كيمياء الأفعال الخفية: أفعالك تعرفك أكثر مما تعرف نفسك

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في الكيمياء الفكرية، لا يُقرأ الإنسان من خلال ما يقوله عن نفسه، بل من خلال ما تنتجه أفعاله، وما تتركه تفاعلاته في الآخرين، وما يتراكم في داخله وخارجه من آثار قد لا ينتبه إليها، أو يتوهّم أنه استطاع محوها.

ومن هذا المنظور، تفتح سورة الاسراء  أفقًا بالغ العمق لفهم العلاقة بين الإنسان وعمله، وبين الفعل ونتيجته، وبين ما يظن المرء أنه انتهى، وما يظل قائمًا في ميزان المسؤولية.

قال تعالى ” وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا“ الإسراء: 13–14.

شبّه القرآن الكريم عمل الإنسان بـ “الطائر” بناءً على دلالات عربية وتاريخية وبلاغية. حيث كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا أمراً، خرجوا إلى الطير وزجروها (يخيفونها لتطير)؛ فإن طارت نحو اليمين تفاءلوا به (وسمّوه السانح)، وإن طارت نحو اليسار تشاءموا به (وسمّوه البارح( . ومن ثم فقد جاءت الصورة القرانية على أسلوب مألوف للعرب في تسمية العمل بالطائر ، ليُفهم من خلالها أن عمل الإنسان هو الذي يجرّ له الخير أو الشر. حيث يشير الطائر إلى عمل الإنسان وما ارتبط به من مصير، وقد فسّره المفسرون أيضًا بما كتبه الله على الإنسان من عمله وشقاوته أو سعادته. أما في التأمل الذي تقدمه الكيمياء الفكرية، فيمكن النظر إلى هذه الصورة بوصفها تعبيرًا عن استحالة فصل الإنسان عن تبعات ما يصدر عنه. فالعمل ليس حدثًا يمرّ ثم يتلاشى بالضرورة؛ إنه تفاعل قد تتجاوز نواتجه اللحظة التي وقع فيها. كلمة قاسية قد تنتهي في ثوانٍ، لكنها تظل تتفاعل في نفس من تلقّاها. وموقف منصف قد يبدو صغيرًا، لكنه يعيد تشكيل الثقة في إنسان آخر. وقرار ظالم قد ينتهي تنفيذه، بينما تستمر نواتجه في شبكة من العلاقات والذكريات والآثار. إن الفعل، بهذا المعنى، لا يظل خارج الإنسان تمامًا؛ فهو يشارك في تشكيل صورته الأخلاقية، ويؤثر في محيطه، ويصبح جزءًا من مسؤوليته عن اختياراته. وكما تترك التفاعلات المادية نواتج تختلف باختلاف المواد والظروف، تترك الأفعال الإنسانية آثارًا تختلف باختلاف النيات والسياقات والنتائج. غير أن التشبيه الكيميائي هنا أداة للفهم والتأمل، لا قانونًا علميًا يحكم السلوك الإنساني حتمًا.

لم تأتِ الصورة القرآنية لطائر عابر في السماء، بل جاء التعبير بأنه مُلزَم في عنق الإنسان. وهنا تتجلى قوة الصورة: فالإنسان قد يغيّر مكانه، ويبدّل علاقاته، ويغادر المواقف التي أخطأ فيها، بل قد يعيد صياغة روايته عن الماضي حتى يبدو في نظر نفسه بريئًا مما فعل؛ لكن تغيير الرواية لا يغيّر حقيقة الفعل، كما أن إنكار التفاعل لا يعني أن نواتجه لم توجد. في الكيمياء الفكرية، يمكن تسمية هذه الظاهرة «وهم الانفصال عن الأثر»: أن يتعامل الإنسان مع أفعاله كما لو كانت أشياء خارجية يستطيع التخلص منها بمجرد أن يتوقف عن الحديث عنها. وهذا الوهم أحد مصادر الخلل في بناء الوعي الأخلاقي؛ إذ يخلط الإنسان بين انتهاء الفعل وانتهاء تبعاته، وبين نسيان الواقعة ومحو حقيقتها، وبين الإفلات من المساءلة وانعدام المسؤولية.

وإذا كانت صورة الطائر تؤكد ملازمة العمل لصاحبه، فإن صورة الكتاب تنقل المشهد إلى مقام إظهار العمل وعرضه. فما كان مرتبطًا بالإنسان يصبح أمامه مكشوفًا، وما قد يجهله أو ينساه في الدنيا يواجهه في مقام الحساب. ومن زاوية الكيمياء الفكرية، يمكن قراءة الكتاب بوصفه الصورة المقابلة لوهم الإنسان أن ما لا يراه الآخرون قد اختفى، أو أن ما لم يعد يتذكره لم يعد موجودًا. لكن الكتاب القرآني ليس مجرد استعارة عن الذاكرة البشرية أو سجل اجتماعي تحتفظ به العقول؛ إنه جزء من حقيقة غيبية أخبرنا الله بها، ولا يجوز اختزال دلالته الأخروية في مجرد الآثار النفسية أو الاجتماعية للأفعال. إن هذا التمييز ضروري: فالآثار التي نرصدها في الدنيا تساعدنا على فهم مسؤولية الإنسان، لكنها لا تحيط بحقيقة الحساب الإلهي ولا تحل محلها.

