تتسبب الحروب والنزاعات المسلحة في أضرار بيئية جسيمة، تتجاوز في كثير من الأحيان نطاقها المحلي لتأخذ طابعاً إقليمياً، وتترك خلفها آثاراً صحية وبيئية حادة وطويلة الأمد.
ولا تقتصر آثار الحروب على الدمار المادي والخسائر البشرية فحسب، بل يمتد أثرها في صميم النظم البيئية بجميع مستوياتها، من تدمير الموائل الطبيعية، وتجريف التربة الزراعية، إلى تلويث الهواء والمياه وانتشار المواد السامة على نطاق واسع، وتشكّل تهديدات خطيرة على صحة المدنيين.
وتشمل مسارات الضرر البيئي المباشر المخاطر الناتجة عن استهداف المواقع الصناعية، ومخلفات الأسلحة والذخائر الخطرة، والنزوح البشري، وتضرر البنى التحتية للمياه والصرف الصحي، والتدمير المتعمد للموارد الطبيعية.
وتعاني معظم الدول العربية الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حالة من الجفاف وهشاشة المناخ، تتجلى مظاهرها بتفاقم ندرة المياه وموجات الحر الشديدة، وتسارع وتيرة التصحر، ما يجعل كلّ هجوم عسكري بمثابة شرارة كارثة بيئية جديدة.
التدمير البيئي المباشر
تُشكل الذخائر والمتفجرات ووقود الصواريخ مخاطر حادة وطويلة الأمد على النظم البيئية، سواء أثناء النزاعات أو في فترة ما بعد النزاع، وتتراوح هذه المخاطر بين التعرض للمعادن الثقيلة السامة وأحياناً المشعة، المرتبطة بالذخائر والمخلفات العسكرية، ومواقع تخزين الذخيرة التي قد تتسرب منها النفايات الخطرة، ولا سيما الوقود السام الناتج عن سوء تخزين الذخائر.
وتُؤدي الانفجارات إلى انتشار المعادن والملوثات الأخرى التي قد تُلحق الضرر بصحة الإنسان، وتنتج مخلفات الحروب مزيجاً خطيراً من المعادن الثقيلة التي تتسرب للتربة والمياه الجوفية، وتبقى نشطة كيميائياً لعقود، ومن أبرز هذه المعادن الرصاص الذي يؤدي لتسمم التربة ويسبب أضراراً عصبية حادة للإنسان وخاصة الأطفال، والزئبق وهو معدن شديد السمية ينتقل عبر السلسلة الغذائية، واليورانيوم المنضب المستخدم بكثافة في القذائف المخترقة للدروع ويسبب تشوهات خلقية وأمراضاً سرطانية.
كما يلوث الكادميوم الناتج عن تآكل الأسلحة والمعدات العسكرية المحطمة المحاصيل الزراعية ويسبب فشلاً كلوياً عند استهلاكه لفترات طويلة.
وتكمن خطورة هذه المعادن في أنها غير قابلة للتحلل، بل تتراكم في الأنسجة الحية وتنتقل من المحاصيل والحيوانات إلى الإنسان.
كما يُمكن أن تُؤدي الضربات على المنشآت العسكرية إلى إطلاق مواد خطرة إضافية كالملوثات الكيميائية الأبدية (PFAS)، ومن المُرجّح أن تُؤدي الحرائق الناجمة عن الضربات الجوية إلى تفاقم تلوث الهواء في المدن التي تُعاني أصلاً من هذه المشكلة.
ويحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن الضربات على محطات الطاقة ومنشآت النفط يمكن أن تطلق الهيدروكربونات والملوثات في البيئة، كما قد تتسرب الملوثات الناتجة عن الحرائق غير المنضبطة إلى التربة والمياه، وتصل إلى المياه الجوفية، وتمتصها المحاصيل، وبالتالي تلوث الإمدادات الغذائية، عدا عن حوادث التسرب النفطي في المناطق البحرية وتأثيرها السلبي على صحة المجتمعات الساحلية.
التأثير على الموارد الطبيعية
تترك الحروب أثاراً كارثية ومستديمة على البيئة، وغالباً ما تتجاوز أضرارها الحدود الجغرافية والزمنية للنزاع نفسه، ويمكن أن تؤدي النزاعات المسلحة أيضاً إلى تدمير نظم بيئية بأكملها على نطاق أوسع، من خلال آليات مثل التصحر وإزالة الغابات.
