حين تتحرك المعرفة… كيمياء القافلة

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ليست كل رحلةٍ انتقالاً، وليست كل حركةٍ وصولاً.

فقد يتحرك الإنسان كثيراً، ويبقى في المكان نفسه، وقد تقطع القافلة مسافاتٍ طويلة دون أن تترك خلفها إلا آثار أقدامٍ سرعان ما تمحوها الرياح. لكن هناك نوعاً آخر من الرحلات؛ رحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات، وإنما بمقدار ما تُحدثه من تغيير. وهناك نوع من القوافل لا تحمل زاداً للطريق فحسب، وإنما تحمل معرفةً تبحث عن طريقها إلى الحياة.

من هنا تبدأ فلسفة القافلة في كيمياء الحياة.

فالقافلة، في معناها الظاهر، مجموعة تتحرك من مكان إلى آخر، أما في معناها العميق فهي حركة من السكون إلى التفاعل، ومن التفاعل إلى التحول، ومن التحول إلى الأثر.

والعلم، في جوهره، يشبه ذلك.

فالمعرفة وهي حبيسة الكتب، أو ساكنة في المعامل، أو محفوظة في عقول أصحابها، تشبه مادةً تمتلك قابلية التفاعل لكنها لم تجد بعدُ الوسط المناسب الذي يوقظ هذه القابلية. قد تكون الطاقة موجودة، وقد تكون العناصر متوافرة، وقد تكون الظروف مهيأة، لكن التفاعل لا يبدأ إلا عندما تلتقي الأشياء في اللحظة المناسبة.

وهكذا المعرفة.

قد يمتلك الباحث علماً عميقاً، وقد يمتلك المصنع مشكلة حقيقية، وقد يمتلك المجتمع احتياجاً واضحاً، لكن هذه العناصر الثلاثة قد تظل متجاورة دون أن تتحول إلى نتيجة، ما لم توجد نقطة التقاء تجعلها تدخل في تفاعل معرفي.

وهنا تولد القافلة.

ليست القافلة هي العلم، وليست هي المجتمع، وليست هي المشكلة؛ وإنما هي الوسط الذي يسمح لهذه العناصر بأن تتفاعل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نستعيره من الكيمياء لفهم القافلة هو مفهوم العامل الحفاز.

العامل الحفاز لا يصنع التفاعل من العدم، ولا يفرض على المواد أن تتفاعل بالقوة، ولكنه يفتح أمامها مساراً أقل كلفة من حيث طاقة التنشيط، فيصبح ما كان صعباً أكثر قابلية للحدوث.

وهكذا تكون القافلة.

قد لا تحمل الحل النهائي، لكنها قد تزيل الحاجز الذي كان يمنع الوصول إليه.

قد لا تعالج المشكلة في لحظتها، لكنها تستطيع أن تجعل المشكلة مرئية، وأن تحولها من شكوى إلى سؤال، ومن سؤال إلى فرضية، ومن فرضية إلى بحث، ومن البحث إلى معرفة، ومن المعرفة إلى تطبيق.

وهنا يصبح الإنسان نفسه جزءاً من المعادلة.

فحين تصل القافلة إلى مصنع، قد لا يكون أهم ما تقدمه هو المحاضرة التي تُلقى، وإنما السؤال الذي يولد بعد المحاضرة.

قد يكتشف الباحث مشكلة في التعامل مع مادة كيميائية، أو خللاً في إجراءات السلامة، أو فرصة لإعادة استخدام مخلف صناعي، أو إمكانية لاسترداد مادة ذات قيمة، أو طريقة أكثر كفاءة لمعالجة مياه الصرف.

قد تبدو المشكلة صغيرة في لحظتها، لكنها في عين الباحث قد تكون نواة بحث.

وهنا يتحول الميدان إلى مختبر، ويتحول الواقع إلى سؤال علمي.

ومن هذه اللحظة لا تعود القافلة رحلةً تنتهي بانتهاء الزيارة، وإنما تصبح بداية لمسار جديد:

مشكلة ← سؤال ← بحث ← معرفة ← تجربة ← تطبيق ← أثر.

وربما يكون أجمل ما في هذه السلسلة أنها لا تنتهي؛ لأن كل إجابة حقيقية تلد سؤالاً جديداً، وكل حل يكشف عن مشكلة أخرى، وكل تطبيق يفتح باباً لاكتشاف جديد.

