أثرٌ لا تحدّه الحدود: حكاية التأثير في قوائم ستانفورد العالمية

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في عالمٍ لم تعد فيه قيمة البحث العلمي تُقاس بعدد الأبحاث المنشورة فحسب، بل بمدى تأثيرها في المعرفة الإنسانية وقدرتها على إلهام بحوث جديدة وصناعة حلول للمستقبل، يأتي الإعلان السنوي عن قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرًا واستشهادًا بأبحاثهم على مستوى العالم، التي تُعد بالتعاون بين جامعة ستانفورد الأمريكية ودار النشر العالمية  Elsevier، ليجدد الاهتمام بمكانة العلماء في منظومة البحث العلمي الدولية.

إنه ماراثون علمي عالمي لا يتوقف عند حدود النشر أو تسجيل الإنجازات، بل يمتد إلى تراكم المعرفة، واستمرارية العطاء، وقدرة الأفكار العلمية على عبور الحدود والتخصصات، وترك أثر يتجاوز زمن نشر البحث ومكان إنجازه.

تمثل هذه القائمة إحدى الأدوات الببليومترية التي تستند إلى بيانات قاعدة Scopus ومجموعة من المؤشرات المركبة لقياس التأثير والاستشهادات العلمية، مع مراعاة طبيعة التخصص والتعاون البحثي وبعض جوانب إسهام الباحث في إنتاجه العلمي.

وتتضمن القائمة مسارين رئيسيين: التأثير العلمي الممتد طوال المسيرة المهنية، والتأثير العلمي خلال عام محدد وحديث. ويتيح هذا التمييز النظر إلى الإنجاز العلمي من زاويتين متكاملتين؛ إحداهما تقيس تراكم الأثر عبر سنوات العمل البحثي، والأخرى ترصد الحضور العلمي في الفترة السنوية محل التقييم.

ومع أهمية هذه المؤشرات في إبراز الحضور البحثي، فإنها تظل أدوات قياس لها حدودها، ولا تختزل وحدها القيمة الكاملة للعالم أو الأهمية المجتمعية لكل بحث؛ فالعلم الحقيقي يجمع بين أصالة الفكرة، ودقة المنهج، ونزاهة الممارسة، وقابلية النتائج للإسهام في تقدم المعرفة وخدمة الإنسان.

ولا ينبغي أن ينظر إلى هذا الحضور باعتباره تكريمًا لأسماء بعينها فحسب، بل باعتباره فرصة لإبراز ما يمكن أن يقدمه العمل البحثي المتخصص من إسهامات في بناء المعرفة، وتطوير المواد والتقنيات، وتعزيز فرص الابتكار، وربط نتائج المختبر باحتياجات الصناعة والمجتمع.

كما أن تعدد مسارات التميز يؤكد أن التأثير العلمي ليس لحظة عابرة، بل حصيلة تراكم طويل من الأسئلة الدقيقة، والتجارب المتأنية، والتعاون المثمر، والإصرار على تطوير الأفكار وتحويلها إلى معرفة قابلة للبناء عليها.

إن القيمة الأعمق لهذا الإنجاز لا تكمن في الوجود ضمن قائمة دولية وحده، وإنما في اتخاذه نقطة انطلاق نحو آفاق أوسع من التميز؛ من خلال تعزيز التعاون البحثي، وتشجيع الباحثين الشباب، وتطوير البنية البحثية، وتحويل المخرجات العلمية إلى ابتكارات قابلة للتطبيق، بما يدعم تنافسية البحث العلمي المصري على المستوى الدولي.

ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات البحثية لا تقتصر على الاحتفاء بالعلماء الذين حققوا حضورًا دوليًا، بل تمتد إلى تهيئة البيئة التي تسمح باستمرار هذا التميز، وتوسيع دائرته، وإتاحة الفرصة أمام أجيال جديدة من الباحثين للمشاركة في صناعة المستقبل العلمي.

تحية وتقدير لكل عالم جعل من المعرفة رسالة، ومن البحث العلمي مسارًا مستمرًا للعطاء، ومن التأثير العلمي مسؤولية تتجاوز حدود الإنجاز الشخصي. وفي ماراثون العلم، لا تكفي سرعة الوصول، ولا يكفي شرف الوصول إلى القائمة؛ إنما يبقى الرهان الحقيقي على استدامة العطاء، وأصالة الإسهام، والأثر الذي تتركه المعرفة في حياة الإنسان. حيث أن التميز العلمي ليس خط نهاية، بل نقطة انطلاق جديدة نحو إنجاز أكبر وأثر أبقى.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51