تؤدي الانفجارات والألغام إلى تآكل التربة وتلوثها بالمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة، وتجعلها غير صالحة للزراعة لعقود، ما يهدد الأمن الغذائي في المجتمعات الضعيفة، كما تتعرض مصادر المياه كالأنهار والمياه الجوفية للتلوث نتيجة تدمير محطات الصرف الصحي، أو تسرب الوقود والمواد الكيميائية من الأسلحة والمصانع المستهدفة.
تؤدي النزاعات المسلحة أيضاً إلى تدهور الغطاء النباتي، إذ يتم قطع الغابات أو حرقها إما كإجراء تكتيكي عسكري لإقامة معسكرات تدريب أو فتح طرق عبور للآليات العسكرية، أو نتيجة للاستخدام المفرط للحطب من قبل السكان كمصدر للطاقة.
كما تؤدي الأعمال القتالية المستمرة إلى القضاء على أشكال الحياة البرية نتيجة تدمير الموائل الطبيعية، وتزايد عمليات الصيد الجائر الناتج عن انعدام الأمن الغذائي وغياب الرقابة، ما يؤدي إلى تراجع أعداد الحيوانات وانقراض بعض الأنواع المحلية.
تترك الحروب خلفها أيضاً كميات ضخمة من الحطام والخرسانة الملوثة والمعدات العسكرية المحطمة التي يصعب التخلص منها بشكل آمن، وقد وصف خبراء البيئة التابعون للأمم المتحدة الوضع في قطاع غزة بأنه “كارثة بيئية غير مسبوقة” نتيجة كثافة القصف والحصار، إذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض، يحتوي الكثير منها على مادة الأسبستوس السامة، والمواد الكيميائية الصناعية، وبقايا الذخائر غير المنفجرة.
وتشير البيانات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومركز UNOSAT التابعين للأمم المتحدة، إلى تفاقم دمار الأراضي الصالحة للزراعة في قطاع غزة، إذ وصلت نسبة الأراضي الزراعية المتضررة هناك إلى 87%، إضافة إلى القضاء على نسبة هائلة من الثروة الحيوانية، حيث قُدرت خسائر الدواجن بنسبة 99%، ونفوق أكثر من 95% من الماشية.
كما أدت الحرب السورية الطويلة إلى تغييرات جذرية في الموارد الطبيعية، إذ فقدت سوريا مساحات شاسعة من غطائها النباتي بسبب حرائق الغابات الناتجة عن القصف ومخلفات الحرب، أو القطع العشوائي للأشجار، وتسبب استهداف المنشآت النفطية والتكرير البديل “الحراقات” في تلوث واسع للتربة والمياه الجوفية بالمواد الهيدروكربونية، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية، وأضعفت الحرب قدرة البلاد على مواجهة أزمة المناخ، وتفاقم مشكلات الجفاف وندرة المياه.
موارد المياه الهدف الرئيسي
غالباً ما تكون أنظمة المياه هدفاً رئيسياً أو ضحايا جانبية في الحروب والنزاعات المسلحة.
ففي اليمن أفادت تقارير البنك الدولي أن الهجمات والإهمال قد تركا نحو 18 مليون شخص بدون مياه شرب آمنة، وقد أدى قصف المضخات والآبار ونقص الوقود للمولدات إلى تفشي الكوليرا والمجاعة.
وبالمثل تضررت سدود سوريا وشبكات الري فيها حيث أصبحت المياه سلاحاً أو ضحية للأعمال العسكرية، التي تسببت بتدمير المضخات على طول نهري دجلة والفرات.
يوضح الخبير الدولي في البيئة والمياه و رئيس اللجنة اللبنانية للبيئة والتنمية المستدامة، الدكتور جلال حلواني، في حديث لمجلة “نقطة” العلمية الدور الذي تؤديه الحروب والصراعات المسلحة في تدمير موارد المياه الآمنة للشرب والزراعة عبر استهداف البنية التحتية، وتلويث المصادر الطبيعية، وحرمان المجتمعات من الوصول إلى مياه نظيفة، مما ينعكس مباشرة على صحة الإنسان بانتشار الأمراض المنقولة بالماء، وتتسبب المياه الملوثة بأمراض خطيرة تصيب الإنسان مثل الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد، ومشاكل صحية في الكلى والكبد نتيجة التعرض للمعادن الثقيلة، خصوصاً لدى الفئات الهشة كالأطفال والحوامل وكبار السن.
