تصدر الطيور المغردة إلى جانب الألحان العذبة التي تصنع منها الأغاني، طيفاً واسعاً من الأصوات التي تستخدمها كنوع من النداءات، وفي حين أن النغمات المعقدة والتي تشكّل نداءً معيناً تتعلمها الطيور في أعمار صغيرة، إلا أن النداءات البسيطة عادةً ما تكون فطرية، حيث استطاع الباحثون في معهد ماكس بلانك في سويسن مؤخراً اكتشاف أن مركز نظام التحكم بالأغاني وتعلمها في دماغ عصافير الزيبرا، يكون نشطاً أثناء إجراء نداءات التواصل البسيطة، ويعد اكتشاف هذه العلاقة بين النداءات الفطرية ومنطقة الدماغ المسؤولة عن تعلم الجمل اللحنية، اكتشافاً مهماً جداً لفهم تطور آلية تعلم الأغاني عند الطيور المغردة.
ما يقارب نصف أنواع الطيور هي طيور مغردة، وهي الحيوانات الوحيدة التي تمتلك القدرة على تعلم الأنماط الصوتية المعقدة التي يتم تسميتها عادةً بأنها أغاني، وكانت العديد من الدراسات قد بينت سابقاً أن تغريد الطيور يهدف إما لاختيار الشريك أو للدفاع عن منطقتها، وتشير الدراسات أن الذكور فقط هي عادةً من يطلق التغريدات ، ولكن بشكل عام فإن جميع الطيور – ذكوراً كانوا أم إناثاً – يمتلكون في أدمغتهم نمط النداءات، ولا تشذ عصافير الزيبرا عن هذه القاعدة، حيث أن أنثى الزيبرا لا تغرد بالعادة، وبغض النظر عن بعض الاستثناءات القليلة، فإن الطيور ليست بحاجة لأن تتعلم النداءات الأساسية والبسيطة، فهي فطرية وعادةً ما يتم استخدامها لأغراض التواصل، مثل نداءات التنبيه أو نداءات الاتصال.
تعتبر الأغاني التي تصدرها الطيور المغردة ذات أهمية كبيرة لدى بيولوجيي الأعصاب، كون هذه الأغاني يتم التحكم بها من خلال شبكة نوى في الدماغ الأمامي، لذا فإن علماء الأعصاب يهتمون بدراسة هذه الشبكة للتحقيق من القواعد العامة التي تحدد كيفية تحكم الدماغ بالسلوك، لذلك وباستخدام أساليب مصممة خصيصاً لتسجيل أغاني الطيور ونشاطها الدماغي، استطاع فريق الباحثين التابع لمعهد ماكس بلانك لعلم الطيور في سويسن، إيجاد الأساس العصبي الذي يتحكم بنداءات التواصل الفطرية، وذلك من خلال استعانتهم بميكروفون ارسال مطور خفيف للغاية، قاموا بتعليقه باستخدام أربطة مطاطية على ظهر أزواج طيور الزيبرا مثل حقيبة ظهر، وبتوصيل نظام تسجيل لاسلكي للذكور لقياس مقدار النشاط الدماغي لديهم.
بفضل تكنولوجيا القياس عن بعد المصغرة، كان بمقدور الحيوانات أن تتحرك بحرية في مجموعات في أقفاصها الكبيرة، بحيث كان العلماء قادرين على تسجيل كامل الدور السلوكي للحيوانات بشكل مستمر، ،وركز الباحثون في تجربتهم على ما يسمى بالنداءات “الـمُجَمَّعَة”، حيث اكتشفوا أن هذه النداءات تهدف أساساً لتعزيز التلاحم بين الذكور والإناث المرتبطين، والمثير للاهتمام في هذا الموضوع، أن النداءات التي تصدر عن الشريك لا يمكن اعتبارها رداً إلا إذا صدرت خلال ثانيتين من النداء الأساسي، علماً أن جميع أزواج طيور الزيبرا من دون استثناء كانوا يتبادلون النداءات مع بعضهم البعض، وهذا الأمر يؤكد أهمية هذه النداءات ” الـمُجَمَّعَة” في التواصل الاجتماعي ما بين هذه الطيور.
عندما قام الباحثون بتحليل النشاط في المنطقة الدماغية التي تعتبر مهمة لإنتاج الأغاني -منطقة تعرف باسم النواة RA – وجدوا علاقة واضحة بين النشاط في الدماغ، وبين إطلاق النداءات “الـمُجَمَّعَة”، وتعتبر الصلة ما بين النداءات الفطرية ونشاط منطقة RA الدماغية، مهمة جداً لتعلم الأنماط الصوتية، كون دور المنطقة الدماغية المسؤولة عن الأغاني يتغير خلال فترة تطور الطيور، حيث تبدأ هذه المنطقة كمركز للأنماط الصوتية البسيطة للنداءات الفطرية، وتتحول لتصبح شبكة عصبية متخصصة بالأغاني التي تم تعلمها.



