الماءُ سرُّ الحياة، وإكسيرُها الذي لا تستقيم بدونه حياةُ إنسان، ولا ينبت بدونه زرع، ولا تستمر به صناعة. ومع ذلك، فإن هذا السائل الذي يبدو في ظاهره بسيطًا، يخفي وراءه عالمًا كيميائيًا بالغ التعقيد؛ فقد يكون الماء نقيًّا عذبًا، وقد يكون ملوثًا، وقد يصيبه العُسر الذي يغيّر كثيرًا من خصائصه ويؤثر في استخداماته.
ولعل أجمل ما في الكيمياء أنها لا تكتفي بوصف المادة، بل تمنحنا أحيانًا مرآةً نتأمل فيها الإنسان والحياة. ومن هنا يمكن أن يصبح عُسر الماء صورةً بليغةً لـ عُسر النفس البشرية؛ فكما أن الماء قد يبدو صافياً بينما يحمل في داخله ما يجعله عسيرًا، كذلك الإنسان قد يبدو هادئًا من الخارج، بينما تختبئ في داخله شوائب تجعل التعامل معه شديد العُسر.
حيث ينشأ عُسر الماء أساسًا بسبب وجود أملاح الكالسيوم والمغنيسيوم الذائبة فيه، ولا سيما البيكربونات والكبريتات والكلوريدات.
وينقسم عسر الماء بصورة عامة إلى: العسر المؤقت، ويرتبط أساسًا ببيكربونات الكالسيوم والمغنيسيوم، ويمكن التخلص منه بالغليان؛ إذ تتحلل البيكربونات عند التسخين وتتكون رواسب الكربونات أقل ذوبانًا، ويقل العسر.
أما العسر الدائم، فيرتبط بصورة أساسية بأملاح مثل كبريتات الكالسيوم والمغنيسيوم وكلوريداتهما، ولا يزول بالغليان بسهولة، ولذلك يحتاج إلى عمليات معالجة كيميائية أو تقنيات أخرى مثل التبادل الأيوني أو الأغشية.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة:
هناك عسرٌ يزول بالحرارة، وهناك عسرٌ لا يزول إلا بالمعالجة.
وكذلك النفوس…
وقد يظن البعض أن عسر الماء مجرد رقم في تحليل كيميائي، لكنه في الواقع قضية لها آثار عملية واسعة.
فالماء العسر يقلل من كفاءة الصابون؛ لأن أيونات الكالسيوم والمغنيسيوم تتفاعل مع الأحماض الدهنية الموجودة في الصابون، فتتكون رواسب غير ذائبة، ومن ثم تقل قدرة الصابون على تكوين الرغوة والتنظيف.
ومن هنا يمكن أن نستعير صورة إنسانية شديدة الدلالة:
كما أن الماء العسر يستهلك مزيدًا من الصابون حتى يعطيك النظافة المطلوبة، فإن بعض النفوس العسرة تحتاج إلى كثير من الصبر والحكمة وحسن التعامل حتى تصل معها إلى نتيجة طيبة.
وفي الغلايات والسخانات والأنابيب، يمكن أن تتكون رواسب كربوناتية تؤدي إلى ترسبات وقشور تقلل كفاءة انتقال الحرارة وتزيد مشكلات التشغيل.
فالعسر لا يصرخ في وجهك، ولا يخبرك بأنه موجود، لكنه يترك أثره شيئًا فشيئًا.
وهكذا بعض البشر…
لا يؤذونك في لحظة واحدة، ولكنهم يتركون في النفس ترسبات صغيرة متراكمة من الجفاء، والشك، وسوء الظن، والجدال، حتى يصبح التعامل معهم بمرور الوقت أكثر صعوبة.
وفى حقيقة الأمر، أن وراء كل كوب ماء صالح للشرب، وكل محطة معالجة، وكل منظومة تنقية، هناك علمٌ وجهدٌ لا يراه معظم الناس.
وهنا يظهر دور الكيميائي؛ ذلك الجندي المجهول الذي يراقب خواص الماء، ويحلل مكوناته، ويتتبع مصادر تلوثه، ويعمل على إزالة الملوثات والأملاح غير المرغوبة، ويحاول أن يحافظ على هذا المورد الذي يمكن أن نسميه بحق:
فالماء ليس مجرد مادة تشربها الأجساد، بل يدخل في الغذاء والزراعة والصناعة والطاقة والدواء، ولذلك فإن الحفاظ على جودته ليس رفاهية علمية، بل ضرورة للحياة لأنه وبحق هو بترول الحياة… ووقود كل شيء.
والكيميائي ذلك الجندى المجهول الذي يقيس درجة العسر، ويحدد تركيز الكالسيوم والمغنيسيوم، ويختار طريقة المعالجة المناسبة، قد لا يراه أحد، لكن أثر عمله يصل إلى الجميع.
إنه يعمل في صمت، مثل كثير من أصحاب الأدوار الحقيقية في الحياة؛ لا يطلبون التصفيق، وإنما يتركون الأثر.
وإذا كان الماء قد يعسر بسبب ما ذاب فيه من أملاح، فإن النفس البشرية قد تعسر بسبب ما تراكم فيها من أفكار ومواقف وأطماع وأحقاد.