وهكذا لا يكون البحث العلمي خطاً مستقيماً يصل إلى نهاية، وإنما يكون تفاعلاً مستمراً.

والقافلة الحقيقية ليست تلك التي تأتي إلى المجتمع وهي تحمل إجابات جاهزة لكل شيء، لأن العلم الذي يدعي امتلاك الإجابة قبل أن يصغي إلى السؤال قد يفقد أهم خصائصه.

القافلة الحقيقية هي التي تأتي لتستمع كما تأتي لتتحدث.

تأتي بالمعرفة، لكنها تعود بالأسئلة.

تأتي بالخبرة، لكنها تعود بالمشكلات.

تأتي بما تعلمه الباحث في المختبر، وتعود بما تلمسه فى الواقع.

وهنا يحدث التبادل الحقيقي بين مختبر العلم ومختبر الحياة.

فالمختبر العلمي يختبر المواد، بينما تختبر الحياة الأفكار.

وفي المختبر قد نراقب تغير اللون أو الحرارة أو التركيز أو سرعة التفاعل، أما في المجتمع فنحن نراقب تغير السلوك، وارتفاع الوعي، وانخفاض المخاطر، وتحسن الأداء، وظهور حلول جديدة.

إنها كيمياء من نوع آخر؛ كيمياء لا تتفاعل فيها الجزيئات، وإنما تتفاعل فيها المعرفة مع الإنسان.

ولذلك فإن نجاح القافلة لا ينبغي أن يقاس بعدد الحاضرين، ولا بعدد المحاضرات، ولا بعدد الصور التي التُقطت في أثناء الزيارة.

كل ذلك قد يكون مهماً للتوثيق، لكنه ليس جوهر النجاح.

السؤال الأهم هو:

ماذا بقي بعد أن رحلت القافلة؟

هل بقيت فكرة؟

هل تغير سلوك؟

هل أصبح مكان ما أكثر أماناً؟

هل اكتُشفت مشكلة لم تكن مرئية؟

هل وُلد مشروع بحثي؟

هل بدأت شراكة؟

هل انتقلت المعرفة من الورق إلى الواقع؟

إذا حدث شيء من ذلك، فقد بدأت القافلة تحقق معناها الحقيقي.

لأن الأثر هو الناتج النهائي لأي تفاعل يستحق أن يُذكر.

وفي الكيمياء، لا قيمة لتفاعل لا يحدث فيه تحول.

وكذلك في الحياة، لا قيمة لمعرفة لا تستطيع أن تغير شيئاً.

قد نمتلك آلاف الأبحاث، ومئات المعامل، وعشرات المؤسسات العلمية، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تجد المعرفة طريقها إلى المكان الذي تحتاج إليها فيه.

وهنا تظهر القافلة باعتبارها جسراً بين طرفين كانا يبدوان متباعدين.

بين الباحث والمجتمع.

بين الجامعة والمصنع.

بين المختبر والميدان.

بين المشكلة والحل.

بين الفكرة والتطبيق.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون العائق أمام التنمية هو نقص المعرفة، وإنما غياب الطريق الذي تعبر من خلاله المعرفة من حيث وُلدت إلى حيث ينبغي أن تُستخدم.

إن القافلة تفتح هذا الطريق.

إنها لا تنقل المعلومات فقط؛ بل تعيد تشكيلها وفق احتياجات الواقع.

فالمعلومة داخل المختبر قد تكون نتيجة بحثية، لكنها حين تدخل المصنع تصبح إجراءً، وحين تصل إلى العامل تصبح سلوكاً، وحين تصل إلى المؤسسة تصبح نظاماً، وحين تصل إلى صانع القرار قد تتحول إلى سياسة.

المادة نفسها قد تتغير حالتها بتغير الضغط والحرارة والوسط؛ وكذلك المعرفة قد تتغير صورتها وتأثيرها بتغير البيئة التي تنتقل إليها.

وهنا نكون أمام إحدى أهم أفكار كيمياء الحياة، التى تتلخص فى أنه:

“ليست قيمة المعرفة في وجودها، وإنما في قدرتها على التحول“.

فالمعلومة التي لا تتحول إلى فهم، تظل معلومة.

