كيمياء الرغبة والشغف

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

ليست كلُّ الأشياء التي نريدها تُنال بمجرد الرغبة فيها، كما أنَّ امتلاك الأدوات والآليات لا يعني بالضرورة أننا سنصل إلى ما نريد. فبين الرغبة في الشيء وتحقيق الشيء توجد منطقة خفية، تشبه في الكيمياء تلك المسافة الفاصلة بين وجود المواد المتفاعلة وبدء التفاعل فعلًا. إنها منطقة الشغف والدافع والإصرار.

في كيمياء الحياة، يمكن أن نسمي هذه المنطقة «كيمياء الرغبة والشغف»؛ حيث تنطلق رحلة الإنجاز من إقبال صادق على الشيء، وحلم حقيقي بتحقيقه، ثم تتحول الرغبة إلى طاقة تدفع الإنسان إلى البحث عن آليات التنفيذ، وتحمّل مشاق الطريق، ومقاومة ما يعترضه من عقبات.

ولعل أجمل ما تقدمه لنا الكيمياء لفهم هذه الفكرة هو مفهوم طاقة التنشيط.

فقد توجد المواد المتفاعلة جنبًا إلى جنب، وقد تكون قادرة من الناحية الكيميائية على التفاعل، ومع ذلك لا يحدث التفاعل بسهولة ما لم تتوافر الطاقة اللازمة لبدئه. إنَّ طاقة التنشيط لا تصنع المواد من العدم، لكنها تمنحها القدرة على عبور الحاجز الفاصل بين الاستعداد للفعل والفعل نفسه.

وهكذا الإنسان.

قد يمتلك المعرفة، والموهبة، والوقت، والأدوات، والفرصة، وكل آليات النجاح، ولكنه يظل ساكنًا إذا غابت عنه طاقة الرغبة. وقد تكون لديه كل الوسائل، ولكنها تظل خاملة كمواد متفاعلة لم تجد الطاقة التي تطلق التفاعل.

وهنا يمكن أن نقول في لغة الكيمياء الفكرية:

الرغبة هي طاقة التنشيط الأولى، والشغف هو الطاقة التي تُبقي التفاعل مستمرًا حتى الوصول إلى النواتج.

فالهدف هو «الناتج»، والآليات هي «المتفاعلات»، والإصرار هو ما يحافظ على استمرار التفاعل، أما الرغبة والشغف فهما الشرارة التي تجعل المنظومة كلها تتحرك.

خذ مثلًا تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين لتكوين الماء:

فالهيدروجين والأكسجين قد يجتمعان، لكن اجتماعهما وحده لا يكفي لإنتاج الماء في الظروف العادية؛ إذ يحتاج التفاعل إلى بدءٍ مناسب يتجاوز حاجز طاقة التنشيط. وما إن يبدأ التفاعل حتى تنطلق طاقة كبيرة.

وهذه صورة بديعة لما يحدث في الإنسان.

قد يعيش الإنسان سنوات طويلة وهو يحمل حلمًا، ويعرف ما يريد، ويمتلك بعض أدوات الوصول إليه، لكنه يظل في حالة «سكون»؛ حتى تأتي لحظة يشتعل فيها داخله شيء لا يُرى بالعين، لكنه يُرى بآثاره: رغبة حقيقية، وشغف صادق، وإصرار لا يسمح للحلم بأن يبقى مجرد حلم.

وحينها يبدأ التفاعل.

لكن هناك وجهًا آخر أكثر خطورة؛ فقد تكون الآليات موجودة، والخطة مكتملة، والتعليمات واضحة، والموارد متاحة، ثم يفشل التفاعل لأن الروح التي تحركه غائبة.

وهنا تتحول الآليات إلى مجرد إجراءات، والخطط إلى أوراق، والأهداف إلى عبارات معلقة على الجدران.

فالآلة لا تُنتج لمجرد أنها موجودة، والتفاعل لا يحدث لمجرد أن المواد المتفاعلة قد اجتمعت.

لابد من الشرارة.

