
على اعتبار أن سفر الإنسان إلى أعماق الفضاء ليس فقط أمراً خطيراً بشكل لا يصدق, بل وجنونياً أيضاً , كان من المفترض على الباحثين التفكير بطريقة قد تكون غير مألوفة لتحقيق الحلم بإنشاء حضارة بشرية بين النجوم, فماذا لو، بدلاً من وضع البشر في الصواريخ وإرسالهم إلى الكواكب الأخرى، كان لدينا نسخة مطابقة تماماً للبشر لإرسالها لتلك الكواكب؟
يعتقد (آدم ستلتزنر) المهندس المسؤول للبعثة المتجولة (NASA JPL’s Curiosity), أن أفضل الحلول الممكنة لاستكشاف الفضاء, قد تكون طباعة البشر عضوياً على كواكب أخرى, فالعديدمن العلماء يعتقدون بأن السبيل الوحيد لبقاء الجنس البشري هو باستعمارهم لكواكب أخرى, ولكن المشكلة تكمن بعدم امتلاكنا لوسيلة آمنة للوصول إلى المريخ (على سبيل المثال), فكيف بالسفر إلى مناطق أبعد من الكون, ولكن بإرسال مورثات بشرية مطبوعة إلى المواقع النائية من الفضاء, سيمكننا تخطي هذه الرحلات.
بدأت فكرة الطباعة عندما تم اقتراح أن يتم ترميز المورثات البشرية داخل البكتيريا, بحيث يتم حمل الحمض النووي الخاص بالبشر إلى كوكب آخر, حيث اكتشف العلماء مؤخراً أن البكتيريا تستطيع الصمود خلال الرحلة من الأرض إلى المريخ, ومن ثم وبمجرد وصول تلك البكتيريا المحملة بالحمض النووي البشري إلى سطح الكوكب الجديد, ستتجمع مكونات الحياة لتكوين كائن بشري كامل, وبهذا يمكننا أن نحتل عوالم أخرى ليس باستخدام رواد الفضاء, بل باستخدام البكتيريا.
بذرة الفكرة المطروحة سابقاً نشأت لدى العالمين (غاري روفكون) وشريكه (جورج تشيرتش)، حيث تم سؤالهما فيما اذا كانت هذه الفكرة مجرد أفكار تخيلية أو أنها فعلا قابلة للتحقق مستقبلاً, وكانت الإجابة أن هذه الفكرة هي مزيج من الاثنين, حيث أن فكرة ترميز البكتيريا بحمض نووي إنساني وإرسالها في رحلة إلى الفضاء, هو أمر ممكن التنفيذ,، كون هذه الفكرة هي امتداد لفكرة هندسة البكتيريا، بحيث يتم ارسال الأخيرة إلى المريخ لتقوم بتحفيز تطور المحيط الحيوي للمريخ لتجعله ملائماً لعيش بني البشر عليه، وطالما يقول العلم بأنه بإمكاننا إرسال البكتيريا إلى المريخ لتغيير مناخه، فإنه من المعقول أيضاً أن نقوم بإرسال المورثات البشرية على متن البكتيريا.
لكن المشكلة تكمن في إعادة تجميع سلسلة الحمض النووي البشري على الكوكب الجديد, وهذا أمر يعد أبعد مما نستطيع تخطيه في الوقت الحالي, ولكن ذلك ليس مستحيلاً أيضاً, بالنظر إلى أننا ما نزال حديثي العهد بالتعامل مع الحمض النووي, فمع تقدم الهندسة الوراثية، والاستنساخ، وطباعة التكنولوجيا الحيوية، ربما سنصل بعد خمسة آلاف سنة لنبني إنساناً كاملاً من سلسلة حمض نووي DNA, والسؤال المطروح يتمثل بأنه اذا كنا قادرين –بعد زمن- على تجميع الحمض النووي للبشر في مختبراتنا المتطورة على الأرض, فكيف سيتم تجميع هذا الحمض على كوكب آخر لا وجود فيه لكائنات تستطيع القيام بهذه المهمة؟
أحد الحلول المطروحة هي بأن تقوم البكتيريا المرمزة بالحمض النووي البشري بعملية التجميع بشكل طبيعي, من خلال عملية التطور العضوي, حيث يجب أن يصل التطور في النهاية إلى إيجاد سلالة لكائنات بشرية.
