حين تُذكر وكالة ناسا يقفز إلى أذهاننا روّاد فضاء أمريكيون ومركبات تطير إلى المريخ، لكن قلّة تعلم أن خلف كثيرٍ من هذه المهمات عقولاً عربية أمضت سنوات في حلّ ألغاز الكواكب والشمس والمذنّبات. علماء عرب من مصر والمغرب وتونس والجزائر ولبنان وفلسطين والإمارات والعراق صنعوا فارقاً في أهم مهمات استكشاف الفضاء، من برنامج أبولو إلى تلسكوب هابل، ومن مسبار باركر الشمسي إلى مهمة الأمل الإماراتية إلى المريخ. هذه قائمتنا المحدّثة لعام ٢٠٢٦ بأبرز هذه الأسماء، مع تصحيحات وإضافات لما فاتنا سابقاً.
فاروق الباز (سيد القمر)
وُلد عام ١٩٣٨ في الزقازيق، ودرس الكيمياء والجيولوجيا في جامعة عين شمس قبل أن يحصل على الدكتوراه من معهد المناجم بميسوري عام ١٩٦٤. التحق بناسا عام ١٩٦٧، حيث ترأّس فريق التخطيط الجيولوجي لمهمات أبولو. اختار مواقع هبوط المركبات الستّ على القمر، ودرّب روّاد الفضاء على انتقاء عينات الصخور القمرية. شغل أيضاً منصب المستشار العلمي للرئيس السادات بين ١٩٧٨ و١٩٨١، وحاز وسام الاستحقاق المصري من الدرجة الأولى اليوم، يشغل الباز منصب مدير مركز الاستشعار عن بُعد في جامعة بوسطن حيث استخدم صور الأقمار الاصطناعية لاكتشاف أنهار مدفونة تحت رمال الصحراء في مصر وعمان والإمارات والسودان. ولشهرته، سُمّيت مركبة فضائية باسمه في فيلم Star Trek الأمريكي، وأصبح رمزاً لجيلٍ كامل من العلماء العرب.

شارل العشي (مدير مختبر الدفع النفّاث الأسبق)
وُلد عام ١٩٤٧ في لبنان، ودرس في فرنسا قبل أن ينتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech). انضمّ إلى مختبر الدفع النفّاث (JPL) عام ١٩٧٠، وأرسى أسس علم الرادار الفضائي المحمول. تولّى منصب مدير المختبر بين ٢٠٠١ و٢٠١٦ — أي قاد JPL خلال خمسة عشر عاماً ذهبية شهدت مهمات Mars Reconnaissance Orbiter، وكاسيني، وعربات Spirit و Opportunity و Curiosity إلى المريخ ومهمة جونو إلى المشتري تقاعد العشي رسمياً عام ٢٠١٦، وانتقل إلى Caltech أستاذاً فخرياً (Professor Emeritus)، حيث يواصل تدريس الهندسة الكهربائية وعلوم الكواكب. حاز ميدالية ناسا للقيادة المتميزة ثلاث مرات، ووسام الأرز اللبناني، ووسام جوقة الشرف الفرنسية. سمّى زملاؤه في ناسا مركز التحكّم بالمهمات باسمه، وزرعوا شجرة أرز في حديقة JPL تكريماً له.

نور رؤوفي (قائد مهمة مسبار باركر الشمسي)
وُلد في ولاية القصرين التونسية في بيئة متواضعة، وأكمل دراسته الجامعية في تونس قبل أن يحصل على الدكتوراه في الفيزياء الفلكية من جامعة باريس الحادية عشرة عام ٢٠٠٠. عمل في مرصد تورين الإيطالي ثم في معهد ماكس بلانك الألماني، ثم في المرصد الشمسي الوطني الأمريكي، قبل أن يستقرّ منذ ٢٠٠٨ في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز بوصفه عالماً كبيراً .في ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٤، صنع رؤوفي التاريخ حين قاد مسبار باركر الشمسي إلى أقرب مسافة من الشمس في التاريخ البشري: ٦.١ مليون كيلومتر فقط من سطحها، بسرعة بلغت ٦٩٢ ألف كيلومتر في الساعة، تحت حرارة وصلت إلى ٩٨٢ درجة مئوية. هذا الإنجاز أكسب الفريق جائزة Collier Trophy لعام ٢٠٢٤، وجعل من هذا التونسي الهادئ أحد أبرز علماء الفيزياء الشمسية في العالم“ لولا الشمس لما كانت حياة على الأرض.. مهمتنا أن نفهم كيف تعمل أقرب نجم إلينا.”

