بعد الهجوم على ناقلة نفط في دبي سيناريوهات كارثية يتسبب بها التلوث النفطي

زاهر هاشم
صورة لاحتراق سفينة نفط في الخليج

تعرضت ناقلة النفط الكويتية “السالمي” لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية في ميناء دبي، يوم الثلاثاء 31 مارس مما أدى إلى أضرار مادية وحريق دون إصابات بشرية أو حدوث تسرب نفطي.

وتمكنت فرق الإطفاء البحري من السيطرة على الحريق وتأمين سلامة طاقم الناقلة، ويأتي الحادث في سياق تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويشكّل استهداف ناقلة نفط محمّلة في بيئة بحرية حساسة مثل الخليج العربي حدثاً عالي الخطورة من منظور بيئي، فحتى في حال عدم وقوع تسرّب مباشر، فإن طبيعة الشحنات النفطية وحساسية النظم البيئية البحرية تجعل من هذه الحوادث مؤشراً على احتمالية حدوث كوارث بيئية واسعة النطاق.

ورغم احتواء الأضرار الأولية دون تسجيل تسرّب نفطي مؤكد حتى الآن، إلا أن حجم الحمولة وطبيعة الضرر في هيكل السفينة يضعان المنطقة أمام سيناريوهات بيئية معقّدة.

أولاً- الخصائص البيئية للخليج العربي

يُصنّف الخليج العربي كأحد أكثر النظم البحرية هشاشة على مستوى العالم، ليس فقط بسبب طبيعته الجغرافية، بل نتيجة تفاعل معقّد بين العوامل الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، هذه الخصائص تجعل أي اضطراب – وخاصة التلوث النفطي- يتحوّل بسرعة إلى أزمة بيئية ممتدة.

1– محدودية التجدد المائي

يعدّ الخليج العربي نظاماً شبه مغلق حيث يرتبط بالمحيط الهندي عبر ممر ضيق هو مضيق هرمز، وهو المنفذ الوحيد لتبادل المياه.

وتشير التقديرات إلى أن زمن تجدد المياه في الخليج يتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، وهو زمن طويل نسبياً، ويعود هذا البطء إلى محدودية تدفق المياه العذبة من الأنهار الرئيسية (دجلة والفرات وكارون)، وانخفاض التبادل المائي المباشر مع المحيط الهندي عبر مضيق هرمز، ما قد يبقى أي نوع من الملوثات مثل النفط محصوراً لسنوات داخل هذا النظام قبل أن يُستبدل بالكامل، وبالتالي تراكم الملوثات بدلاً من تشتتها، وزيادة شدة وتأثير التلوث مقارنة بالبحار المفتوحة.

2معدلات تبخر مرتفعة وملوحة استثنائية

يتميّز الخليج العربي بمناخ حار وجاف يؤدي إلى معدلات تبخر سنوية تعد من الأعلى عالمياً، وفقدان الحرارة السطحي الكبير وانخفاض معدل هطول الأمطار، وتتسبب هذه العوامل في تكوين مياه عالية الملوحة، حيث تتجاوز نسبة الملوحة أكثر من 40 جزءاً بالألف في معظم أنحاء الخليج، وقد تصل إلى حدود 50 في بعض المناطق المحدودة (مقارنة بنحو 35  في المحيطات)

تؤدي الملوحة العالية إلى إجهاد فسيولوجي للكائنات البحرية، وتقليل قدرة الأنواع على مقاومة الملوثات، وزيادة سمّية بعض المركبات النفطية في المياه المالحة، ويعني هذا أن الكائنات في الخليج تعيش أصلاً على حافة التحمّل البيئي، ما يجعلها أكثر عرضة للانهيار عند حدوث أي تلوث.

