الزجاج الذي غيّر الطب … قصة بدأت بنهب مدينة

عبد الكريم عويرفريق الترجمة
الزجاج وصناعة الطب

حين تزور الشق الأوروبي من اسطنبول اليوم، تجد تجارة الزجاج الرائجة في أزقة غلاطة حول البرج الشهير هناك. هذه التجارة على أهميتها اليوم إلا أنها شكلت عصب التطور الطبي في وقت سابق. 

تطورت في الامبراطورية البيزنطية صناعة الزجاج وأسست لها نقابات ومؤسسات طورت الصناعة واستجلبت أفضل القوى العاملة من مختلف مناطق سيطرة الامبراطورية. 

أصبحت  البندقية في أواخر القرن الثالث عشر مركز ثقل لصناعة الزجاج حيث وضعت قواعد صارمة لحماية أسرار المهنة. وفي عام 1271 صدر قانون يحظر استيراد الزجاج الأجنبي أو توظيف حرفيين من خارج البندقية.

في عام 1291 نقلت جميع أفران صناعة الزجاج إلى جزيرة مورانو المجاورة، وذلك لحماية المدينة التي بنيت أساسا من الخشب من خطر الحرائق، وللحفاظ على أسرار المهنة من الانتقال إلى مناطق أخرى من الامبراطورية. 

القسطنطينية على الطرف الاخر من الامبراطورية كانت على موعد مع حدثين مهمين، غيرا كثيرا في طريقة فهمنا للطب الحديث. 

النهب الذي تعرضت له القسطنطينية في 1204 من قبل الحملة الصليبية الرابعة بم يقتصر على الذهب والفضة والأموال، بل ساهم في هجرة الحرفيين المتخصصين في صناعة الزجاج إلى البندقية، مما أدى الى زيادة كفاءة صناعة الزجاج في المدينة. 

كما أن دخول العثمانيين الى القسطنطينية عام ١٤٥٣ وعلى ما شكله من صدمة عسكرية وسياسية لأوروبا، إلا أنه فتح الباب لعشرات العائلات المهاجرة من القسطنطينية لتسير على خطى أسلافها ويستقر بها الحال في عاصمة صناعة الزجاج في جزيرة مورانو.

هذه العوائل المهاجرة حملت معها حرفة من ذهب، وعلى شاكلة أسلافهم المهاجرين وجد القادمون الجدد في البندقية و مورانو منطقة مناسبة لبداية أعمالهم مرة أخرى. 

تشير الكثير من المصادر إلى أن ابناء اللاجئين الذين قدموا إلى أوروبا بعد النهب الأول للقسطنطينية استطاعوا تطوير صناعة الزجاج بشكل ملحوظ الأمر الذي أدى في النهاية إلى تقدم تقني هائل نتج عنه الزجاج شبه الشفاف؟ 

الزجاج الشفاف يكسر الضوء بشكل مختلف عن الزجاج الملوّن أو المعتم، وهذا ليس مجرد تفصيل جمالي، بل هو قلب المسألة. حين تمر أشعة الضوء عبر مادة متجانسة وشفافة، يمكن التحكم في زاوية انكسارها بدقة عن طريق تشكيل سطحها. هذا بالضبط ما يفعله المحدّب والمقعّر في العدسة. صانعو مورانو لم يكونوا يفكرون في الطب حين ابتكروا الزجاج الشفاف، لكنهم بتطويرهم زجاجاً أكثر نقاءً وتجانساً من أي شيء عرفه العالم قبلهم، قدّموا للأطباء والعلماء مادةً يمكن الوثوق بها — لا تشوّه الصورة، ولا تُضيف لوناً زائفاً.

هذا الاختراع وعلى بساطته اليوم، إلا أنه كان ثورة حقيقية في مجال صناعة الزجاج، حيث كان الزجاج في السابق ملونا بألوان داكنة تميل عادة إلى الخضرة أو البنية الداكنة بسبب وجود شوائب “أكسيد الحديد“ في الرمال المستخدمة لصناعة الزجاج، ولا يكاد الضوء يعبر من خلالها، مما يجعل استخدام الزجاج مقتصر على الزينة أو  لصناعة الأواني، والنوافذ الملونة، ويستحيل استخدامه الطبي، لأن الضوء ينحرف ويخفت عبر الشوائب، فلا يمكن صنع مجهر أو تلسكوب منه.

الزجاج الشفاف ( أو شبه الشفاف في ذلك الوقت ) كان ثورة حقيقية، تنظر من خلاله وكأنك تنظر في الهواء. وكأنه غير موجود أبدًا. كما أن لديه خاصية فيزيائية استثنائية، كثافته وتجانسه الداخلي جعلاه مثالياً لشيء لم يتخيله صانعوه وهو صنع العدسات.

