كيمياء الخيانة

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في الكيمياء، لا يحدث التفاعل من فراغ.
لابد من مادة أولية، ووسط مناسب، وطاقة كافية لبدء التفاعل، وقد يحتاج الأمر إلى محفز يسرّع ما كان يمكن أن يستغرق زمنًا طويلًا.

وفي كيمياء البشر…
تبدأ الخيانة بالطريقة نفسها تقريبًا.

تبدأ بمادة شفافة اسمها الثقة.

تمنحها لمن تحب، وتضعها بين يديه كما تضع مادة ثمينة في إناء نظيف، لا تشك في نقائها، ولا تتوقع أن تتحول يومًا إلى شيء آخر.
ثم يأتي المحفز
كلمة، مصلحة، طمع، غيرة، ضعف، أو رغبة خفية كانت مختبئة في أعماق الخائن، تنتظر فقط الظروف المناسبة لكي تبدأ عملية التحلل.

في البداية لا ترى شيئًا.

فالتفاعلات الأخطر ليست دائمًا تلك التي تصدر عنها فقاعات أو يتغير فيها اللون أمام عينيك.
بعض التفاعلات تبدأ في صمت…
تتغير فيها البنية الداخلية للمادة بينما يظل سطحها محتفظًا بشكله.

وهكذا يكون الخائن.

تراه كما كان بالأمس؛
الوجه نفسه، والصوت نفسه، والابتسامة نفسها، وربما الكلمات نفسها.

لكن شيئًا ما في الداخل قد تغيّر.

لقد بدأت الروابط القديمة في التفكك.

رابطة الثقة بدأت تضعف،
ورابطة الوفاء بدأت تنكسر،
ورابطة المودة دخلت في مرحلة التحلل.

والمشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن يرى الروابط الكيميائية داخل القلوب، كما يرى الكيميائي الروابط بين الذرات؛ لذلك قد يستمر في منح الثقة لمادة بدأت بالفعل في تغيير تركيبها.

وفي كيمياء الخيانة، لا يكون الخائن دائمًا مادةً سامة منذ البداية.

أحيانًا يبدو كأنه مادة خاملة، لا تتفاعل، لا تؤذي، لا تحمل خطرًا ظاهرًا.
حتى تأتي اللحظة التي تتغير فيها الظروف، فيظهر ما كان مختبئًا في تركيبه.

وهنا تكمن خطورة الخيانة:

ليست دائمًا في ظهور شيء جديد، وإنما في انكشاف شيء كان موجودًا ولم نكن نراه.

قد يقترب منك الخائن كما يقترب الغاز من الوعاء؛
لا تراه، ولا تسمع له صوتًا، ولا تشعر بوجوده، حتى يصل إلى التركيز الذي يصبح معه وجوده خطرًا.

وقد يتصرف كالمادة القابلة للتفاعل؛
يقترب منك، يمتص ثقتك، يستفيد من دفئك، ثم يبدأ في تحويل كل ما أعطيته له إلى طاقة تخدم مصلحته.

وأغرب ما في كيمياء الخيانة أن الجرعة قد تختلف، لكن الأثر قد يكون قاتلًا.

فليست كل الخيانات متساوية.

هناك خيانة صغيرة تشبه شرارة عابرة، تحرق جزءًا من الذاكرة ثم تنطفئ.

وهناك خيانة كالحريق؛ تبدأ من نقطة صغيرة، ثم تنتشر في كل شيء، حتى يصبح من الصعب استعادة ما كان.

وهناك خيانة تغيّر تركيب الإنسان نفسه.

بعدها لا يعود القلب كما كان، ولا تعود الثقة مادة نقية.

تصبح مشوبة بالحذر، ويصبح الإنسان الذي كان يمنح ثقته بسهولة، يقيس كل شيء، ويزن كل كلمة، ويبحث خلف كل ابتسامة عن ناتج تفاعل محتمل.

وهنا يبدأ تفاعل ثانٍ

ليس بين الخائن والمخدوع، وإنما داخل المخدوع نفسه.