3ضحالة المياه وديناميكيات الترسيب

يبلغ متوسط عمق المياه في الخليج حوالي 40 متراً فقط، ولا يتجاوز 120 متراً قرب مضيق هرمز، وهذا يؤدي إلى سهولة وصول الملوثات إلى القاع، وزيادة سرعة التفاعلات بين الماء والرواسب، إضافة إلى تراكم النفط الثقيل في القاع البحري، وتتحول هذه الرواسب على المدى الطويل إلى مستودعات تلوث تطلق السموم التي تفتك بالحياة البحرية بشكل تدريجي بمرور الوقت، عدا عن صعوبة إزالة التلوث حتى بعد تنظيف السطح.

4– حساسية النظم البيئية الساحلية

يحتوي الخليج على أنظمة بيئية دقيقة تشمل الشعاب المرجانية المتكيفة مع درجات حرارة وملوحة مرتفعة، لكنها قريبة من الحد الأقصى لتحمّلها، ويؤدي تسريب النفط إلى تقليل كميات الضوء تحت سطح الماء ويؤثر على عملية التمثيل الضوئي، كما تلعب الأعشاب البحرية دوراً في تثبيت الرواسب، وتعد موائل حضانة ليرقات الأسماك، والتي تتأثر بسرعة بالترسبات النفطية.

كما تلعب غابات المانغروف دور الحاجز الطبيعي ضد تآكل السواحل، وتمتص الكربون وتدعم التنوع الإحيائي، لذا فإن أي ضرر فيها يؤدي إلى تأثيرات بيئية متسلسلة.

5انخفاض القدرة الطبيعية على التعافي

تساعد الأمواج والتيارات القوية في البيئات البحرية المفتوحة على تفكيك النفط، أما في الخليج شبه المغلق فإن ضعف الطاقة الهيدروديناميكية، وارتفاع درجات الحرارة، ونقص الأكسجين في بعض المناطق، كلها عوامل تؤدي إلى بطء التحلل البيولوجي للنفط، واستقرار الملوثات لفترات طويلة، وقد يستغرق التعافي عقوداً في بعض الحالات.

6– ضغط بشري مكثّف يفاقم الهشاشة

إضافة إلى العوامل الطبيعية، يواجه الخليج العربي كثافة عالية في حركة ناقلات النفط، إضافة إلى وجود منشآت نفطية وصناعية ساحلية، وتصريفات حرارية وملحية من محطات التحلية، وهو ما يخلق إجهاداً أساسياً يقلل قدرة النظام البيئي على امتصاص أي صدمة جديدة.

وبالتالي، فإن أي تسرّب نفطي حتى لو كان محدوداً، يمكن أن يتضخم تأثيره بسرعة، ويستمر لفترات طويلة، ويتجاوز الحدود الجغرافية ليصبح أزمة إقليمية.

ثانياً سيناريو الأثر البيئي

عند حدوث تسرّب نفطي في بيئة بحرية مثل الخليج العربي، لا يبقى النفط ثابتاً، بل يدخل مباشرة في سلسلة من العمليات المعقّدة تُعرف علمياً باسم عمليات التجوية النفطية (Oil Weathering Processes)، وهي التي تحدد سرعة انتشاره، سميّته، ومآله البيئي.

تبدأ المرحلة الأولى الانتشار السطحي السريع (Spreading Phase) خلال الدقائق والساعات الأولى، حيث ينتشر النفط على سطح الماء مكوّناً غشاءً رقيقاً (Oil Slick)، وتحكم هذه العملية قوى فيزيائية رئيسية هي الجاذبية التي تدفع النفط للانتشار أفقياً، وقوة التوتر السطحي التي تحدد شكل البقعة، واللزوجة التي تؤثر على سرعة الانتشار.

يمكن أن تنتشر البقعة إلى عدة كيلومترات مربعة خلال ساعات قليلة فقط، وتنتشر أنواع النفط الخفيف أسرع من الثقيل الذي تبقى أكثر تماسكاً.

