أنين النيتروجين وصوت الأمونيا

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في اتساع السماء، حيث يبدو الهواء بلا ملامح، تختبئ أعظم مفارقات الوجود: عنصرٌ يملأ العالم، لكنه يظل خارج الحياة. النيتروجين، هذا الكائن الصامت، الذي يحيط بكل شيء دون أن يشارك فيه، كأنه شاهدٌ أبدي على مسرحٍ لا ينتمي إليه. كان دائمًا هناك، يراقب، لا يتدخل، يحتفظ بطاقته داخل روابطه المحكمة، كأن الطبيعة قد قررت أن تمنحه صفة الامتناع، لا العطاء.

ولقرون طويلة، عاش الإنسان تحت هذا السقف الممتلئ بالاحتمالات المعطّلة. كانت الأرض تُزرع، وتُحصد، وتُستنزف، بينما يبقى النيتروجين في الأعالي، لا ينزل إلا عبر وسائط محدودة، كالصواعق أو الكائنات الدقيقة، في مشهدٍ أقرب إلى العطاء النادر منه إلى النظام المستمر. كان الجوع، في جانبٍ منه، نتيجة لهذا الانفصال بين ما هو موجود وما هو متاح، بين الوفرة والعجز.

ثم جاءت لحظة لم تكن علمية فقط، بل وجودية. لحظة قرر فيها الإنسان ألا ينتظر. ألا يقبل بأن يكون خاضعًا لإيقاع الطبيعة وحده. هنا، لم يعد السؤال: ماذا تعطينا الطبيعة؟ بل: كيف نجعلها تعطي؟ في هذا التحول، وُلدت واحدة من أكثر الأفكار جرأة في تاريخ العلم، حين مدّ فريتز هابر يده نحو النيتروجين، لا ليفهمه فقط، بل ليُخضعه، ليُعيد صياغة علاقته به، بينما تولّى كارل بوش تحويل هذه الرؤية إلى واقعٍ صناعي قادر على الاستمرار والتكرار.

لم يكن الأمر اكتشافًا بسيطًا، بل كان كسرًا لهيبةٍ كيميائية راسخة. فالنيتروجين، في صورته الجزيئية، لا يستجيب بسهولة، ولا يدخل في التفاعلات إلا بشروط قاسية. وكأن الطبيعة قد وضعت حوله سياجًا منيعًا، لا يُفتح إلا لمن يمتلك مفاتيح الضغط والحرارة والزمن. وهكذا، وُضعت المادة في اختبارٍ عنيف: حرارة تقترب من حدود التحمل، وضغوط تُحاكي أعماق الأرض، ووجود عنصر ثالث، لا يشارك في الحدث بقدر ما يهيّئ له الطريق، يخفف من عناد الروابط، ويقنعها بأن الانفصال ليس نهاية، بل بداية.

في هذا المشهد، لم تكن الأمونيا مجرد ناتج. كانت ولادة. ولادة شيءٍ جديد من قلب ما كان يبدو غير قابل للتغيير. لحظة يتحول فيها الجمود إلى حركة، والانغلاق إلى قابلية، والامتناع إلى عطاء. ومن هذه اللحظة، بدأت سلسلة من التحولات التي لم تقتصر على المختبرات أو المصانع، بل امتدت إلى الحقول، إلى التربة، إلى جذور النباتات، إلى كل حبة قمحٍ نمت بفضل هذا التدخل.

لقد أصبحت الأرض، بعد هذه العملية، شيئًا آخر. لم تعد مجرد مساحة تُستغل حتى الإنهاك، بل كيانًا يمكن دعمه، تغذيته، إعادة إحيائه. صار بالإمكان تعويض ما يُفقد، وإضافة ما لم يكن موجودًا، وكأن الإنسان قد تعلّم كيف يكتب سطرًا جديدًا في كتاب الطبيعة، لا يقرأه فقط. ومن هنا، لم يكن أثر هذه العملية محدودًا، بل كان ممتدًا بعمقٍ في التاريخ الإنساني، حتى أن جزءًا كبيرًا من الحياة المعاصرة يرتكز، بشكلٍ غير مباشر، على هذا التحول الصامت.

لكن، كما في كل انتصار، كان هناك ثمن خفي. فالقوة التي استخدمها الإنسان لكسر صمت النيتروجين، لم تأتِ من فراغ. كانت مستمدة من مصادر طاقة هائلة، من احتراق، من استهلاك، من تحويل موارد الأرض إلى وسيلة لإعادة تشكيلها. وهنا يظهر التوتر العميق: نحن نُحيي التربة، لكننا نُثقل الهواء. نُغذي النبات، لكننا نُحمّل الكوكب عبئًا إضافيًا.

إنها مفارقة لا يمكن تجاهلها. فكل خطوة نحو السيطرة، تقابلها مسؤولية أكبر. وكل قدرة على التغيير، تفرض سؤالًا عن حدود هذا التغيير. هل نُصلح اختلالًا لنخلق آخر؟ هل نحل مشكلة لنفتح بابًا لمشكلة أعمق؟ في هذا السياق، لا تعود عملية هابر–بوش مجرد إنجاز تقني، بل تتحول إلى مرآة، نرى فيها أنفسنا: طموحنا، قدرتنا، وقلقنا أيضًا.

ومع تطور الزمن، لم تتوقف الأسئلة. بل ازدادت تعقيدًا. كيف يمكن الحفاظ على هذا الإنجاز دون أن يتحول إلى عبء؟ كيف يمكن إنتاج الأمونيا بطرق أقل استنزافًا، أقل اعتمادًا على الوقود، أكثر انسجامًا مع توازن الأرض؟ ظهرت محاولات، رؤى جديدة، أفكار تسعى إلى إعادة صياغة العملية، لا لإلغائها، بل لتنقيتها، لجعلها أكثر توافقًا مع المستقبل الذي نريده.

وهنا، تعود الفلسفة إلى قلب الكيمياء. لم تعد المسألة مجرد تفاعل، بل اختيار. اختيار بين مسارات متعددة، بين نماذج إنتاج مختلفة، بين رؤى للعالم تتباين في عمقها وأثرها. فالكيمياء، في جوهرها، لم تعد علمًا عن المادة فقط، بل عن العلاقة بين الإنسان والمادة، بين الفعل ونتيجته، بين الحاضر والمآل.

إن عملية هابر–بوش، بهذا المعنى، ليست حدثًا انتهى، بل حكاية مستمرة. حكاية تُكتب كل يوم، في كل مصنع، في كل حقل، في كل قرار يتعلق بالغذاء والطاقة والبيئة. هي قصة عن الجرأة، نعم، لكنها أيضًا قصة عن التعلم المستمر، عن مراجعة الذات، عن القدرة على إعادة التفكير في ما نظنه ثابتًا.

وفي النهاية، ربما لا تكمن عظمة هذه العملية في أنها أنتجت الأمونيا، بل في أنها كشفت عن شيء أعمق: أن العالم، مهما بدا مغلقًا، قابل لإعادة الفتح. وأن الإنسان، مهما بلغ من القدرة، يظل مطالبًا بأن يسأل، لا أن يكتفي بالإجابة. وأن كل تفاعل، مهما كان بسيطًا في شكله، قد يحمل في داخله سؤالًا عن معنى ما نفعل… ولماذا نفعل؟.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى / المركز القومى للبحوث/ مصر ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاته العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثه وبراءات اختراعه العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51