في الكيمياء، لا تعرف المادة معنى النهاية كما يعرفها الإنسان.
فما نسميه موتا قد يكون، في عالم الذرات والجزيئات، مجرد بداية لتفاعل جديد؛ تنكسر روابط، وتتحرر ذرات، وتتغير البنية، ثم تظهر مادة أخرى بخصائص لم تكن موجودة من قبل.
لكن الإنسان يقف أمام الموت بطريقة مختلفة.
إنه لا يرى التحول، بل يرى الفقد.
لا يرى الذرات وهي تعيد ترتيب نفسها، بل يرى وجها لن يعود إلى الابتسام، وصوتا لن يعود إلى الكلام، وخطوات توقفت بعد أن اعتاد المكان سماعها.
وهنا تبدأ كيمياء الموت.
الجنازة في ظاهرها تجمع حول جسد غاب عنه صاحبه، لكنها في معناها الأعمق تجربة كبرى في كيمياء الإنسان؛ إذ تتغير فجأة حالة الذين بقوا.
الحزن يترسب.
الذكريات تتصاعد.
الدموع تتكاثف.
والصمت يصبح أكثر حضورا من الكلام.
وفي الصلاة، تقف الأجساد في صف واحد، وتسقط مؤقتا كل الفوارق التي صنعتها الحياة.
لا يبقى إلا الإنسان أمام الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يؤجلها إلى الأبد.
ثم يتحرك الجمع.
خطوات متتابعة تحمل المشهد نحو نهايته الظاهرة.
لكن الكيميائي يعرف أن النهاية الظاهرة ليست دائما نهاية التفاعل.
فحين تتحلل مادة، لا تختفي عناصرها من الكون.
وحين يغيب الإنسان، لا تختفي بالضرورة كل الأشياء التي ارتبطت به.
قد يبقى صوته في ذاكرة ما، وقد تبقى كلمته في عقل ما، وقد تستمر بعض نتائج وجوده في حياة آخرين.
إنها أشبه بسلسلة من التفاعلات؛ يبدأ التفاعل في لحظة، لكن نواتجه قد تستمر طويلاا بعد توقف الشرارة الأولى.
وفي المقابر، يصبح الصمت أكثر كثافة.
الأرض لا تتحدث.
والسماء لا تجيب.
والإنسان الذي كان بالأمس يتحرك ويتكلم ويخطط، يصبح جزءل من دورة أخرى من دورات المادة.
وهنا تكشف الكيمياء واحدا من أكثر أسرارها قسوة وعمقا:
لا شيء يبقى على صورته الأولى.
المادة تتغير.
والجسد يتغير.
والعلاقات تتغير.
والإنسان نفسه يتغير كل يوم، حتى وهو يظن أنه ثابت.
لذلك فإن الموت، في القراءة الكيميائية، ليس مجرد توقف بيولوجي، وإنما انتقال نهائي من حالة إلى حالة.
أما جنائزية الإنسان، فهي ليست في القبر وحده.
إنها تبدأ أحيانا قبل ذلك بكثير؛ حين يموت الحوار بين شخصين، وتموت الثقة، وتموت الرحمة، وتموت الرغبة في الفهم، بينما تظل الأجساد تمشي وتتحدث وكأن شيئا لم يحدث.
قد يكون أخطر موت هو موت الشيء في داخلك قبل أن يتوقف جسدك عن الحركة.
وهنا تتدخل الكيمياء الفكرية لتقول:
كما أن هناك تحللا للمادة، فهناك تحلل للعلاقات.
وكما أن بعض التفاعلات يمكن إيقافها قبل اكتمالها، يمكن للإنسان أحيانا أن ينقذ علاقةة قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
ولهذا ليست كل جنازة مرتبطة بالموت.
هناك جنائز لأحلام انتهت، وصداقات انطفأت، وثقة تحطمت، وقلوب أغلقت أبوابها بعد أن تعبت من الانتظار.
إنها جنائز غير مرئية، لا يحمل فيها الناس نعشا، ولا تقرأ فيها صلاة، ولا تُفتح لها مقابر؛ لكنها تترك في الإنسان فراغا قد يكون أشد من فراغ الغياب.
وهنا تبلغ جنائزية الكيمياء ذروتها:
كل شيءٍ في هذا الكون يدخل في تفاعل،
وكل تفاعل يغير شيئا،
وكل تغيير يترك وراءه ناتجا جديدا.
حتى الوداع.
حتى الفقد.
حتى الموت.
وربما كانت الحكمة الأكثر قسوة أن الإنسان لا يملك أن يوقف التفاعل الكبير الذي يسمى الحياة، لكنه يستطيع أن يختار — ما دام داخل هذا التفاعل — ماذا يفعل بالزمن الذي أُعطي له.
فالحياة تفاعل مستمر،
والموت ليس إلا إحدى نقاط التحول الكبرى في معادلتها.



