التكيّف مع أزمة المناخ المستمرة يتطلب ابتكاراً معمارياً، لكن ليست كل مشكلة بحاجة إلى حلّ متطوّر. ففي ظلّ درجات حرارة صيفية قاتلة ومُسجّلة أرقاماً قياسية، يلجأ بعض سكان جنوب إيطاليا إلى تجنّب الحرّ داخل مبانٍ من العصور الوسطى تم ترميمها. ورغم أنّها خرجت عن الموضة لأجيال، فإنّ نوعاً من المساكن يُعرف باسم “ترولّو” يعود ليحظى بشعبية مجدداً بفضل تصميمه الذكي الذي يُخفّض درجات الحرارة.
بُني أوّل “ترولّي” (جمع ترولّو) في منتصف القرن الرابع عشر. وهذه المباني هي تقليدياً مساكن من غرفة واحدة يعلوها سقف مخروطي كبير. وقد جُمعت باستخدام الحجر الجيري المستخرج من الأراضي الزراعية، ويتميّز كل ترولّو بجدران سميكة يتراوح عمقها بين خمس وأربع أقدام إلى عشر أقدام.
أحد أسرار التبريد الطبيعي في الترولّي يكمن في الحجارة. فخصائص الحجر الجيري الحراريّة الرطوبيّة تعني أنّه يتصرّف بشكل مختلف تبعاً للرطوبة ودرجات الحرارة، إذ يمتصّ كميات كبيرة من الرطوبة خلال أشهر الشتاء الباردة، لكنّ كلّ هذا السائل يتبخّر ببطء ويُبرّد الداخل حالما يأتي الصيف. وفي الوقت نفسه، يقوم السقف المخروطي بتوجيه المزيد من الحرارة الزائدة إلى أعلى.
تبلغ درجة الحرارة المحيطة داخل أحد هذه المباني عادةً أقلّ من الخارج بنحو 12.6 إلى 18 درجة فهرنهايت. وفي بعض الحالات، قد يرتفع هذا الفرق إلى أكثر من 25 درجة فهرنهايت داخل المنزل.
أدّى التراجع التدريجي على مرّ القرون واختفاء الحرفيّين إلى أنّه بحلول الثمانينيات، اعتمدت معظم أعمال البناء الجديدة على الإسمنت—وهي مادة تُلحق ضغوطاً بيئيّة هائلة بحدّ ذاتها.
وقال فرانشيسكو فرانييلي، وهو مُرمّم ترولّي، في مقابلة مع وكالة فرانس برس: “كانت الترولّي تمثّل عصراً مضى، عصراً من المعاناة والجوع”.
لكنّ حرفيّين مثل فرانييلي لا يقتصرون على ترميم الترولّي القائمة، بل الطلب على مشاريع البناء الجديدة “ما زال في ازدياد”، وفقاً لجيراردو بيانكوفيوري، ممثّل بلدية نقابة البنّائين الإيطالية.
وأضاف بيانكوفيوري: “مع زيادة موجات الحرّ، أصبحت الحلول التقليدية (مثل الترولّي) مرجعاً قيّماً، قادراً على إلهام استراتيجيات التكيّف مع المناخ في البناء المعاصر أيضاً”.
إلى جانب الترولّي الجديدة، قد تظهر قريباً الخصائص الأساسية لهذه المنازل، مثل الجدران ذات النوى الأنقاضية، في مشاريع معمارية بيئية حيوية أخرى.
واختتم بيانكوفيوري قائلاً: “ينظر باحثو الهندسة المعمارية المستدامة إلى المبادئ التي يقوم عليها بناء الترولّي كمصدر إلهام لمبانٍ أكثر مقاومة للاحترار العالمي”.