كمال الودغيري( مهندس الاتصالات في أعماق الفضاء)
مهندس فضاء مغربي يعمل في مختبر الدفع النفّاث (JPL) منذ أكثر من عقدين، ويرأس مجموعة الرادار الكوكبي وعلوم الراديو. أسهم في عددٍ من أهم مهمات ناسا: كاسيني إلى زحل، New Horizons إلى بلوتو وحزام كايبر، InSight إلى المريخ، MAVEN، CubeSat، ومختبر الذرّات الباردة على متن محطة الفضاء الدولية الذي قاد فيه فريقاً ضمّ ثلاثة حائزين على جائزة نوبل .في يناير ٢٠٢٦، نال الودغيري ميدالية القيادة من ناسا تقديراً لمسيرته، ليصبح من أكثر موظفي الوكالة تكريماً في العقدين الأخيرين. سبق أن نال ثلاث جوائز Mariner، وثلاث جوائز Voyager، و٣٩ جائزة Group Achievement Award. كرّمه الملك محمد السادس بوسام ملكي عام ٢٠١٢ تقديراً لإنجازاته.

سارة الأميري (العقل خلف مهمة الأمل إلى المريخ)
ربما لا تنتمي إلى ناسا، لكنها قادت أوّل مهمةٍ عربية لاستكشاف كوكبٍ آخر. سارة بنت يوسف الأميري مهندسة كمبيوتر إماراتية من مواليد أبوظبي، بدأت مسيرتها في مركز محمد بن راشد للفضاء، ثم تولّت منصب القائدة العلمية لـمسبار الأمل (Hope) الذي وصل إلى مدار المريخ في فبراير ٢٠٢١ من أول محاولة إنجازٌ لم تحقّقه قبلها سوى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والاتحاد الأوروبي والهند .كان فريقها مكوّناً من ٨٠٪ من النساء، وكان متوسط أعمارهم ٢٧ عاماً فقط. اليوم، تشغل الأميري ثلاثة مناصب في آنٍ واحد
وزيرة دولة للتكنولوجيا المتقدمة، ورئيسة وكالة الإمارات للفضاء، وقائدة علمية لمهمة الإمارات إلى المريخ. اختارتها مجلة Time ضمن قائمتها لأكثر ١٠٠ شخصية صاعدة لعام ٢٠٢١.

عصام حجي (صائد المياه على المريخ والأرض)
أوّل مصريٍّ يحصل على دكتوراه في علم اكتشاف الكواكب من جامعة باريس عام ٢٠٠٢، عن أطروحته حول المياه على سطح المريخ. يعمل اليوم عالماً في مختبر الدفع النفّاث، وفي جامعة جنوب كاليفورنيا، وهو عضو في الفِرَق العلمية لـخمس بعثات فضائية كبرى تشمل: مارسيس إلى المريخ، شاندرايان-1 الهندية إلى القمر، Mini-RF على متن مركبة الاستطلاع القمرية، CONSERT على متن روزيتا، و RIME ضمن مهمة JUICE إلى أقمار المشتري الجليدية. لم يكتفِ حجي بالفضاء، بل أعاد العين إلى الأرض
قاد عام ٢٠٢٤ تطوير تقنية «Desert-SEA» لرسم خرائط المياه الجوفية في الصحراء العربية، وحذّر من نضوب المخزون الجوفي القابل للاستغلال في شبه الجزيرة العربية بحلول عام ٢٠٥٠. يقدّم أيضاً نموذجاً علمياً لإدارة سدّي النهضة والعالي معاً، وله أكثر من ١٣٠ ورقة بحثية منشورة.

أسماء بوجيبار (أوّل مغربية في ناسا)
وُلدت عام ١٩٨٥ في الدار البيضاء، وانضمّت إلى ناسا أثناء دكتوراهها عام ٢٠١٤ وهي في السابعة والعشرين، لتصبح أوّل امرأة مغربية تعمل في وكالة ناسا. منحها الملك محمد السادس وسام عرش المملكة عام ٢٠١٥ تقديراً لإنجازها. بعد عملها في مركز جونسون الفضائي ومؤسسة كارنيغي، انتقلت بوجيبار إلى جامعة Western Washington أستاذةً مشاركة لعلوم الكواكب. في عام ٢٠٢٤، حصلت على منحة من ناسا بقيمة ٣٠٠ ألف دولار لدراسة تكوين كوكب عطارد، وهي بصدد محاكاة الظروف الداخلية للكواكب في مختبرها — درجات حرارة وضغوط هائلة — لاختبار فرضيات ستُختبر لاحقاً ببيانات مهمة BepiColombo الأوروبية اليابانية.

