمها أنها توصل أطفالها إلى المدرسة في الوقت المحدد مرة بعد أخرى، فاستيقظت وقد زال عنها ذلك القلق اليومي. ووكيل قروض كان مثقلاً بطلبات متأخرة في عمله، فحلم أنه يعالجها، وحين عاد إلى مكتبه شعر كأنه أنجزها بالفعل.

ولاحظ تشاو نمطاً آخر لدى مرضى جراحات اليد والكاحل، إذ كان كثير منهم يحلمون بأن أطرافهم قد شُفيت وعادت إلى العمل. فرئيس إطفاء حلم بأنه يسافر للصيد بمعصمه السليم، وجراح قلب حلم بأنه يستعد لإجراء عملية بيده بعد إصلاحها، ورامية مطرقة أولمبية سابقة حلمت بأنها تعود إلى الرمي.

كما لاحظ تشاو، في ملاحظاته السريرية غير الخاضعة لتجارب منضبطة، أن إطالة مرحلة الحلم ارتبطت بغثيان أقل بعد الجراحة، وتعافٍ أسرع، ويقظة أوضح عند الاستيقاظ. وتختلف هذه الملاحظات عمّا وصفته أبحاث سابقة، منها أعمال طبيبة التخدير الأسترالية كيت ليزلي، التي رأت أن أحلام التخدير عشوائية وغير منظمة.

حين التقى الطبيب بعالم الأعصاب

في عام 2019، عرض تشاو ملاحظاته على بوريس هايفتس، عالم الأعصاب والأستاذ المساعد في طب التخدير بجامعة ستانفورد. كان هايفتس يدرس مواد تؤثر في الوعي، مثل الكيتامين والسيلوسيبين، ويبحث عن إجابة لسؤال محوري: ما الذي يجعل هذه المواد مفيدة علاجياً لبعض الناس؟ هل هو تأثيرها الكيميائي في الدماغ، أم توقّع المريض أنه سيتحسن، أم التجربة الذهنية التي يعيشها خلال تأثيرها؟

كان هايفتس يميل إلى أن التجربة الذهنية نفسها هي العامل الأهم. ولهذا رأى في أحلام التخدير فرصة مهمة: فإذا كانت حالة ذهنية يستعيد فيها الإنسان تجاربه ويعالجها قادرة على إحداث أثر علاجي، بصرف النظر عن نوع الدواء المستخدم، فهذا يعزز فكرة أن “الحالة” هي ما يصنع الفرق. ويؤكد تشاو هذا المعنى، مشيراً إلى أنه لاحظ الظاهرة نفسها مع أنواع مختلفة من أدوية التخدير، وليس مع البروبوفول وحده، وهو الدواء الأكثر استخداماً في التخدير العام.

قرر الاثنان التعاون، فوفّر هايفتس جهازاً لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ، وفريقاً لإجراء تقييمات نفسية، بهدف تحويل ملاحظات تشاو المتراكمة إلى بيانات يمكن دراستها.

حالات تستحق الدراسة

من أبرز الحالات التي وثّقها الفريق حالة مار لوكاس، وهي أم عانت من كوابيس أسبوعية وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة لثلاث سنوات بعد فقدان ابنها الأكبر عام 2017. وخلال جراحة خضعت لها عام 2020، رأت نفسها تطفو فوق الغرفة التي وُلد فيها ابنها الأصغر، تتأمل فرحة تلك اللحظة. وتقول إن الكوابيس توقفت منذ ذلك الحين، وبعد عام لم تعد تنطبق عليها معايير تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة.

أما كيلسي نيومان، وهي معلمة خضعت لأربع جراحات لعلاج سرطان الثدي، فتقول إن خوفها من التخدير تحوّل تدريجياً إلى فضول لمعرفة ما ستحلم به، وإن أحلامها منحتها شعوراً بالطمأنينة.

وتبقى حالة مارينا الأكثر أهمية من الناحية العلمية. فهذه الشابة البالغة من العمر 26 عاماً تعرضت لاعتداء بسكين واحتاجت إلى جراحة لترميم يدها، وكانت تعاني قبل العملية من كابوس متكرر حرمها النوم. وتحت التخدير، حلمت بتفاصيل الاعتداء، ثم بنقلها إلى المستشفى، ثم بإصلاح يدها وعودتها إلى المنزل وإنجاز مهامها اليومية بها. وبعد الجراحة، أصبحت قادرة على الحديث عن الحادثة بهدوء، وتوقفت الكوابيس، ولم تعد تنطبق عليها معايير تشخيص اضطراب الكرب الحاد. وقد سُجّل نشاط دماغها أثناء التجربة، ونشر الفريق حالتها في أول دراسة حالة له.

