كيمياء الالتحام: حين يكون النقص اكتمالا

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

يولد الإنسان بهيكل عظمي يضم عددا من العظام يفوق ما يحمله جسد الإنسان البالغ؛ فبعض المصادر تذكر أن المولود يمتلك نحو 270 عظمة، بينما يستقر العدد في الإنسان البالغ عند نحو 206 عظام. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر وكأن الإنسان يبدأ حياته بوفرة، ثم يفقد جزءًا من هذه العظام مع مرور الزمن. لكن الحقيقة أكثر عمقًا من ذلك.

الإنسان لا يفقد هذه العظام بالمعنى الحقيقي، وإنما تحدث داخل جسده عملية من الاندماج والالتحام؛ أجزاء كانت منفصلة في البداية تتحد تدريجيا لتصبح وحدة أكثر تكاملاا. عظام الحوض، على سبيل المثال، تبدأ كأجزاء منفصلة ثم تلتحم مع النمو، وكذلك بعض أجزاء الجمجمة، بينما تلتحم الفقرات العجزية لتكون عظما واحدًا هو العجز.

وهنا تبدأ الكيمياء الفكرية في قراءة ما وراء الظاهرة البيولوجية.

في الكيمياء، قد تتفاعل مادتان منفصلتان فتكونان مادة جديدة تختلف في خواصها عن مكوناتها الأصلية. لم تختف الذرات، ولم تتحول إلى عدم؛ وإنما تغيرت طريقة ارتباطها وتنظيمها، فتغيرت النتيجة. وهكذا الإنسان، قد يبدأ حياته محاطا بالكثير من الأشياء: أشخاص، أفكار، أحلام، علاقات، تجارب، ومعتقدات. ثم تمر السنوات، فتبدأ عملية أخرى تشبه الالتحام الكيميائي؛ أشياء كانت متفرقة داخله تتجمع، وتجارب مختلفة تعيد ترتيب بعضها، وأفكار متباعدة تتفاعل حتى يصبح الإنسان شيئا مختلفا عما كان عليه.

لذلك فإن النضج ليس دائمًا إضافة أشياء جديدة، بل قد يكون أيضًا اندماج الأشياء الموجودة أصلا في بناء أكثر تكاملا. العظمة المنفردة تؤدي وظيفة، ولكنها حين تلتحم بعظمة أخرى قد تصبح جزءا من بنية أكثر قوة واستقرارا. والإنسان كذلك، قد تكون لديك عشرات التجارب المتفرقة، لكنها لا تصبح خبرة إلا عندما تندمج في داخلك. وقد تقرأ مئات الكتب، لكن المعرفة الحقيقية تبدأ عندما تتفاعل هذه المعلومات لتصنع رؤية. وقد تمر بعشرات الصدمات، لكن الحكمة لا تولد من الصدمة وحدها، وإنما من الطريقة التي يعيد بها العقل تركيبها.

وهنا يظهر قانون مهم من قوانين الكيمياء الفكرية: ليس المهم كم عدد الأجزاء التي تمتلكها، بل كيف ترتبط هذه الأجزاء داخل بنيتك. فقد يكون الإنسان محاطا بالكثير من الأشياء، لكنه مفكك من الداخل؛ وقد يمتلك آخر أشياء أقل، لكنه أكثر تماسكا واتزانا. في التفاعلات الكيميائية، لا يكفي أن توجد العناصر في الوعاء نفسه حتى يحدث التفاعل؛ لا بد من ظروف مناسبة، وطاقة كافية، وترتيب يسمح بتكوين روابط جديدة، وكذلك الإنسان. وجود التجارب في حياتك لا يعني أنك استفدت منها. وجود الألم لا يعني أنك أصبحت أكثر حكمة. ومرور السنوات لا يعني بالضرورة أنك أصبحت أكثر نضجًا. إنما النضج يحدث عندما تبدأ التجارب في الارتباط وإعادة ترتيب البنية الداخلية للإنسان.

قد يدخل الإنسان تجربة وهو يظن أنها ستكسره، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت إحدى الروابط التي أعادت تشكيل شخصيته. وقد يفقد علاقة كان يظن أن حياته ستتوقف بعدها، ثم يكتشف أن الفراغ الذي تركته تلك العلاقة سمح لأجزاء أخرى من شخصيته أن تنمو. وقد يتخلى عن أفكار كان يتمسك بها بشدة، لا لأنه فقد شيئا، وإنما لأنه اكتشف أن بعض ما كان يعتقد أنه جزء من هويته لم يكن سوى مرحلة من مراحل التشكل.

وهنا تتجلى إحدى أفكار الكيمياء الفكرية: التحول لا يعني دائما أن شيئا جديدا قد دخل إليك؛ أحيانا يعني أن الأشياء الموجودة في داخلك أعادت ترتيب نفسها. فالطفل لا يصبح بالغا لأنه فقد العظام التي كان يمتلكها، وإنما لأن أجزاءً من هيكله العظمي خضعت لعملية نمو واندماج وتشكل. والإنسان لا يصبح أكثر نضججا لأنه تخلص من ماضيه، بل لأنه أعاد تفسير ماضيه وربط أحداثه بعضها ببعض، حتى تحولت التجارب المتفرقة إلى بنية فكرية جديدة. إنها كيمياء خفية تحدث داخل الإنسان دون أن نراها.

نحن نعد السنوات، بينما الحياة تعدّل الروابط. نحن نرى التغير الخارجي، بينما تحدث في الداخل عمليات أعمق: تفكك، وإعادة بناء، واتحاد، واستبدال، واتزان.

ولهذا قد يكون الإنسان في الأربعين أو الخمسين أقل عددًا في بعض جوانب حياته مما كان عليه في العشرين، لكنه أكثر تكاملا. أصدقاء أقل، لكن علاقات أعمق. أحلام أقل، لكن أكثر واقعية. كلمات أقل، لكن أكثر معنى. اندفاع أقل، لكن بصيرة أكبر.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم فقدت من الأشياء؟. بل: كم من الأشياء التي فقدتها كان يجب أن تندمج، وكم من الأشياء التي بقيت أصبحت أكثر قيمة؟.

إن هيكل الإنسان نفسه يقدم لنا درسا مذهلا: قد يقل العدد بينما تزداد الوحدة، وقد تقل الأجزاء بينما تزداد القوة، وقد يبدو التغير فقدا بينما يكون في حقيقته اكتمالا.

وهذه هي إحدى رسائل الكيمياء الفكرية: الإنسان ليس مجموع أجزائه، وإنما هو نتيجة التفاعلات التي أعادت تشكيل هذه الأجزاء داخله.

فالطفل يبدأ بعدد أكبر من العظام، ثم يصل إلى 206 عظام في جسد أكثر اكتمالا. وكذلك الإنسان في رحلة الحياة.، لا يصبح بالضرورة أفضل لأنه جمع المزيد، وإنما لأنه تعلم كيف يجعل ما لديه يتفاعل، ويلتحم، ويتكامل.

في الكيمياء: قد تتحد المواد فتتغير خواصها. وفي الإنسان: قد تتحد التجارب فتتغير شخصيته.

وهنا تختصر الكيمياء الفكرية المعادلة كلها: ليس كل نقصان فقدًا، فبعض النقصان هو الصورة الأخرى للاكتمال.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51