” اقْرَأْ كِتَابَكَ”، إنها لحظة مواجهة، لا يكتفي فيها الإنسان بسماع وصف عام لأعماله، بل يُواجَه بكتابه. ويأتي التعقيب: ” كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” ، ليؤكد معنى قيام الحجة على الإنسان بما يواجهه من عمله. وفي التأمل الفكري، تتجاوز هذه الصورة سؤال ما إذا كان الإنسان متعلمًا أو أميًّا؛ فالمقصود ليس امتلاك مهارة القراءة في الدنيا، وإنما حقيقة العمل الذي يُحاسَب عليه الإنسان. فالآيات لا تقصر هذا الكتاب على فئة دون أخرى، ولا تجعل الشهادة العلمية شرطًا للمسؤولية الأخلاقية. قد يكون المرء قادرًا على قراءة أعقد الكتب العلمية، لكنه عاجز عن قراءة دوافعه، أو اكتشاف تناقضاته، أو الاعتراف بالأثر الذي يتركه في الآخرين. وقد لا يعرف إنسان آخر القراءة والكتابة، لكنه يدرك معنى الأمانة والعدل والرحمة، ويتحمل مسؤولية أفعاله في حدود ما كُلّف به واستطاعه. وهكذا، لا تتطابق القراءة بوصفها مهارة معرفية مع الوعي بوصفه قدرة على فهم الذات، ولا يتطابق التحصيل العلمي مع الاستقامة الأخلاقية. فالعلم يمنح الإنسان أدوات للفهم، لكنه لا يضمن وحده حسن الاختيار.  ومع ذلك، فإن محاسبة الإنسان على أفعاله ليست منفصلة عن العدل الإلهي؛ فالله لا يظلم أحدًا، والتكليف مرتبط بالقدرة وقيام الحجة، لا بمجرد المظاهر التعليمية أو الاجتماعية.

ومن أخطر التفاعلات الداخلية أن يتحول العقل من أداة لفهم الحقيقة إلى أداة للدفاع عن الصورة التي يحب الإنسان أن يراها لنفسه. يخطئ، ثم يبحث عن مبرر. يؤذي، ثم يقلل من حجم الأذى. يتجاوز حق غيره، ثم يعيد تسمية التجاوز ضرورةً أو ذكاءً أو استحقاقًا. ومع تكرار هذه العملية، قد تنشأ مسافة بين حقيقة السلوك والصورة الذاتية التي يصرّ الإنسان على حمايتها. هذه هي كيمياء التبرير: تفاعل نفسي يُعاد فيه تشكيل تفسير الفعل، لا حقيقة الفعل ذاته. وقد ينجح التبرير في تهدئة الضمير مؤقتًا، لكنه لا يجعل الخطأ صوابًا، ولا يمحو الضرر، ولا يغني عن التوبة ورد الحقوق حيث يلزم. ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي لا يبدأ حين نكتشف أخطاء الآخرين فحسب، بل حين نمتلك الشجاعة لنفحص ما نفعله نحن، وكيف نبرره، وما إذا كانت صورتنا عن أنفسنا مطابقة لما تكشفه أعمالنا.

وبهذا نكون أمام  مسارًا متكاملًا: عملٌ يلازم الإنسان، ثم كتابٌ يلقاه منشورًا، ثم أمرٌ بقراءته ومواجهة ما فيه. وفي لغة الكيمياء الفكرية، يمكن استلهام هذا المسار لفهم ثلاث حلقات مترابطة في الحياة الإنسانية: الفعل، والأثر، والمسؤولية. الفعل هو ما يصدر عن الإنسان من قول أو سلوك أو قرار. والأثر هو ما قد ينشأ عنه في نفسه أو في الآخرين أو في الواقع المحيط به. أما المسؤولية فهي عدم اختزال الفعل في لحظته، أو التعامل معه كما لو أنه لا يستحق المحاسبة بعد انتهائه. غير أن هذه الحلقات ليست متطابقة؛ فقد لا يستطيع الإنسان التنبؤ بكل نتيجة، وقد تختلف آثار الفعل باختلاف الظروف، وقد يتدارك خطأه بالتوبة والإصلاح. ولذلك لا تعني ملازمة المسؤولية أن الإنسان محكوم إلى الأبد بكل خطأ ارتكبه، بل تعني أن أفعاله ليست أمرًا هينًا يمكن محوه بمجرد الإنكار، وأن باب التوبة والإصلاح لا ينبغي أن يُغلق.

إن أعمق ما يمكن أن نتأمله في هذا الوصف القرأنى، أن الإنسان ليس مجرد لحظة عابرة من الوجود؛ إنه صاحب عمل، ومسؤول عن اختياراته، ومواجه لما أخبر الله أنه سيعرضه عليه يوم القيامة. فالطائر يذكّرنا بملازمة العمل لصاحبه، والكتاب يذكّرنا بانكشافه، والقراءة تضعنا أمام حقيقة المسؤولية. وفي الكيمياء الفكرية، يمكن صياغة هذه الفكرة في عبارة واحدة:

” قد ينتهي الفعل في الزمن، لكن الإنسان لا يملك أن يجعل إنكاره دليلًا على زوال حقيقته، ولا أن يجعل نسيانه حكمًا بمحو مسؤوليته” .  

ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يرافق الإنسان في حياته ليس فقط: ماذا أريد أن أكون في أعين الناس؟ بل أيضًا: ماذا تصنع أفعالي في الآخرين؟ وما الذي تكشفه اختياراتي عن حقيقة نفسي؟ وأيّ أثر أتركه وراءي؟

فالحياة ليست مجرد ما نمرّ به، بل أيضًا ما نصنعه فيما نمرّ به. والوعي ليس أن نقرأ العالم وحده، بل أن نتعلم كيف نقرأ أنفسنا قبل أن نواجه كتاب أعمالنا. أننا في حالة تشكّل كيميائى لا تنتهي، لكن كل اختيار يمنح هذا التشكّل اتجاهًا، وكل عمل يضيف إلى حقيقته أثرًا، وكل مسؤولية تذكّرنا بأن ما نصنعه ليس منفصلًا عنا.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51