تشابه مع علاج معروف

ما أثار اهتمام هايفتس في حالة مارينا هو تشابه حلمها مع أحد أكثر العلاجات النفسية استخداماً لاضطراب ما بعد الصدمة، وهو “العلاج بالتعرّض”. في هذا العلاج، يساعد المعالج المريض على استعادة ذكرياته المؤلمة تدريجياً في بيئة آمنة، على مدى نحو اثنتي عشرة جلسة، حتى تضعف الاستجابة العاطفية الحادة المرتبطة بها. ويرى هايفتس أن ما روته مارينا جاء مطابقاً تقريباً للمسار الذي يسعى إليه المعالجون في هذا النوع من العلاج، لكنه حدث تلقائياً داخل الحلم.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

لا يملك الباحثون حتى الآن تفسيراً واضحاً. ويصف هايفتس الحالة التي يدرسونها بأنها “وعي منفصل”، أي حالة يعيش فيها الدماغ تجربة داخلية كاملة وهو منقطع عن العالم الخارجي، وتقع في منطقة وسطى بين التخدير العميق واليقظة التامة.

ومن الفرضيات المطروحة أن هذه الأحلام قد تُضعف نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن إفراز النورإبينفرين، وهو ناقل عصبي يرتبط باستجابة الجسم للضغط والتوتر. لكن هذه تبقى فرضية تحتاج إلى إثبات. ويشير هايفتس إلى أن تخطيط الدماغ الكهربائي لا يكفي وحده لفهم ما يجري، لأنه يرصد النشاط على سطح الدماغ بصورة أساسية، في حين أن جزءاً مهماً من العملية قد يحدث في مناطق أعمق.

وتوضح الباحثة بيليرين سيكا، من مختبر هايفتس، أنه لا توجد حتى الآن وسيلة موضوعية لرصد محتوى الوعي مباشرة، ولذلك يعتمد الباحثون على ما يرويه المشاركون، ثم يحاولون ربطه بمؤشرات عصبية وبيولوجية قابلة للقياس.

الخطوة التالية

بعد نشر عدة أوراق بحثية، منها تقرير في المجلة الأمريكية للطب النفسي وورقة في مجلة Sleep المتخصصة في أبحاث النوم، حصل الفريق على تمويل من مؤسسة Tiny Blue Dot لتطوير الظاهرة إلى تدخل علاجي واضح المعالم، يمكن اختباره على مرضى اضطراب ما بعد الصدمة. ويقود مختبر IDEA في ستانفورد تجربة أولية تمتد ثلاث سنوات، بدأ التخطيط لها مطلع عام 2025، وتشمل متطوعين أصحاء خارج غرفة العمليات.

ويحرص هايفتس على التذكير بأن النتائج لم تُحسم بعد، وأن الملاحظات السريرية، مهما كانت لافتة، لا تغني عن التجارب المنضبطة. ويقول إن أحداً لا يُشفى من جرعة بروبوفول بحد ذاتها، فالناس يستخدمونه منذ عقود دون أن تختفي مشكلاتهم، وإن الأمر يتوقف على الحالة الذهنية وطريقة الوصول إليها. وإذا جاءت نتائج التجربة إيجابية، فقد يتجه الفريق إلى مسار الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

المصدر: تقرير للكاتبة ساغا بريغز.


خففتُ المصطلحات التقنية وشرحتُ ما بقي منها، وحذفتُ العبارات المبالغ فيها التي جاءت في الترجمة الأصلية. كما أبرزتُ تحفظات الباحثين حتى لا يُفهم النص على أنه علاج مثبت. وأعدتُ صياغة التفاصيل الشخصية الحساسة في حالتَي لوكاس ومريضة العظام بإيجاز، وحذفتُ قصة الأخيرة لأنها تكرر فكرة حالة مارينا. إن أردت، أستطيع إعداد نسخة مختصرة منه على شكل سلسلة تغريدات.


شارك المقالة
متابعة
مهندس وصحفي ... أعمل في الصحافة العلمية مؤسس ومدير مجلة نقطة العلمية
متابعة
فريق الترجمة في مجلة نقطة