يتفاعل الألم مع الذاكرة،
والذاكرة مع الحذر،
والحذر مع الشك،
والشك مع الوحدة.

وفي النهاية قد ينتج مركب جديد اسمه:

عدم الثقة.

والمفارقة المؤلمة أن الخائن قد ينسى التفاعل كله بعد انتهائه، بينما يظل الطرف الآخر يحمل نواتجه في داخله سنوات طويلة.

في الكيمياء، يمكن أحيانًا فصل مكونات الخليط وإعادتها إلى حالتها الأصلية.

أما في كيمياء الخيانة، فالأمر أكثر تعقيدًا.

فقد تتسامح…

لكن التسامح لا يعني دائمًا استعادة التركيب القديم.

وقد تنسى…

لكن النسيان لا يمحو آثار التفاعل.

وقد تعود العلاقة…

لكن بعض الروابط التي انكسرت لا تعود إلى قوتها الأولى.

ولهذا فإن أخطر ما تفعله الخيانة ليس أنها تأخذ منك شخصًا، أو مالًا، أو مكانة، أو سرًا.

إنها أحيانًا تأخذ من نفسك  نسختها القديمة.

تلك النسخة التي كانت تثق بلا حساب،
وتحب بلا شروط،
وتمنح بلا خوف،
وتصدق الكلمات قبل أن تطلب من الأفعال إثباتها.

وفي المختبر، يعرف الكيميائي أن لكل تفاعل طاقة تنشيط؛ وهي الطاقة اللازمة لعبور الحاجز الذي يمنع التفاعل من الحدوث.

وفي البشر أيضًا…

هناك طاقة تنشيط للخيانة.

قد تكون لحظة ضعف،
أو طمعًا،
أو حسدًا،
أو خوفًا،
أو مصلحة،
أو غرورًا.

لكن المحفز الحقيقي الذي يجعل الخيانة ممكنة هو غياب الضمير.

فالضمير هو المثبط الطبيعي لكثير من التفاعلات القذرة.

وحين يغيب…

تبدأ التفاعلات التي لم يكن لها أن تبدأ.

وهنا يصبح الإنسان أشبه بمفاعل كيميائي يعمل بلا نظام أمان؛ ترتفع الحرارة، وتتراكم النواتج، ويزداد الضغط، حتى تأتي لحظة الانفجار.

وربما كانت بعض الخيانات كذلك…

انفجارًا أخلاقيًا سبقه تراكم طويل من الصمت.

ولذلك لا تسأل دائمًا:

من خان؟

بل اسأل أيضًا:

ما الذي جعل الخيانة ممكنة؟

ما المادة التي دخلت التفاعل؟

ما المحفز الذي عجّل به؟

ما الروابط التي كانت ضعيفة قبل أن تنكسر؟

وما الناتج الذي بقي بعد انتهاء التفاعل؟

لأن الخيانة، في النهاية، ليست مجرد فعل.

إنها تفاعل إنساني معقد، تتداخل فيه الثقة والطمع والضمير والمصلحة والضعف.

وقد يكون أصعب ما في هذا التفاعل أن الطرف الذي يمنحك ثقته يدخل إليك في صورة مادة نقية…

ثم يكتشف متأخرًا أنك كنت تحمل في تركيبك مادةً أخرى لم تكن مكتوبة على الملصق.

وهكذا تبقى الحقيقة الكيميائية الأشد قسوة:

بعض المواد لا تكشف طبيعتها إلا عندما تدخل التفاعل.

وبعض البشر كذلك.

فلا تعرف معدن الإنسان حقًا عندما يكون كل شيء هادئًا…

بل تعرفه عندما تتغير الظروف،
وعندما تتعارض المصلحة مع الوفاء،
وعندما تصبح الخيانة أكثر ربحًا من الأمانة.

عندها فقط يظهر التركيب الحقيقي.

وعندها تعرف أن بعض الوجوه كانت مجرد غلاف…

وأن حقيقة الكائنات الحية وغير الحية، مثل الحقيقة الكيميائية،
لا تظهر إلا بعد التفاعل.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51