نضال قسوم (سفير علم الفلك للعالم العربي)
وُلد عام ١٩٦٠ في الجزائر، وحاز الماجستير والدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وأمضى عامين باحثاً في مركز غودارد للطيران الفضائي التابع لناسا. يعمل اليوم أستاذاً للفيزياء والفلك في الجامعة الأمريكية في الشارقة، وتتمحور أبحاثه حول مصادر أشعة غاما الكونية .لكنّ ما يميّز قسوم أنه لم يكتفِ بالبحث الأكاديمي، بل تحوّل إلى أحد أبرز ناشري الثقافة الفلكية باللغة العربية. قناته على يوتيوب حصدت أكثر من ٥٦٨ ألف مشترك و٣٦ مليون مشاهدة، ويكتب أعمدة منتظمة في صحف عالمية مثل Huffington Post وGulf News، وله مؤلّفات بارزة منها قصة الكون ومسألة الكون عند الإسلام.

محمد رامي المعري (العالم الذي حمل اسم كويكب)
عالم كواكب مصري متخصّص في جيومورفولوجيا سطح المريخ والمذنّبات والأجرام الصغيرة. شارك في مهمة روزيتا الأوروبية إلى المذنّب تشوريوموف غيراسيمنكو وليس كويكباً كما يُشاع حيث رصد فريقه عام ٢٠١٩ انهيار جرفٍ ضخم على سطح المذنّب أول حدثٍ من نوعه يُوثَّق علمياً كما يشارك المعري في مهمة New Horizons لاستكشاف حزام كايبر، ومهمات Mars Reconnaissance Orbiter وExoMars، ويعمل اليوم أستاذاً مشاركاً في جامعة خليفة في أبوظبي، حيث يقود أبحاثاً للمهمة الإماراتية لاستكشاف حزام الكويكبات. وتقديراً لإسهاماته، أُطلق اسمه على كويكب Hidden Figures

ديانا السندي (مهندسة الصواريخ التي تطلق New Glenn)
وُلدت في بغداد عام ١٩٩٥، وهاجرت إلى الولايات المتحدة في الثانية عشرة من عمرها. درست الهندسة الكيميائية في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ثم تدرّبت في مختبر الدفع النفّاث، وعملت في Northrop Grumman وBoeing، ثم في Virgin Orbit
اليوم تشغل السندي منصب مديرة أولى لأنظمة سوائل المرحلة العليا في صاروخ New Glenn لدى شركة Blue Origin، وهي تساهم في تطوير المركبة القمرية لبرنامج Artemis الذي سيُعيد البشر إلى القمر. أنشأت أيضاً منصّة «The Arabian Stargazer» لتعليم علوم الفضاء بالعربية، بعد أن صدمها أن بحثها بالعربية عن «لماذا لا تسقط الأقمار الاصطناعية؟

نورا المطروشي (أوّل رائدة فضاء عربية)
وُلدت في الشارقة عام ١٩٩٣، وتخرّجت في جامعة الإمارات بدرجة بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية. اختارها مركز محمد بن راشد للفضاء ضمن المجموعة الثانية لروّاد الفضاء الإماراتيين عام ٢٠٢١، لتصبح أوّل امرأة عربية وإماراتية تتأهّل كرائدة فضاء.
أكملت المطروشي تدريبها مع ناسا في مركز جونسون الفضائي بهيوستن، وتخرّجت رسمياً عام ٢٠٢٤ حاصلةً على دبّوس رائد الفضاء، لتصبح مؤهّلةً للمشاركة في المهمات الفضائية المقبلة. تدرّبت على السير في الفضاء في مختبر الطفو المحايد، وعلى تشغيل الذراع الآلي، وقيادة طائرات T-38.