ويشير الدكتور حلواني إلى الأثر الكبير الذي تتركه الحروب على الأمن الغذائي بسبب انخفاض الإنتاج الزراعي حيث إن استخدام مياه ملوثة في الري يؤدي إلى تلوث المحاصيل وفقدان الإنتاجية، كما أن تراكم السموم في الغذاء بسبب استعمال المبيدات وتسرب المواد الكيميائية إلى النباتات والماشية، يهدد سلامة الغذاء.
ومع وجود أكثر من 400 محطة لتحلية المياه على سواحل الخليج العربي الممتدة من الإمارات العربية المتحدة إلى الكويت، والتي توفر المياه لواحدة من أكثر المناطق ندرة في المياه في العالم، يحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن الضربات على محطات تحلية المياه قد يكون لها آثار كارثية على ملايين الأشخاص الذين يعتمدون عليها، حيث تستمد الكويت نحو 90% من مياه الشرب من محطات تحلية المياه، بينما تبلغ هذه النسبة 86% في سلطنة عُمان، و70% في المملكة العربية السعودية، و42% في الإمارات العربية المتحدة.
النزوح وضغط الموارد
ترهق موجات النزوح القسري والهجرة الناجمة عن النزاعات المسلحة النظم البيئية المحلية، وتؤدي إلى تضخم المجتمعات المضيفة في المناطق الحضرية والريفية.
وتزيد هذه الأوضاع من توليد النفايات وتلوث الهواء وزيادة الطلب على الموارد مثل المياه والوقود والأراضي الصالحة للزراعة.
على سبيل المثال شهد الأردن الذي يعاني أصلاً من شح المياه ضغطاً على موارده المائية نتيجة لتدفق أكثر من 600 ألف لاجئ سوري، وتشير الدراسات إلى أن النزوح السوري تزامن مع انخفاض بنسبة 47% في الأراضي الزراعية المروية في جنوب سوريا، حيث هجر الناس الحقول وأسيئت إدارة الخزانات المائية.
كما يلجأ السكان في أماكن النزوح إلى الاحتطاب الجائر وقطع الغابات والأشجار لتأمين التدفئة والطهي في ظل غياب الوقود، كما حدث في الغابات الساحلية في سوريا، وتدمير التربة بتحويل الأراضي الزراعية الخصبة إلى مخيمات عشوائية أو مناطق سكنية غير منظمة، مما يقتل خصوبة التربة ويحولها إلى مناطق غبارية تزيد من العواصف الترابية.
وفي المناطق الحضرية ومع زيادة تدفق المجموعات النازحة بسبب الحروب والصراعات العسكرية، تنهار الأنظمة البيئية الحضرية وتعجز البلديات عن استيعاب كميات النفايات الصلبة التي تضاعفت فجأة، مما يؤدي إلى تراكمها وحرقها عشوائياً، وهذا يلوث الهواء بمعادن ثقيلة وغازات دفيئة.
كما قد يترك النزوح آثاراً اجتماعية وقد يفجر صراعات محلية جديدة مع المجتمعات المضيفة وتزيد من وتيرة التدهور البيئي.
الحروب وتغير المناخ
تفاقم النزاعات المسلحة الضغوط المناخية، بسبب البصمة الكربونية الهائلة للجيوش، التي تعد من أكبر مستهلكي الوقود الأحفوري في العالم، ومع ذلك غالباً ما تُستثنى انبعاثاتها من الاتفاقيات الدولية.
يوضح الدكتور جلال حلواني الأثر الكبير للحروب والصراعات المسلحة في زيادة الانبعاثات المسببة لتغير المناخ عبر تدمير البنية التحتية للطاقة وخاصة استهداف المنشآت النفطية، وتعطيل مشاريع الطاقة النظيفة، مما يفرض اعتماداً أكبر على الوقود الأحفوري ويضاعف الأثر البيئي والإنساني.
كما تستهلك العمليات العسكرية نفسها كميات هائلة من الوقود الأحفوري، مما يزيد الانبعاثات بشكل مباشر، إضافة إلى التسبب بحدوث تسريبات نفطية وغازية نتيجة تدمير الأنابيب أو محطات التخزين، الأمر الذي يتسبب بتلوث طويل الأمد للتربة والمياه ويزيد من انبعاث غاز الميثان، والذي يضاهي غاز ثاني أكسيد الكربون في تأثيراته المناخية.
