مقدمة
نسمع دوما أن خريجي الجامعات بالإمكانات التي يملكونها لا يصلحون لأن يدخلوا بها سوق العمل، ونسمع من الجامعات أن الطلاب الناجحين في التوجيهي بالخامات التي يملكونها أيضا لا يصلحون لدخول الجامعات، ومن ناحية أخرى، وهي الأخطر، نسمع أن أعضاء هيئة التدريس لا يريدون تطوير أنفسهم، وكل ذلك يحدث وسط تطور تقانة المعلومات التي تحدث هذه الأيام!!
إذا أردنا أن نلخص، فللأسف، الواضح هو أن الشغف غير موجود لدى هؤلاء، وبالتالي أي تطور هذا سيحدث لوطننا وللأمتين العربية والإسلامية إذا لم نقم بذلك؟!
في الحقيقة، هناك مشاكل عديدة يجب التطرق لها، فبمعرفتها نستطيع وضع أيدينا على الألم الذي يجب معالجته، وهذا في حال أردنا ذلك.
الطالب هل أثناء تعلمه في مدرسته لديه الشغف؟!
يجب أن تكون هناك علاقة متبادلة بينه وبين معلميه، فالطالب يحدث معلمه الذي يدرسه مادة من المواد عن تفكيره في درس تم تدريسه، أو فكرة لها علاقة به، وإذا دخلت الفكرة عقله جيدا يستطيع أن يبني عليه ما يريد تطويره وبناؤه بإشراف معلمه، فالطالب يريد أيضا من معلمه أن ينير له طريقه في التفكر وتناول الأمر معه، حتى يساعده على بلوغ هدفه، وبالتالي تلقائيا يرى نفسه بأنه من الممكن أن يبدع!

أما عما يحدث الآن، فهذا غير موجود؛ لأن حتى إدارة المدرسة ليس لديها علم بمدى ربط الطالب بمعلميه، وما له من أهمية، لتجعل هذا الرابط يربط الطالب بما يراه أنه طريق، لو سلكه سيصل به إلى قمة العلم!
نعم، قمة العلم، وليس قمة المال كما يحدث الآن، فقد أصبح تعلم تخصص هو لأجل أن هذا التخصص يكسب أكثر من تخصص آخر، لا من أجل أن يطوره لأجل رفعة علمه، مع أن الزمن خلال السنوات العشر الأخيرة، تقدمت فيه الأدوات التي تساعد في التعلم والتفكير بما يجب أن يكون عليه المرء في المستقبل، وخصوصا خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، مع عصر الذكاء الاصطناعي المولد للأفكار!
حال الطالب أثناء اختيار تخصصه الجامعي!
مشاكل كبيرة وعديدة نشاهدها مع الطلاب الذين ينهون مرحلة التوجيهي، والتي يفترض، من اسمها، أن يعلم الطالب ما هو توجهه العلمي، فنرى من يقول: لا أعلم ما الذي أريده أو ما الذي أراه أنه يفيد!
طالب لم يختر تخصصه الذي يراه أنه جيد إلا في اللحظة الأخيرة، والمشكلة ليست فقط أنها كانت نابعة مما يفكر أو ما يفترض أنه يفكر، بل من توجيهات الناس على ما يجب عليه أن يفكر، فترى أناسا يقولون له: هذا التخصص لا يحتاج منك إلى التفكير الكثير، وآخرون يقولون له: راتب هذا التخصص سيكون كبيرا، وكأنه سيحصل عليه فور دخوله الحياة الوظيفية، والمفاجأة، وبعد كل ذلك، سيقول: ليس ما أريده!
أو نرى طالبا يعلم ما يريد، ولكن أهله يقولون له: أدرس الهندسة أو الطب، فمعدل نجاحك عال، ولا يجوز لك أن تتوجه إلى غير التخصصات العلمية الكبيرة، ويدرس التخصص الذي يريد أهله، وهنا نرى نوعين من الطلاب: من يثابر لأجل إرضاء أهله فينجح في التخصص، بل ويتفوق، ويقول لهم: إليكم شهادتي وبتفوق، وقوموا بتعليقها في صدر البيت، ثم يفاجئ أهله أنه يريد دراسة التخصص الذي كان يريده، وفعلا يدرس ويتفوق أيضا!

وهناك طالب ظن نفسه أنه يتعلم تخصصه الهندسي، فيأتي في منتصف دراسته لتصدمه بعض المواد، فيقوم بتحويل مساره التعليمي أو حتى جامعته، مع العلم أنه متفوق حتى قبل أن يدرس تلك المواد التي يقول إنها عطلته عن مسيرته، ويتساءل البعض لماذا قام بذلك، ليفاجئ الجميع أنه حتى لا يتناقص معدله التراكمي الذي يخبر الجميع بأنه متفوق!
وطالب في مراحله الدراسية المدرسية كان له رغبة وحب وشغف ولهفة في تعلم شيء، حتى أصبح الأمر بالنسبة له لهفة وعشق، وكبر معه حتى التوجيهي، مع تعديلات بسيطة في فروع لهفته وشوقه لما يحبه التي طورته، وفي رحلته الجامعية تطور الأمر وأصبح يقرأ مراجع في مكتبته الجامعية وكتبه المقررة عليه دراستها، ليقوم بعمل أبحاث، وقد يكون أخفق في بعض الأمور ومر سريعا في أمور أخرى، ولكن راجع وقوّم نفسه، وبمساعدة هيئة تدريس شغوفة بنصحه ومتابعته، وأكمل طريقه حتى تخرجه، وبالرغم من أنه ليس من المتفوقين، ولكنه من الذين يحبون عملهم في هندسة الحاسوب، حتى استطاع ممارسة حياته الوظيفية بشكل سلس، والتي علمته الكثير أيضا!
الهيئة التدريسية وما أدراك بها!

المفترض أن هيئة التدريس تكون أكثر مرونة من الطالب، فصحيح أن الطالب في مراحل تعليمه يحتاج إلى من يكتشف قدراته ويوجهها وينميها، إلا أن المعلم نفسه يحتاج إلى تطوير مستمر لمواكبة تطورات الحياة والمجتمع.
تلك المصاعب والمتاعب، إذا كانت فرعية، فيتم تجاوزها، ولكن في حال كانت جوهرية في عمله، فهذا يعني أنه يجب أن يعمل كل جهده حتى يواكب التطور، لأنها ستعينه وتحمله إلى منزلة قد تميزه عن باقي زملائه.
هناك فرق بين المعلم الذي فقط يكرر ما هو موجود في الكتاب ولا يقدم أمثلة واقعية لصقل الفكرة، وآخر يخلق أسئلة ويثير أفكارا تنير طريق طالبه، و الذي يكرر المحاضرة نفسها لسنوات، وآخر الذي يتعلم باستمرار ويحدّث معرفته وعلمه.
الخلاصة
المشكلة ليست في أن العالم يتطور بسرعة، بل في أن بعضنا يظن أن بإمكانه الوقوف في مكانه بينما كل شيء من حوله يتحرك. فالطالب يحتاج إلى شغف يدفعه للتعلم، والمعلم يحتاج إلى شغف يدفعه لاكتشاف طلابه، والأستاذ الجامعي يحتاج إلى شغف يجعله يستمر في التعلم قبل أن يطلب من الآخرين أن يتعلموا. فالشغف الحقيقي ليس مجرد حب تخصص أو وظيفة، بل هو الرغبة المستمرة في المعرفة، والتساؤل، والتجربة، والتطور.




