هناك معادلات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل وراء بساطتها معاني عميقة عن الإنسان والحياة. ومن أجمل هذه المعادلات تلك التي تجعل الأخلاق هي الرقم الأول في قيمة الإنسان، ثم تأتي بقية الصفات كأصفار تزداد قيمتها بوجود هذا الرقم.
فلو كان الإنسان صاحب أخلاق، فهو يساوي واحدًا، ثم إذا أضفنا إلى أخلاقه جمال المظهر أصبح الرقم عشرة، وإذا أضفنا المال أصبح مائة، وإذا أضفنا الحسب والنسب والمكانة أصبح ألفًا، ويمكن أن تتوالى الأصفار بعد ذلك مع الشهرة والمنصب والنفوذ والعلم وكل ما يراه الناس من أسباب القوة والتميز. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث إذا اختفى الرقم واحد، أي إذا اختفت الأخلاق؟ عندها لا تبقى إلا الأصفار، ومهما بلغ عددها فلن تصنع قيمة حقيقية.
وهنا تبدأ الكيمياء في منح هذه المعادلة معنى آخر. ففي المختبر لا نحكم على المادة من شكلها الخارجي فقط، فقد تبدو مادتان متشابهتين في المظهر، بينما تختلفان تمامًا في التركيب والخواص والسلوك. والقيمة الحقيقية للمادة لا تأتي من شكلها، وإنما من تركيبها وروابطها وطبيعة العناصر التي تتكون منها.
خذ تجربة الحديد مثالًا بسيطًا. فالحديد في وجود الماء والأكسجين يتعرض للتآكل ويكوّن الصدأ، ومع مرور الوقت يفقد جزءًا من خواصه ويتحول سطحه إلى طبقة هشة لا تحميه حماية كافية. لكن عندما تدخل عناصر أخرى في تركيبه بنسب محسوبة، كما يحدث في الفولاذ غير القابل للصدأ، يمكن أن تتغير خواصه بصورة كبيرة؛ فوجود الكروم بكمية مناسبة يساعد على تكوين طبقة أكسيد رقيقة واقية على السطح، فتزداد مقاومة المادة للتآكل. لم يتغير شكل الحديد وحده، وإنما تغيرت بنيته وتركيبه، فتغير سلوكه.
وهكذا الإنسان أيضًا؛ فقد يكون جميل المظهر، حسن الهندام، واسع المال، عريق النسب، صاحب منصب أو شهرة، لكن كل هذه الصفات تظل في حاجة إلى عنصر أساسي يحافظ على قيمتها، وهذا العنصر هو الأخلاق. فالجمال بلا أخلاق قد يتحول إلى غرور، والمال بلا أخلاق قد يتحول إلى ظلم، والمنصب بلا أخلاق قد يتحول إلى استعلاء، والعلم بلا أخلاق قد يتحول من وسيلة للبناء إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
وفي تجربة كيميائية أخرى، عندما نضع مادة دالة في محلول حمضي أو قلوي، يتغير لونها تبعًا لطبيعة الوسط الذي توجد فيه. وقد يبدو لنا التغير مجرد لون على السطح، لكنه في الحقيقة يكشف عن تغير كيميائي في البيئة المحيطة بالمادة. وهكذا قد يغير الإنسان مظهره وملابسه ومكانه وموقعه أمام الناس، لكن ما يكشف حقيقته هو الوسط الذي يعيش فيه والمواقف التي يتعرض لها؛ فالمواقف الصعبة هي التي تكشف حقيقة الإنسان كما يكشف الكاشف الكيميائي طبيعة المحلول.
وفي الكيمياء أيضًا توجد المحفزات التي تستطيع أن تسرّع بعض التفاعلات دون أن تكون هي نفسها الناتج النهائي للتفاعل. ويمكن أن نستعير من ذلك معنى إنسانيًا جميلًا؛ فالكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة، والأخلاق الرفيعة قد تكون محفزات في حياة الآخرين، فتدفعهم إلى التغيير الإيجابي دون أن يشعروا أحيانًا بحجم تأثيرها. ولهذا قد ينسى الإنسان كلمات كثيرة سمعها، لكنه لا ينسى موقفًا أخلاقيًا صادقًا ترك أثرًا في نفسه.
وفي تجربة الصوديوم مع الماء نرى تفاعلًا شديدًا وسريعًا، لأن طبيعة المادة وخصائصها الداخلية هي التي تحدد سلوكها عند دخولها في التفاعل. وهذا يذكرنا بأن الإنسان لا يظهر معدنه الحقيقي في لحظات الراحة فقط، وإنما يظهر عندما يدخل في اختبار حقيقي؛ عند الغضب، وعند الاختلاف، وعند امتلاك السلطة، وعندما تتاح له فرصة يستطيع فيها أن يظلم شخصًا أضعف منه. هناك تحديدًا تظهر حقيقة التركيب الداخلي للإنسان.
لذلك لا ينبغي أن ننخدع بكثرة الأصفار التي تحيط بالإنسان. قد يكون لديه المال والجمال والنسب والمنصب والشهرة والعلاقات، لكن إذا فقد أخلاقه، فقد فقد الرقم الذي يمنح كل هذه الأشياء قيمتها. أما الإنسان الذي يمتلك أخلاقًا حقيقية، حتى لو لم يمتلك كثيرًا من المال أو الشهرة أو المكانة، فإنه يستطيع أن يصنع لنفسه قيمة حقيقية في قلوب الناس.
ففي النهاية، ليست العبرة بعدد الأصفار التي نضعها إلى جوار الإنسان، وإنما بالرقم الذي يسبقها. وإذا كان هذا الرقم هو الأخلاق، أصبحت لكل إضافة قيمة، أما إذا غاب، تحولت كل الإضافات إلى مجرد أصفار.
وهكذا يمكن اختصار معادلة الإنسان في جملة واحدة: الأخلاق هي العنصر الأساسي في تركيب الإنسان، وما عداها قد يزيد من قيمته، لكنه لا يستطيع أن يصنعها من العدم.
وقد يملك الإنسان كثيرًا من الأشياء التي تجعل الناس ينظرون إليه بإعجاب، لكن قيمته الحقيقية لا تظهر فيما يملك، وإنما فيما يبقى منه عندما تسقط عنه كل المظاهر. فالإنسان قد يفقد ماله، أو منصبه، أو جماله، أو شهرته، لكنه إذا حافظ على أخلاقه، ظل محتفظًا بالرقم الذي يجعل لكل ما حوله قيمة. أما إذا فقد أخلاقه، فقد تبقى حوله الأصفار كلها، لكن المعادلة نفسها تكون قد فقدت معناها.
والقدوة ليست كلمات تقال، بل سلوك يرى؛ والأخلاق ليست شعارات ترفع، بل أثر يظهر فى كل التفاعلات الإنسانية التى تكشف حقيقة الإنسان. وفي الكيمياء الفكرية، كما تعرف المادة من نواتج تفاعلها، يعرف الإنسان من أثر أخلاقه فيمن حوله.
فأجمل القدوة أخلاق ترى، لا كلمات تروى.
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةً حسنة قال تعالى: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ” ( الأحزاب: 21) ، وقال سبحانه: ” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم: 4)، فكان خلقه العظيم أعظم نموذج لتحويل القيم من مبادئ مجردة إلى سلوك حيّ.