والرغبة في الشيء عنصر غير مرئي، لا تستطيع العين أن تلتقطه كما تلتقط ذرة أو جزيئًا، لكنه يظهر في السلوك، وفي المثابرة، وفي عدد المرات التي ينهض فيها الإنسان بعد سقوطه. أما الشغف واللهفة والإصرار، فلا تُلمس باليد، وإنما يُستدل عليها من آثارها.

ومن هنا تقف كيمياء التحليل والتفسير موقف «قاضي الوعي والإدراك»؛ فلا تكتفي بأن ترى الإنسان يريد، بل تسأل: لماذا يريد؟ وما الذي حرّك هذه الرغبة؟ وهل هي رغبة حقيقية أم رغبة عابرة؟ وهل الشغف نابع من الداخل أم مجرد استجابة لضغط الخارج؟

إنها تبحث في مُقبِّلات الرغبة، ومحفزات الشغف، ومصادر الإصرار، ثم تحاول أن تصدر حكمها: هل أمامنا تفاعل حقيقي قابل للاستمرار، أم مجرد فوران مؤقت سرعان ما يهدأ؟

فبعض الناس يشبهون تفاعلًا سريعًا؛ يشتعلون في البداية بقوة، ثم ينطفئون قبل الوصول إلى الناتج. وبعضهم يبدأ ببطء، لكنه يمتلك من الثبات ما يجعله يستمر حتى النهاية.

والفارق بين الاثنين ليس دائمًا في القدرة، وإنما في طبيعة الطاقة التي تحركهما.

إن افتقد الإنسان رغبته في الحياة، وفقد شغفه بما يفعل، وأصبح يتحرك فقط لأن الظروف تدفعه، فقد يتحول إلى ما يشبه جسمًا خاملًا تحركه المؤثرات الخارجية؛ تدفعه الرياح حيث شاءت، وتجرّه الأحداث من موقف إلى آخر، دون أن يكون له اتجاه يصنعه بنفسه.

أما الإنسان الذي يعرف ماذا يريد، ويشعر بقيمة ما يريد، ويملك الشغف للوصول إليه، فإنه لا ينتظر الرياح لكي تحدد مساره؛ بل يصنع من رغبته قوة دفع، ومن شغفه طاقة، ومن إصراره مسارًا.

وهنا تكمن إحدى قواعد الكيمياء الفكرية:

ليست المشكلة دائمًا في غياب الآليات، بل قد تكون في غياب الطاقة التي تجعل الآليات تعمل.

فقد تمتلك أفضل خطة، وأدق الأدوات، وأوسع الإمكانات، ولكن إذا انفصلت الآليات عن الرغبة والشغف، فقد يصبح كل ذلك مجرد منظومة ساكنة.

وفي المقابل، قد يبدأ الإنسان بإمكانات محدودة، لكنه يمتلك رغبة عميقة وشغفًا حقيقيًا؛ فيبحث، ويتعلم، ويجرب، ويخطئ، ويعيد المحاولة، حتى تتكامل آلياته تدريجيًا.

وهكذا لا يكون النجاح مجرد معادلة بين ما نملك وما نريد، بل معادلة أكثر عمقًا:

الرغبة + الشغف + الآلية + الإصرار = تفاعل قابل للوصول إلى الناتج.

أما إذا غابت الرغبة، فقد تبقى الآليات بلا روح.

وإذا غاب الشغف، أصبح الطريق أثقل من أن يُقطع.

وإذا غاب الإصرار، توقف التفاعل عند أول حاجز.

لذلك، قبل أن تسأل نفسك: هل أمتلك أدوات تحقيق هدفي؟
اسأل أولًا سؤالًا أكثر عمقًا:

هل ما زالت لديَّ الرغبة التي تشعل هذه الأدوات؟ وهل ما زال في داخلي الشغف الذي يدفعها إلى العمل؟

فربما لا تكون مشكلتك في الكيمياء الخارجية للأشياء، بل في كيمياء الداخل.

وربما لا ينقصك تفاعل جديد، وإنما ينقصك فقط أن تجد طاقة التنشيط التي توقظ التفاعل الكامن فيك.

وفي كيمياء الحياة، قد يكون أعظم ناتج لا تصنعه المواد وحدها، بل تصنعه الرغبة التي قررت ألا تتوقف حتى يحدث التفاعل.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51