الأب الروحي لهذا الاختراع كان العالم أنجيلو باروفير الذي تمكن من ابتكار صيغة سرية لتنقية الزجاج، وأطلق على زجاجه المبتكر اسم “كريستالو” (Cristallo)؛ لأنه كان نقياً وشفافاً تماماً مثل بلورات الصخر الطبيعية. 

السر في الزجاج الشفاف كان استبدال الرمل بحصى الأنهار، واستخدم مادة “ثاني أكسيد المنجنيز” بنسب دقيقة جداً كعامل تبييض كيميائي (كان الحرفيون يسمونها في ذلك الوقت “صابون الزجاج”)، حيث نجح المنجنيز في تحييد اللون الأصفر المخضر الذي تسببه شوائب الحديد.

هذا الاكتشاف المذهل أدى بالضرورة لاجراءات أمنية مشددة، حيث منع الحرفيون من مغادرة الجزيرة، ومن يقبض عليه فارا من الجزيرة كان يحكم بالاعدام مباشرة. 

وكعادة العلوم، لا يحدث أي شيئ فجأة، بل تتراكم التجارب الانسانية يوما بعد يوم، ففي أواخر القرن الثالث عشر، وضعت نقابة صانعي الزجاج البندقية أولى لوائح إنتاج “أقراص زجاجية للعيون“ العدسات الأولى كانت من زجاج عادي مُصقول طورت جودتها لاحقاً. وهو ما نعرفه اليوم بالنظارات. كان هذا أول توظيف طبي للزجاج البندقي المتطور.

لكن قادما اخر وصل إلى أوروبا في وقت سابق، ساهم هو الاخر في صناعة العدسات والمجهر وغيرها من ناحية نظرية على الأقل، فكتاب المناظر للحسن بن الهيثم والذي ألف في القرن الحادي عشر كان قد ترجم إلى اللاتينية ووصل إلى أوروبا بعنوان De Aspectibus. 

الكتاب كان قد وضع الأسس المعرفية الرياضية والفيزيائية الدقيقة لكيفية انكسار الضوء في العدسات وكيفية عمل العدسة المحدبة والمقعرة، مما أسس لصناعة عديدة استندت إليه في وقت لاحق، خاصة مع تطور صناعة الزجاج أوروبيا. 

بعد قرنين من هذا الحدث المفصلي في التاريخ، أي في تسعينيات القرن السادس عشر، استطاع العالم الهولندي زاكاريا يانسن من تقديم أول مجهر مركب في التاريخ. هذا الاختراع الذي قدمه ابن أحد صانعي العدسات، ينسب الفضل فيه إلى التطور العلمي الهائل الذي قدمه حرفيو بيزنطة وما كتبه ابن الهيثم عن انكسار الضوء. 

ثم جاء أنتون فان ليفنهوك في سبعينيات القرن السابع عشر، وصنع عدساته التي مكنته من تكبير ما لا نراه بأعيننا المجردة إلى أكثر من 270 مرة. ولأول مرة في التاريخ، يستطيع البشر رؤية البكتيريا، وُلد بعدها علم الأحياء الدقيقة، وولدت معه نظرية الجرثومة التي ستقلب الطب رأساً على عقب، وسيقول العلماء بعد قرنين من الزمن: لا الوباء ريح سامة، ولا الحمى عقوبة إلهية -كما كان الاعتقاد السائد قبل إذ- بل كائنات حية يمكن رؤيتها، ودراستها، والقضاء عليها مستقبلًا. 

وصحيحٌ أن الكثير من العقول العربية تهاجر اليوم باتجاه الغرب، إلا أن دراسة تاريخ العلوم في الحضارات المختلفة وعلى رأسها الحضارة الإسلامية يفتح الباب أمام إعادة استقطاب العقول المهاجرة، ودمج إسهاماتها المعرفية فيما نشهده من محاولات نهضة حقيقية في مجتمعاتنا سيكون له بالغ الأثر في توجيه الابتكار العلمي.

التقدم العلمي لا يسير دائماً في خط مستقيم من البحث إلى الاكتشاف. أحياناً يسير على أقدام اللاجئين، ويُحفظ في ذاكرة الحرفيين، وينبثق من رماد المدن المحترقة.


شارك المقالة
متابعة
مهندس وصحفي ... أعمل في الصحافة العلمية مؤسس ومدير مجلة نقطة العلمية
متابعة
فريق الترجمة في مجلة نقطة