قصة ديانا السندي، اللاجئة العراقية التي خرجت من بغداد وهي لا تكاد تتكلّم الإنجليزية، لتصبح مهندسة دفع صاروخي ومديرةً أولى في شركة Blue Origin تعمل على صاروخ New Glenn ومركبة العودة إلى القمر، ومؤسِّسة منصّة «الراصدة العربية» لتعليم الفضاء بالعربية.
كلمة «صاروخ» في العربية تحمل وجهين: فهي تعني المركبة التي تحمل البشر إلى الفضاء، وتعني أيضاً السلاح الذي يدمّر المدن. بالنسبة لفتاةٍ نشأت في بغداد خلال سنوات الحرب، كانت الكلمة مرعبة. لكنّ تلك الفتاة، ديانا السندي، قرّرت أن تقلب معنى الكلمة رأساً على عقب: أن تصنع صواريخ تحمل الأحلام لا الموت. اليوم، صارت مهندسة دفعٍ صاروخي تعمل على المركبة التي ستُعيد البشر إلى القمر. هذه قصة اللاجئة العراقية التي حوّلت خوفها من الصواريخ إلى مهنة حياتها.
من هي ديانا السندي؟ من ورشة الجدّ في بغداد
وُلدت ديانا السندي في العاصمة العراقية بغداد، وبدأ شغفها بالهندسة وهي في العاشرة من عمرها، حين كانت تراقب جدّها يصهر صفائح المعدن ويطرقها معاً في ورشةٍ صغيرة بفناء منزلهم الخلفي. تلك المشاهد البسيطة زرعت فيها حلماً: أن تصمّم الآلات وتبنيها. وفي عام ٢٠٠٨، حين كانت في الرابعة عشرة، انتقلت مع عائلتها من بغداد إلى الولايات المتحدة، حيث استقرّوا في سان دييغو بكاليفورنيا.
لم تكن الرحلة سهلة. تقول إنها حين وصلت أمريكا كانت بالكاد تتكلّم الإنجليزية، فلم تفكّر حتى في المهنة التي ستختارها. والدها، الذي درس الهندسة الميكانيكية في العراق، عمل فنّاناً في أمريكا. لكنّ ديانا رأت في الهندسة باباً لمستقبلٍ أوسع. أحبّت الرياضيات والفيزياء، «لأنه لا توجد طريقة واحدة لحلّ المسألة»، كما تقول. درست في كلية كوياماكا، ثم نالت بكالوريوس الهندسة الكيميائية من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو عام ٢٠١٧.
من ناسا إلى Blue Origin: رحلة في عالم الصواريخ
خلال دراستها الجامعية، شاركت السندي في فريقٍ طلابي صمّم — بالتعاون مع مركز مارشال للطيران الفضائي التابع لناسا — أوّل محرّك صاروخي مطبوع ثلاثي الأبعاد في تاريخ المنظمات الجامعية. بعد تخرّجها، عملت في عددٍ من شركات الفضاء الكبرى: نورثروب غرومان، وSpace Micro، ثم في Virgin Orbit مهندسةَ تطوير دفعٍ على صاروخ «لونشر وان» (الشركة التي أعلنت إفلاسها لاحقاً عام ٢٠٢٣)، فبوينغ.
وفي مارس ٢٠٢٢، انتقلت السندي إلى شركة Blue Origin المملوكة لجيف بيزوس، لتعمل مهندسةَ أنظمة سوائل على صاروخ New Glenn العملاق. وخلال سنواتٍ قليلة، تدرّجت لتصبح مديرةً أولى تقود فريقاً كاملاً من المهندسين يعملون على المرحلة العليا من الصاروخ. تصف نفسها بأنها «خبيرة نظام السوائل»، وتقول إنّ New Glenn «إنجازٌ ضخم للبشرية»، وإنّ المركبة التي يعمل عليها فريقها ستُسهم في برنامج العودة إلى القمر.
“الأمر ليس رياضيات، ولا علماً، ولا مدى لطفك. إنه القدرة على التواصل والعمل ضمن فريق — هذه أهمّ مهارة لمهندسٍ مثلي.”