فكرة ثانية تم طرحها لإيصال المورثات البشرية إلى كواكب أخرى, هي أن نقوم بإرسال تلك المورثات عبر أشعة راديوية (وهي موجات كهرطيسية), كالتي نستخدمها في محاولة الاتصال بكائنات ذكية خارج الأرض, ويقول (ستلتزنر) بأنه يمكننا أن ننتظر أن يقوم أي أحد باستقبال هذا البث الذي نقوم به و من ثم نجد طريقة لاعتراض هذا الاستقبال, حيث يمكننا أن نرسل مع الإشارات الراديوية تعليمات أو كتيّب تشفير خاص بالـ (DNA) الذي قمنا بإرساله مع البكتيريا.
يقول (ستلتزنر) بأنه يمكننا في هذا الصدد الاعتماد على مبدأ الطابعة الثلاثية الأبعاد،حيث تعتمد في عملها على تكوين شيء في موقع معين انطلاقاً من المعلومات التي تم تزويدها بها, وهي ذات الفكرة المطروحة هنا بالضبط, وفي حال استطعنا تخزين وإرسال الشفرة الوراثية للبشر بذات الطريقة التي يتم بها إرسال البيانات سنكون قد وصلنا إلى طريقة لطباعة الحياة البشرية خارج الأرض، بذات مبدأ الطابعة الثلاثية الأبعاد.
وتطبيقاً لهذا، فإن عالم الأحياء الأمريكي (كريغ فينتر), يقوم بتطوير جهاز (محوّل بيولوجي رقمي), قادر على نقل معلومات الحمض النووي رقمياً بسرعة الضوء، وإعادة تشكيل الكائن الأصلي في الموقع الجديد إنطلاقاً من تلك البيانات, ويظن (فينتر) أن هذا الجهاز قادر على طباعة أشكال الحياة خارج كوكب الأرض – إن وجدت- عن طريق إرسال هذه المعلومات من خلال الجهاز وإعادة تصنيع هذه الحياة على الأرض من خلال المعلومات التي تم استلامها, والسؤال هنا هو هل من الممكن أن نستعمل هذه التقنية بطريقة معاكسة؟ أي أن نقوم بإرسال الحمض النووي البشري إلى كوكب آخر وإعادة طباعتها على ذاك الكوكب ؟
في الحقيقة فإن جهاز (فينتر) الحالي قادر على طباعة الحياة على مستوى الجينات الفردية فقط، أما الكائنات وحيدة الخلية مثل البكتيريا فهي أكثر تعقيداً، وبحسب بحث منشور في صحيفة (نيويورك تايمز)، فإن طباعة كائنات المريخ أو كائنات الأرض لن يكون أمراً ممكناً على الأرجح.
أخيراً, وبغض النظر عمّا تقدم, فإن (ستلتزنر) يرى بأن الأمر ليس مستحيلاً بالنسبة للعلم، حيث أننا نعرف ما هي القواعد العلمية التي تمنعنا من إرسال البشر للسفر لملايين السنوات الضوئية عبر الكون, ولكن على العكس من ذلك فلا يوجد أي قانون طبيعي يمنعنا من إرسال كائنات تحمل ترميز الحمض النووي البشري إلى الفضاء، ومن وجهة نظر (ستلتزنر) يبقى هذا الأمر عبارة عن مراهنة قد تصيب وقد تخيب، ولكنها في النهاية لا تتطلب منا الانتقال بسرعة الضوء، ولا تتطلب منا حيازة كمية هائلة من الطاقة.


