هندسة كيمياء الحوار… حين يتفاعل الاختلاف

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في الكيمياء، لا توجد مادة تتفاعل مع مادة أخرى لمجرد أنها تقف بجوارها. لا بد من تماس، وطاقة، وظروف مناسبة، وأحيانًا قليل من الصبر! والحوار بين البشر ليس مختلفًا كثيرًا. فالحوار إحدى لغات التبادل بين الكائنات، وخصوصًا الكائنات الحية؛ فمن خلاله تنتقل الأشياء المختبئة في الداخل إلى المحيط الخارجي: فكرة، أو شعور، أو موقف، أو اعتراض، أو حتى كلمة صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها قد تترك أثرًا أكبر بكثير من حجمها.

وفي الكيمياء، نعرف أن قطرة واحدة من مادة مناسبة قد تغيّر مسار التفاعل كله. وكذلك الإنسان… كلمة واحدة قد تبني جسرًا، وكلمة أخرى قد تشعل حريقًا. ومن هنا تبدأ كيمياء الحوار.

فالحوار ليس مجرد تبادل للكلمات، كما أن التفاعل الكيميائي ليس مجرد خلط مواد في إناء. فقد تضع مادتين معًا فتنتج مادة جديدة نافعة، وقد تضع نفس المادتين في ظروف مختلفة، فتسمع صوتًا يشبه الانفجار!

وهكذا البشر.

قد يجلس اثنان حول طاولة واحدة، يحمل كل منهما رأيًا مختلفًا، فينتهي الحوار إلى فكرة ثالثة أفضل من رأي الاثنين. وقد يجلس نفس الاثنان ، بالمكان نفسه، وبنفس الرأيين ، ولكن مع جرعة زائدة من الكبرياء… فيتحول الحوار إلى تفاعل طارد للرحمة!

وهنا تقول لنا الكيمياء الفكرية: ليس المهم فقط ماذا تقول، بل في أي ظروف تقوله. فدرجة الحرارة تؤثر في سرعة التفاعل، ودرجة حرارة الأعصاب تؤثر في سرعة المشاجرة!

وفي المختبر، نعرف أن هناك مواد لا ينبغي خلطها إلا بحذر. وفي الحياة هناك كلمات أيضًا؛ بعض الكلمات، إذا أضفتها إلى الحوار بغير حساب، حدث ترسيب فوري للأخلاق!

والاختلاف في حد ذاته ليس عيبًا في الإنسان، بل ربما كان من أجمل ما فيه. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.

فالاختلاف سنة من سنن الحياة، مثلما أن التنوع سنة من سنن الكيمياء. لو كانت كل العناصر متشابهة، لما وُجد هذا العالم الكيميائي المدهش. الهيدروجين ليس أكسجين، والصوديوم ليس كلور، والكربون ليس سيليكونً، ومع ذلك، حين تلتقي العناصر وفق شروط مناسبة، قد تنشأ مواد جديدة لها خصائص لم تكن موجودة في أي عنصر منفرد.

وهكذا الأفكار.

قد يأتي شخص بفكرة، ويأتي آخر بنقيضها، ثم يأتي الحوار فيصنع منهما شيئًا ثالثًا أكثر نضجًا. إذن الاختلاف ليس المشكلة. المشكلة أن يتحول الاختلاف من اختلاف في الأفكار إلى اختلاف في الكرامة، ومن اختلاف في الرأي إلى رغبة في كسر صاحب الرأي، ومن مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها.

وهنا يبدأ التفاعل في الانحراف عن مساره.

في الكيمياء الفكرية ينبغي أن ندرك أن الفكرة ليست إنسانًا. يمكنني أن أقول لك: هذه الفكرة ضعيفة، وهذه الحجة غير مقنعة، وهذا الاستنتاج يحتاج إلى دليل، وهذا الرأي أختلف معه. لكن لا داعي لأن أقول لك: أنت ضعيف، أنت لا تفهم، أنت لا قيمة لك.

فهنا لم أعد أناقش الفكرة، بل انتقلت من مختبر الأفكار إلى مستنقع الإهانة!

وهذا أخطر انتقال كيميائي يمكن أن يحدث في الحوار.

فالعقل قد يحتمل أن تقول له: «أنت مخطئ»، أما النفس البشرية فلا تنسى بسهولة أن تقول لها: «أنت بلا قيمة». ولذلك فالحوار الراقي لا يحاول أن يهزم الإنسان، بل يحاول أن يهزم الخطأ.

وفي الكيمياء، قد يحتاج التفاعل إلى عامل حفاز حتى يحدث بسهولة وكفاءة. وفي الحوار هناك عامل حفاز أهم من كل العوامل: الأخلاق.