والفهم الذي لا يتحول إلى وعي، يظل ناقصاً.

والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، يظل فكرة.

والسلوك الذي لا يصنع أثراً، يظل حركة بلا نتيجة.

لذلك يمكن اختزال فلسفة القافلة في معادلة فكرية بسيطة:

المعرفة × التفاعل × التطبيق = الأثر.

وقد تبدو المعادلة بسيطة، لكنها تحمل في داخلها فلسفة عميقة.

فالمعرفة وحدها لا تكفي.

والتفاعل وحده لا يكفي.

والتطبيق دون معرفة قد يقود إلى نتائج عشوائية.

لكن حين تجتمع المعرفة مع التفاعل والتطبيق، يبدأ التحول.

وكما يمكن لكمية صغيرة من مادة محفزة أن تغيّر مسار تفاعل كبير، يمكن لفكرة صغيرة أن تغير سلوك مؤسسة، ولمعلومة واحدة أن تمنع حادثاً، ولمشكلة بسيطة أن تفتح باباً لبحث علمي قد يمتد أثره لسنوات.

لهذا لا ينبغي أن نستهين بالقافلة لأنها صغيرة.

فالكيمياء تعلمنا أن الحجم ليس دائماً مقياساً للتأثير.

قطرة واحدة قد تغير لون محلول.

ذرة واحدة قد تغير تركيب مادة.

محفز بكمية محدودة قد يغير سرعة تفاعل كامل.

وفكرة واحدة قد تغير مسار إنسان أو مؤسسة أو مجتمع.

القافلة إذن ليست مجرد انتقال للعلم من مكان إلى مكان، وإنما هي تحريك للطاقة الكامنة في المعرفة.

إنها محاولة لإخراج العلم من حالة السكون إلى حالة الفعل، ومن رفوف المعرفة إلى ساحات الحياة.

ولهذا فإن القافلة لا تنتهي عندما يغادر الباحث المكان.

هناك، في الحقيقة، تبدأ الرحلة.

تبدأ عندما يتذكر العامل معلومةً كان يجهلها.

عندما يتوقف شخص عن ممارسة سلوك خاطئ.

عندما يرى الباحث مشكلة لم يكن يراها من قبل.

عندما تتحول الملاحظة إلى تجربة.

والتجربة إلى بحث.

والبحث إلى حل.

والحل إلى أثر.

عندها فقط يمكن أن نقول إن القافلة وصلت.

ليس إلى المكان الذي ذهبت إليه، وإنما إلى الإنسان الذي أرادت أن تصل إليه.

وهنا يصبح السؤال: أين تنتهي القافلة؟

والجواب، عند أصحاب الفكر وعلماء الوعى، بسيط وعميق:

القافلة لا تنتهي عند آخر محطة، لأن آخر محطة فيها قد تكون أول خطوة في تفاعل جديد.

فهي لا تسافر في المكان فقط، وإنما تسافر في الوعي.

ولا تحمل المعرفة إلى الناس فحسب، وإنما تعيد المعرفة إلى أصلها الحقيقي: الحياة.

القافلة الحقيقية هي التي تجعل العلم يمشي على قدميه.

والعلم الذي يمشي يصل.

وما يصل إلى الإنسان يمكن أن يغيره.

وما يغير الإنسان يمكن أن يغير المجتمع.

وما يغير المجتمع يترك أثراً يتجاوز لحظة القافلة وزمانها ومكانها.

وهكذا…

القافلة ليست مجموعة أشخاص تسافر إلى الناس، بل معرفة تسافر نحو الحياة؛ تدخل في تفاعل مع الواقع، فتولد وعياً، وتفتح باباً للحل، وتحول المشكلة إلى فرصة، والفكرة إلى فعل، والعلم إلى أثر.

فإذا كان المختبر هو المكان الذي نكتشف فيه كيف تتفاعل المواد، فإن المجتمع هو المكان الذي نكتشف فيه كيف تتفاعل المعرفة مع الحياة.

ومن هنا تبدأ القافلة…

من السكون إلى الحركة،

ومن الحركة إلى التفاعل،

ومن التفاعل إلى التحول،

ومن التحول إلى الأثر.

وتلك هي كيمياء القافلة… حين تغادر المعرفة المختبر، لتبدأ رحلتها الحقيقية في الحياة.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51