وبحسب تقرير التقييم العالمي للانبعاثات العسكرية، الصادر عن الأمم المتحدة، تعدّ الجيوش العالمية مسؤولة عن 5.5% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، ولا يشمل هذا التقييم الانبعاثات الناتجة عن الحروب نفسها، فيما تستهلك وزارة الدفاع الأميركية أكثر من 100 مليون برميل من النفط سنوياً، ما يجعلها أكبر مستهلك للنفط، وواحدة من أكبر الجهات المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم.
ولا تقتصر البصمة الكربونية للجيوش على الاستهلاك المباشر للوقود الأحفوري وإطلاق الانبعاثات الغازية، إذ تدمر الحروب “مصارف الكربون” باستهدافها الغابات وحرق المساحات الخضراء، كما تستخدم القوات العسكرية مساحات كبيرة من الأرض والبحر، والتي غالباً ما تكون مناطق ذات أهمية بيئية، يؤدي استخدامها لأغراض قتالية إلى انبعاثات وفقدان للموائل البرية والبحرية، إضافة إلى التلوث الكيميائي والضوضاء.
تقويض جهود التكيف والمواجهة
لا تتوقف الآثار البيئية للحروب والصراعات بتوقفها، إذ غالباً ما تعيق الحروب جهود العمل المناخي وتقوض جهود التكيف والمواجهة مع آثار تغير المناخ لسنوات أو عقود قادمة، كما تحوّل النزاعات المسلحة الميزانيات المخصصة للطاقة المتجددة إلى جهود إعادة إعمار ما بعد الحرب، وتُنفق الدول المليارات على ميزانيات الدفاع بدلاً من الاستثمار في الطاقة المتجددة أو تقنيات التكيف المناخي.
وبحسب الخبير البيئي الدكتور جلال حلواني فإن تعطيل مشاريع الطاقة النظيفة في مناطق النزاع، وخاصة مشاريع الطاقة الشمسية أو الرياح بسبب انعدام الأمن أو تدمير البنية التحتية، يعيد الاعتماد على الوقود الأحفوري مع توقف إمدادات الكهرباء النظيفة، وتبدأ المجتمعات بالاعتماد على مولدات الديزل، ما يرفع الانبعاثات بشكل كبير، كما تستهلك عمليات إعادة البناء نفسها كميات ضخمة من الإسمنت والحديد، وهما من أكثر الصناعات المسببة لانبعاثات الكربون.
ويشير الخبير إلى تراجع القوانين البيئية أمام قوانين الطوارئ العسكرية في الدول الأطراف في النزاعات المسلحة، ما يضعف الرقابة على الانبعاثات والتلوث، كما أن المجتمعات المتضررة من الحرب تركز على أساسيات البقاء اليومي، على حساب السياسات البيئية طويلة الأمد
تؤدي النزاعات المسلحة إلى انهيار الأنظمة الحكومية والمؤسسات البحثية المسؤولة عن رصد المناخ، وحماية التنوع البيئي، وإدارة الموارد المائية، مما يترك المجتمع بلا “دفاعات” أمام الكوارث الطبيعية، كما تعيق الحروب التعاون الدولي والتنسيق الأممي في مجال العمل المناخي وتخلق قطيعة ديبلوماسية تمنع تبادل البيانات والحلول البيئية بين الدول المتجاورة.
في هذا السياق، تتحول البيئة إلى “ضحية صامتة” للنزاعات، وتزداد المشكلة تعقيداً في الدول الهشة بسبب ضعف المؤسسات، وبدل أن يكون التعافي فرصة لإعادة البناء بشكل مستدام، يتم تجاهل البعد البيئي لصالح أولويات قصيرة الأمد، ما يرسّخ أنماطاً غير مستدامة من التنمية.
أخيراً نشير إلى أن العلاقة بين النزاع والبيئة ليست أحادية الاتجاه، بل هي علاقة دائرية، إذ يمكن أن يسهم تدهور الموارد الطبيعية في تأجيج التوترات والصراعات، بينما تؤدي النزاعات بدورها إلى مزيد من التدهور البيئي، لهذا، يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة في الدول المتأثرة بالنزاعات يظل غير ممكن ما لم تتم معالجة آثار الحرب على البيئة بشكل مباشر ومتكامل.
بناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى التعافي البيئي كمسألة ثانوية، بل كشرط أساسي لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار، فالتنمية المستدامة في هذه السياقات تبدأ بإزالة آثار التلوث، واستعادة النظم البيئية، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بشكل عادل ومستدام.