عصام معروف (العالم الذي رافق كاسيني ربع قرن)
اسمه الكامل البروفيسور عصام معروف، مهندس وعالم فضاء مصري-أمريكي. تخرّج من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام ١٩٦٥ من قسم الهندسة الكهربائية، ثم نال الماجستير من الجامعة نفسها عام ١٩٦٨ قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة. حصل على الدكتوراه في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسب من جامعة ستانفورد عام ١٩٧٥ — واحدة من أرقى جامعات العالم.
التحق بناسا في السبعينيات، وكان جزءاً من فريق مهمة فوياجر التي زارت المشتري وزحل وأورانوس ونبتون قبل أن تغادر النظام الشمسي عام ١٩٨٩. لكنّ إنجازه الأكبر كان مع مهمة كاسيني-هويجنز إلى زحل: اختارته ناسا ضمن فريق من سبعة علماء فقط (إلى جانب ثلاثة علماء من وكالة الفضاء الأوروبية) لقيادة تجارب جهاز علم الراديو على متن المركبة. عمل على المهمة منذ التحضير لها أوائل التسعينيات حتى نهايتها عام ٢٠١٧، أي ٢٧ عاماً متواصلة، وصفها بنفسه قائلاً: “رحلة عمر امتدت لربع قرن، فرصة لا تأتي في العمر مرتين”.
شارك أيضاً في مهمة روزيتا الأوروبية إلى المذنّب تشوريوموف-غيراسيمنكو (وهو مذنّب وليس كويكباً كما يُتداول بالخطأ في بعض المصادر العربية).
يشغل معروف اليوم منصب نائب عميد كلية الهندسة للأبحاث في جامعة سان خوسيه بكاليفورنيا، وهو المنسّق الرئيسي بين الجامعة وناسا منذ أكثر من عشر سنوات. وقد قال في حوار حديث إن أبحاثه في كاسيني كشفت عن احتمال وجود حياة تحت سطح أقمار المشتري وزحل الجليدية، وهو ما يفتح أبواب البحث الجيولوجي والبيولوجي الكوكبي على مصراعيها.

مصطفى شاهين (أسطورة عصر الفضاء التي حملت اسم كويكب)
ولد عام ١٩٣٥ في قرية “أم النبع” قرب بيروت، وانتقل إلى الولايات المتحدة عام ١٩٥٤، حيث درس في جامعة واشنطن وحصل على البكالوريوس والماجستير في هندسة الطيران عامَي ١٩٥٦ و١٩٥٧. ثم نال الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي عام ١٩٦٠ — تخصّصاً في فيزياء الموائع.
التحق بعدها مباشرة بمختبر الدفع النفّاث (JPL) حين كان برنامج غزو الفضاء الأمريكي في بداياته. كان شاهين الباحث والمصمّم والمحلّل الرئيسي في جميع تجارب الاستشعار عن بُعد التابعة لناسا، وأبحاثه أسّست لعلم رصد المناخ من الفضاء. بين ١٩٧٥ و١٩٧٨ ترأس الدائرة الخاصة بدراسة الأحوال الجوية للكواكب، ثم أسّس عام ١٩٧٨ “قسم علوم الأرض والفضاء” في JPL وترأّسه لثماني سنوات بإشراف على ٢٠٠ باحث.
ومن عام ١٩٨٤ إلى ٢٠٠١ شغل منصب كبير العلماء في مختبر الدفع النفّاث لمدّة سبعة عشر عاماً متواصلة — وهو المنصب الأرفع علمياً في أكبر مختبرات ناسا. كان قائد فريق العلوم في جهاز AIRS (Atmospheric Infrared Sounder)، الجهاز الذي يقيس درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض وبخار الماء، ويتتبّع غازات الدفيئة كالأوزون وثاني أكسيد الكربون والميثان — أي أن علم رصد التغيّر المناخي العالمي مدينٌ له بشكل مباشر.
شارك في بناء وإطلاق مسبار ماجلان الذي قطع ١.٣ تريليون كيلومتر ليرسم خرائط كوكب الزهرة، وأشرف على مهمات عديدة. تقديراً له، سُمّي الكويكب “Shaheen 4103” باسمه. توفّي عام ٢٠١١، تاركاً إرثاً جعله يُلقَّب بـ”أسطورة عصر الفضاء”.