هناك نفوس تشبه الماء العذب؛ صافية، هادئة، نافعة، لا تحمل في داخلها ما يؤذي من يقترب منها.
وهناك نفوس أخرى تشبه الماء العسر؛ قد تبدو في ظاهرها طبيعية، لكن التعامل معها يحتاج إلى جهد وصبر ومعالجة.
والأشد من ذلك أن بعض النفوس قد تتحول إلى ما يشبه الماء الملوث؛ فلا تكتفي بأنها عسرة، بل تحمل شوائب فكرية وأخلاقية ونفسية تؤثر في كل من يقترب منها.
فكما أن الماء الملوث قد ينقل الضرر إلى الإنسان، فإن النفس الملوثة قد تنقل إلى الآخرين الحقد، والفتنة، وسوء الظن، والإحباط، والعداوة.
ولعل الكيمياء تمنحنا هنا استعارةً أكثر عمقًا.
فالعسر المؤقت يمكن أن يزول بالغليان، أما العسر الدائم فيحتاج إلى معالجة أكثر تخصصًا.
وكذلك البشر:
هناك إنسان يمر بظرف عابر يجعله قاسيًا أو منغلقًا أو غاضبًا؛ وهذا عسر مؤقت، قد تزيله كلمة طيبة، أو موقف نبيل، أو اعتذار صادق، أو مرور الزمن.
لكن هناك من تراكمت في نفسه الشوائب حتى أصبحت جزءًا من بنيته النفسية؛ فيكون غضبه دائمًا، وسوء ظنه دائمًا، وعداؤه دائمًا، وحسده دائمًا.
ذلك هو العسر الدائم.
والفرق بين الاثنين ليس في المظهر، وإنما في التركيب الداخلي.
قد يبدو الماء شفافًا للعين، لكن الكيميائي لا يحكم على جودته بمجرد النظر.
فالماء قد يكون صافياً في مظهره، لكنه يحتوي على أملاح أو معادن أو ملوثات لا تُرى بالعين المجردة، لذلك لا يكفي أن يكون الماء صافياً.
وهذه قاعدة تصلح للإنسان أيضًا:
ليس كل ما يبدو نقيًّا يكون نقيًّا، وليس كل ما يبدو هادئًا يكون سالمًا.
فالإنسان لا يُعرف بكلامه فقط، وإنما بما يتركه من أثر فيمن حوله.
وكما نحلل الماء قبل أن نحكم على صلاحيته، ينبغي ألا نحكم على النفوس من مظهرها وحده؛ فالاختبار الحقيقي يظهر عند الاختلاف، وعند السلطة، وعند المال، وعند المنافسة، وعندما تتعارض المصلحة الشخصية مع المبدأ.
هناك تظهر كيمياء النفس.
وبين عُسر الماء وعُسر النفس… درسٌ واحد
الماء العسر يمكن معالجته.
قد نستخدم الغليان للعسر المؤقت، أو التبادل الأيوني، أو المعالجة الكيميائية، أو تقنيات التنقية المناسبة للعسر الدائم.
أما النفس العسرة، فمعالجتها ليست بالمواد الكيميائية، وإنما بالوعي، والتربية، ومراجعة الذات، والإيمان، والصدق، ومجاهدة النفس.
وكما أن الكيميائي لا يحاول معالجة الماء دون أن يعرف أولًا سبب عسره وتركيبه، فإن إصلاح النفس لا يبدأ بالصراع معها، بل يبدأ بفهم أسباب عسرها.
هل العسر سببه جرح قديم؟
أم تجربة فاشلة؟
أم غرور؟
أم حسد؟
أم خوف؟
أم حب مفرط للذات؟
أم تراكم طويل من سوء الفهم؟
فإذا عرفنا السبب، أمكن أن نبدأ المعالجة.
وكأن الكيمياء قد أصبحت مرآةً للإنسان
ففي الكيمياء، لا نحكم على الماء من شكله وحده، بل من تركيبه وخواصه وآثاره.
وفي الحياة، لا ينبغي أن نحكم على الإنسان من مظهره أو كلامه، بل من تركيبه الأخلاقي وأثره فيمن حوله.
فالماء قد يكون عذبًا أو عسرًا أو ملوثًا، والنفس كذلك.
وقد يكون العسر مؤقتًا يمكن أن يزول، وقد يكون دائمًا يحتاج إلى معالجة عميقة.
ولهذا فإن أجمل ما نتعلمه من الكيمياء ليس فقط كيف نعالج الماء، وإنما كيف نفهم الحياة:
فكما نبحث عن سبب عُسر الماء لنصل إلى طريقة معالجته، فلنبحث عن سبب عُسر النفوس قبل أن نحكم عليها.
فربما كان وراء بعض القسوة ألمٌ لم يُشفَ، ووراء بعض الجفاء خوفٌ لم يُفهم، ووراء بعض العسر إنسانٌ يحتاج إلى من يساعده على أن يعود… ماءً عذبًا كما كان.
وفي النهاية، تظل الحقيقة واحدة:
ليس المهم أن يبدو الشيء نقيًّا… وإنما أن يكون نقيًّا في جوهره.