الراصدة العربية: حين فشل بحثٌ بالعربية
في لحظةٍ غيّرت مسارها، كتبت السندي ذات يومٍ سؤالاً بسيطاً بالعربية في محرّك بحث غوغل: «لماذا لا تسقط الأقمار الاصطناعية من السماء؟». لم تُرجِع النتيجة أيّ إجابة. لكن حين كتبت السؤال نفسه بالإنجليزية، غمرتها مئات الصفحات والمقالات والرسوم التوضيحية. صدمها التناقض، فقرّرت أن تفعل شيئاً.
“العرب كانوا روّاداً في الرياضيات والفلك والخطّ… وكثيرٌ من التقنيات التي نستخدمها اليوم اكتشفها علماء عرب. إن كنّا نريد أن ننهض، فكيف نتوقّع من الناس أن يتعلّموا إن لم نخاطبهم بلغتهم؟”
أطلقت السندي عام ٢٠١٨ منصّة «الراصدة العربية» (The Arabian Stargazer)، وهي منصّةٌ تعليمية ثنائية اللغة تنشر محتوى عن الهندسة والفضاء بالعربية والإنجليزية، وتتابعها اليوم مئات الآلاف. تقدّم فصولاً افتراضية لمدارس لا تملك موارد لتعليم الهندسة، وتشرح العلوم بالفكاهة والوسائل البسيطة. وتقول إنّ رسالتها أن «تطبّع» فكرة المرأة — والعراقية تحديداً — التي تبني الصواريخ، لتصبح مهنةً عادية كأيّ مهنةٍ أخرى.
وقد آتت جهودها ثمارها: تروي أنّ فتاةً من مصر راسلتها قائلةً إنها معجبة بها وتريد أن تعمل في هذا المجال، ثم عادت بعد عامٍ لتخبرها أنها تكتب إليها من سكن جامعة ستانفورد، وأنها ما كانت لتتقدّم لستانفورد لولا منصّة ديانا. هكذا، تحوّلت «الراصدة العربية» من حسابٍ بسيط إلى جسرٍ يعبر به الشباب العربي نحو أحلامهم.
خاتمة: من خوف الصواريخ إلى صناعتها
قصّة ديانا السندي ليست قصة نجاحٍ فردي، بل قصة تحويل الجرح إلى رسالة. فتاةٌ نشأت في بغداد حيث كانت كلمة «صاروخ» تعني الحرب، صارت تبني الصواريخ التي تحمل البشر إلى القمر. لاجئةٌ وصلت أمريكا لا تكاد تتكلّم الإنجليزية، صارت مديرةً تقود فريقاً من المهندسين في إحدى أكبر شركات الفضاء في العالم. لم تكتفِ بأن تنجح، بل حملت معها كل فتاةٍ عربية تحلم بالنجوم، وفتحت لها باباً بلغتها هي.
تصف نفسها ببساطةٍ في حسابها: «لاجئة عراقية تبني وترسل أشياء إلى الفضاء… أريد أن أجعل العلم متاحاً للجميع». وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق في حكايتها: أنّ المسافة بين ورشة الجدّ الصغيرة في بغداد ومصنع الصواريخ في فلوريدا ليست مستحيلة، وأنّ الميزوبوتاميين — أهل العراق القديم — كانوا روّاد الفلك والرياضيات، وأنّ من حقّ أحفادهم أن يعودوا إلى النجوم التي رصدها أجدادهم قبل آلاف السنين.
أبرز المصادر
- The National (يونيو ٢٠٢١) — «الراصدة العربية: تعرّفوا على ديانا السندي التي تعلّم الشباب الفضاء بالعربية».
- Chaldean News (أكتوبر ٢٠٢٤) — «السماء ليست الحدّ»: حوار مطوّل عن عملها في Blue Origin ومنصب الإدارة.
- Field Ready (ديسمبر ٢٠٢٠) — «الانطلاق نحو المستقبل من العراق»: نشأتها ومسيرتها.
- حسابها الرسمي «الراصدة العربية» (@thearabianstargazer) على إنستغرام، وحوار TEDx عن أثر اللغة في العلم.
- SyriacPress وTime News (٢٠٢٢) — انتقالها إلى Blue Origin وتعليقها على صور تلسكوب جيمس ويب.