لطفي عياد (مصمّم منصة إطلاق New Horizons)
مهندس فلسطيني من بلدة سلواد، شمال شرق رام الله. التحق بوكالة ناسا منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو الفلسطيني الوحيد في الطاقم الهندسي للوكالة. أسّس شركته الهندسية الخاصة Cape Design Engineering Co، التي مقرّها ولاية فلوريدا، وتتعاقد معها ناسا لتنفيذ مشاريع حسّاسة.
من أبرز إنجازاته: تصميم منصّة الإطلاق التي انطلق منها مسبار “New Horizons” الذي وصل إلى كوكب بلوتو عام ٢٠١٥ ويستكشف اليوم حزام كايبر. كذلك، صمّم مختبر تجارب فضائي كاملاً لناسا في وقتٍ قياسي لا يتجاوز سبعة أشهر ونصف — مختبر يُمكّن روّاد الفضاء من إجراء تجاربهم العلمية والطبية. تقديراً لهذا الإنجاز، منحته ناسا وسام EPAM في حفل أُقيم في مركز كينيدي للفضاء.
شارك أيضاً في صيانة مكوكات فضائية وتصميم منشآت إطلاق متعدّدة. ما يميّز قصّة عياد أنه يقول بصراحة: “جنسيتي العربية والفلسطينية لم تشكّل عائقاً أمام عملي“ — في زمنٍ يحتاج فيه الشباب العربي إلى من يثبت لهم أن الموهبة لا جنسية لها.

أحمد سليمان (الباحث الذي قفز من مدرسة حكومية إلى قطب الأرض الجنوبي)
ربما يكون أحمد سليمان أحد أكثر القصص إلهاماً في هذه القائمة. خريج كلية هندسة شبرا الخيمة بجامعة بنها عام ٢٠٠٩ — من قسم الاتصالات والتكنولوجيا. درس في مدرسة حكومية متواضعة في منطقة بهتيم بشبرا الخيمة، وهو القائل: “تعليمي حكومي وإمكانياتي كانت صفراً بالنسبة لأحلامي”.
تخرّج وعُيّن في وزارة الكهرباء، لكنّه حاول تطبيق أبحاث علمية داخل محطة كهرباء فرُفض بحجّة أنه “موظف لا مجال له للبحث”، فاستقال. تقدّم بطلبات لعديد من المنح في الجامعات الأمريكية الكبرى عام ٢٠١٠ — ورُفض. لم يستسلم: عمل مساعد باحث في مدينة زويل عام ٢٠١٥ تحت إشراف الراحل أحمد زويل، ثم تقدّم مجدّداً وقُبل في جامعة كالتك، أحد أهم الجامعات العلمية في العالم.
اليوم يعمل سليمان باحثاً في مختبر الدفع النفّاث ضمن فريق “BICEP/Keck” — وهو تعاون علمي ضخم بين كالتك وناسا وجامعتي ستانفورد وهارفارد، يبحث في اللحظات الأولى لنشأة الكون، وتحديداً عن “موجات الجاذبية البدائية” التي تولّدت خلال التضخّم الكوني المبكّر. الفريق يعمل من القطب الجنوبي، حيث الأجواء الجافة والباردة هي الأفضل لرصد الإشعاع الكوني الميكروي الخلفي.
سليمان هو أوّل مصري وعربي يصل إلى القطب الجنوبي ضمن بعثة ناسا، ورفع العلم المصري هناك. يعمل ١١ إلى ١٦ ساعة يومياً، وهدفه المعلن: جائزة نوبل. يطوّر ضمن فريقه هوائيات استشعار قادرة على التقاط أضعف الموجات الكهرومغناطيسية القادمة من فجر الزمن.