كما تلعب الرياح دوراً حاسماً في توجيه البقعة النفطية، التي تتحرك عادة بسرعة تعادل تقريباً 3  إلى 4% من سرعة الرياح، أي أن رياحاً بسرعة 20 كم/ساعة يمكن أن تدفع النفط بسرعة 600 إلى 800 متراً في الساعة.

وإلى جانب الرياح، تتحكم التيارات البحرية في نقل النفط لمسافات طويلة المدى، وتساهم في توزيع التلوث بين مناطق مختلفة، ورغم كون التيارات بطيئة نسبياً في الخليج لكنها مستمرة وتؤدي إلى تراكم تدريجي، وهذا يعني أن النفط لا يختفي، بل يُعاد توزيعه داخل النظام البحري.

يتبخر النفط ويفقد خلال اليوم الأول والثاني من التسريب معظم مكوناته الخفيفة، إذ يتبخر ما بين 20% إلى 50% من النفط بحسب نوعه، ورغم أن التبخر يؤدي إلى تقليل حجم البقعة، لكنه يزيد من لزوجة الجزء المتبقي ويصعّب إزالته، عدا عن تسببه بتلوث الهواء بمركبات عضوية متطايرة.

ثالثاً- الأثر البيئي

1– الأمن الغذائي

يترك التلوث النفطي تأثيرات كبيرة على السلسلة الغذائية، إذ يحتوي النفط على مركبات سامة مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وتؤثر هذه المركبات على العوالق النباتية، وتؤدي إلى انخفاض الإنتاج الأولي، كما تؤثر على العوالق الحيوانية وتعطّل نمو اليرقات، وتتسبب أيضاً بتشوهات ومعدلات نفوق مرتفعة بين الأسماك، وانهيار تدريجي في السلسلة الغذائية البحرية.

2– الحياة البحرية

يؤدي التلوث النفطي إلى ابيضاض الشعاب المرجانية وموت الأعشاب البحرية بسبب تعطل عمليات التركيب الضوئي، وتعد هذه النظم البحرية مناطق حضانة رئيسية للكائنات البحرية.

يضاف إلى ذلك تأثير التلوث السام والمباشر على الطيور والثدييات البحرية، والتسبب بفقدان العزل الحراري للطيور، والتسمم عند الابتلاع، وتهيّج الجهاز التنفسي، وبالتالي نفوقاً جماعياً محتملاً، واضطراباً في الهجرة والتكاثر.

يلوث النفط السواحل عند وصوله إلى اليابسة، ويلتصق بالرمال والصخور، ويتغلغل في الرواسب، ويؤدي بالتالي إلى تدمير المواطن البيئية الساحلية، والتسبب بتأثيرات قد تستمر لعقود.

3– الأمن المائي

تعتمد دول الخليج بشكل كبير على تحلية مياه البحر تصل في بعضها إلى 90 %  من مياه الشرب، مع وجود أكثر من 400 محطة لتحلية المياه على سواحل الخليج العربي الممتدة من الإمارات العربية المتحدة إلى الكويت، وقد يتسبب التلوث بغلق محطات التحلية مؤقتاً، أو تضرر أنظمتها، ما يسبب ضغطاً على إمدادات المياه، ومخاطر صحية إذا لم تتم المعالجة بشكل كافٍ.

4– تلوث الهواء

قد يتسبب التسرب النفطي في نشوب حرائق وانبعاث غازات مثل ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) وأكاسيد النيتروجين (NOx) والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، والتي تتسبب بتدهور جودة الهواء، وزيادة الأمراض التنفسية.

5– آثار طويلة الأمد

تبقى المركبات الثقيلة في الرواسب حتى بعد إزالة النفط، وتدخل في السلسلة الغذائية، وتؤدي إلى انخفاض التنوع البيولوجي، وتراجع المصائد السمكية، إضافة إلى تأثيرات مزمنة على صحة الإنسان.


شارك المقالة