الأخلاق لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى عداء. تجعلني أختلف معك دون أن أحتقرك، وترفض رأيك دون أن ترفض إنسانيتك، وتجعلني أقول: «أنا أختلف معك»، بدلًا من أن أقول: «أنت لا تفهم شيئًا».

والفرق بين الجملتين ليس في الكيمياء… بل في درجة نقاء القلب!

وهناك حوارات تبدأ هادئة، ثم ترتفع درجة حرارتها تدريجيًا. تبدأ الجزيئات في الحركة، ثم تتصادم، ثم تتطاير الكلمات، ثم يقول أحدهما: «أنا أصلًا لم أقل ذلك!»، فيرد الآخر: «بل قلته! ».

وهنا يدخل الحوار مرحلة التفاعل المتسلسل.

كلمة تولد كلمة، والكلمة تستدعي كلمة، والغضب يستدعي غضبًا، حتى يصبح الموضوع الأصلي نفسه مجهول الهوية!

وفي الكيمياء، إذا خرج التفاعل عن السيطرة، نوقف التسخين. وفي الحياة، أحيانًا يكون أفضل قرار هو أن نصمت قليلًا.

ليس لأننا انهزمنا، بل لأننا نريد أن نمنع التفاعل من الوصول إلى نقطة الانفجار.

فالصمت في بعض المواقف ليس ضعفًا… إنه نظام أمان.

وهناك من يدخل الحوار وكأنه يدخل مباراة ملاكمة. لا يريد أن يفهم، بل يريد أن ينتصر. فيتحول الحوار إلى معركة: من قال أولًا؟ من رد أسرع؟ من أسكت الآخر؟ من رفع صوته أكثر؟

وكأن ارتفاع الصوت دليل على ارتفاع الحجة!

وهذه من أغرب المعادلات البشرية:

كلما ضعفت الحجة… ارتفع الصوت!

وفي الكيمياء الفكرية نقول: ارتفاع درجة الضجيج لا يعني ارتفاع درجة التركيز.

فالمادة المركزة ليست بالضرورة الأعلى صوتًا، والفكرة القوية لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت وجودها.

ومن حكمة الكيمياء أيضًا أن بعض المواد لا ينبغي خلطها. وكذلك في الحياة، ليس كل رأي يحتاج إلى رد، وليس كل استفزاز يحتاج إلى معركة، وليس كل كلمة تحتاج إلى كلمة أخرى.

أحيانًا يكون أفضل ما تفعله مع بعض الحوارات أن تتركها تتبخر!

فليست كل معادلة تستحق أن نبحث لها عن ناتج، وبعض التفاعلات… أفضل ما فيها أنها لم تحدث.

لكن الاختلاف الناضج قد يكون حياة. قد يكشف لي زاوية لم أرها، وقد يصحح خطأ كنت أظنه صوابًا، وقد يجعل الفكرة أكثر قوة. فالعقل الذي لا يقبل الاختلاف يشبه مادة لا تقبل التفاعل. قد يبدو مستقرًا… لكنه لا ينتج جديدًا.

أما العقل المنفتح، فإنه يدخل الحوار وفي يده فكرة، ويخرج منه وقد اكتسب فكرة أفضل.

وهذا هو أجمل ما في الحوار: أن تدخل لتعرض رأيك، لا لتدفن رأي الآخر.

ويمكننا، في الكيمياء الفكرية، أن نكتب معادلة بسيطة للحوار:

اختلاف + احترام + إنصات + عقل = معرفة.

لكن إذا أضفنا إلى المعادلة: غرورًا، وتعصبًا، وإهانة، وصوتًا مرتفعًا، فالناتج غالبًا سيكون:

خلاف + خصومة + قطيعة + صداع!

ولذلك…

اختلف في الرأي كما تشاء، ولكن لا تجعل اختلاف الرأي اختلافًا في الأخلاق.

فالخلاف في الفكر قد يثري الإنسان، أما خلاف الأدب فقد يهدم الإنسان.

وفي النهاية، لا يحتاج الحوار الناجح إلى أن ينتصر أحدنا على الآخر. يكفي أن تنتصر الحقيقة، ويكفي أن تخرج الفكرة أكثر نضجًا، ويكفي أن ينتهي الحوار ويبقى بيننا شيء من الود.

ففي الكيمياء، أجمل التفاعلات ليست تلك التي تحدث فيها الانفجارات، بل تلك التي تنتج مركبًا جديدًا أكثر استقرارًا.

وفي الحياة أيضًا…

أجمل الحوارات ليست التي أسكتنا فيها الآخر، بل التي خرجنا منها ونحن نفهمه أكثر.

وهذه هي هندسة كيمياء الحوار:

أن تختلف دون أن تتفكك،
وأن تتفاعل دون أن تحترق،

وأن تغيّر رأيك دون أن تفقد كرامتك،

وأن تنتصر للفكرة… دون أن تهزم الإنسان
.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51