محمد الأوسط العياري (الرجل الذي ساعد ناسا على رؤية الكون بوضوح)
ولد في نوفمبر ١٩٥٩ بمدينة حمّام الأنف التونسية، لأب عالمٍ في الشريعة الإسلامية، الشيخ عثمان العياري، أحد أساتذة كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة الزيتونة. أنجب الشيخ ستة أبناء، وصلوا جميعهم إلى درجاتٍ علمية متقدّمة — وهو ما يفنّد الفكرة القائلة بأن العلوم الدينية والعلوم التطبيقية متعارضتان في الثقافة العربية.
درس العياري الهندسة المدنية في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس وحاز الدبلوم عام ١٩٨٣، ثم انتقل إلى جامعة كولورادو بالولايات المتحدة حيث تخصّص في الميكانيكا التطبيقية. التحق بناسا ليشغل منصبَين متوازيَين: كبير المستشارين ورئيس قسم الهياكل الفضائية في الوكالة — قسم بالغ الحساسية لأنه يصمّم ويختبر هياكل المركبات الفضائية التي يجب أن تتحمّل تسارع الإطلاق وفراغ الفضاء وحرارة العودة.
ساهم العياري في الأعمال الهندسية المتعلقة بتصحيح خلل مرآة تلسكوب هابل، وهو الخلل الذي اكتُشف بعد إطلاق التلسكوب عام ١٩٩٠ وكاد يُفشل المشروع كلّه — حيث صُنعت المرآة الرئيسية بدقّةٍ معيبة لا تتجاوز جزءاً من خمسين من سُمك الشعرة، فأنتجت صوراً ضبابية. مهمة الإصلاح في ديسمبر ١٩٩٣ كانت من أعقد عمليات الفضاء في التاريخ، وأنقذت ١.٥ مليون رصد فلكي لاحق.
كذلك له أبحاث تطبيقية كثيرة، ومنحته جامعة مانيتوبا الكندية عام ١٩٩٣ لقب “أستاذ محاضر مدى الحياة“. يتميّز العياري بتواضعه الشديد وحبّه لتونس، وهو من القلائل الذين يحرصون على التحدّث بالعربية والتونسية في حواراته.

أكرم أمين (أوّل رائد فضاء مصري)
ولد عام ١٩٨٨ في القاهرة، لأبٍ ضابطٍ في القوات الجوية المصرية ووالدةٍ أستاذة للتربية الموسيقية في جامعة حلوان. توفي والده وهو في الرابعة عشرة، لكن شغفه بالطيران الذي ورثه عنه لم يخفت. تعلّم في مدرسة تجريبية حكومية، ثم نال منحة بعد تفوّقه في الثانوية للدراسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة (GUC) حيث تخصّص في هندسة الاتصالات.
أكمل البكالوريوس في جامعة أولم بألمانيا، ثم نال الماجستير في هندسة الاتصالات من جامعة شتوتغارت، وعمل في المركز الألماني للفضاء (DLR) منذ عام ٢٠١١. لكنّ حلمه الأكبر كان الفضاء، فدرس ماجستير ثانياً في علوم وتكنولوجيا الفضاء من جامعة ميونخ التقنية (TUM)، تخصّص في ديناميكية أنظمة الطيران.
في عام ٢٠١٥، التحق ببرنامج “PoSSUM” التابع لناسا — وهو برنامج بحثي وتعليمي يدرّب علماءَ-روّاد فضاء على دراسة الغلاف الجوي العلوي وتأثيراته على تغيّر المناخ. التحق بمنظمة Astronauts4Hire غير الربحية، وتدرّب لخمس سنوات على السباحة والطيران والغطس وإجراءات الخروج من الغلاف الجوي. تجاوز شرط “عدم قبول رواد فضاء غير ألمانيين” في الوكالة الألمانية، ليصبح أوّل مصري يُرشَّح لبرنامج تدريب رواد الفضاء التابع لناسا.
يعمل اليوم في الوكالة الألمانية للفضاء كمهندس طيران وفضاء، ويُنهي رسالة دكتوراه في ديناميكية أنظمة الطيران في جامعة ميونخ التقنية. شارك في مؤتمرات دولية كثيرة، ويلقي محاضرات في مكتبة الإسكندرية كلّما زار مصر، تحت عنوان “هندسة الطيران والفضاء وكيف يستفيد منها العالم العربي”. يقول: “أعمل ١٦ ساعة يومياً لتحقيق حلمي”.

المصادر
- Caltech, JPL، ومواقع ناسا الرسمية لكلٍّ من: شارل العشي، كمال الودغيري، نور رؤوفي، عصام حجي،
- موقع جامعة Western Washington ٢٠٢٤ — منحة ناسا الجديدة لأسماء بوجيبار لدراسة عطارد.
- موقع جامعة خليفة، أبوظبي ٢٠٢٤ — صفحة محمد رامي المعري.
- وكالة الإمارات للفضاء وموقع Time ٢٠٢١ — سيرة سارة الأميري.
- Morocco World Newsيناير ٢٠٢٦ — ميدالية القيادة من ناسا للودغيري.
- Wikipediaالإنجليزية والعربية — للسير الذاتية والتواريخ، والجزيرة نت لسيرة فاروق الباز.
- Al Arabiyaديسمبر ٢٠٢٤ — مهمة باركر الشمسية واقترابها التاريخي من الشمس.
- Blue Origin، LinkedIn ٢٠٢٥ — منصب ديانا السندي الحالي.


