كيمياء الخوف: تيار يأخذ الجميع

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

الخوف ليس دائما صوتا مرتفعا يصرخ في داخل الإنسان، ولا صورة واضحة لشيء يعرفه ويستطيع أن يسميه. أحيانا يكون الخوف حالة صامتة، تسري في المجتمع كما يسري التيار في موصل لا تراه العين، لكنه يحرك كل شيء. في الكيمياء الفكرية، يمكن أن ننظر إلى الخوف باعتباره تيارا نفسيا واجتماعيا؛ لا يحتاج إلى أن يتفق الناس على مصدره حتى يجمعهم، ولا يحتاج إلى أن يتشابهوا في أفكارهم حتى يسوقهم في الاتجاه نفسه.

كل إنسان يغلق بابه على نفسه، ويظن أنه يواجه خوفه منفردًا. هذا يخاف من الماضي، لأن فيه جرحا لم يلتئم، وذاك يخاف من المستقبل، لأنه لا يعرف ماذا يحمل له. وثالث يخاف من الناس، ورابع يخاف من فقدان ما يملك، وخامس يخاف أن يفقد ما لم يملكه بعد. وهكذا يبدو كل واحد مختلفًا عن الآخر، بينما هم، في العمق، يشتركون في المركب نفسه: الخوف. إنها مفارقة تشبه بعض التفاعلات الكيميائية؛ مواد مختلفة في الشكل والخواص قد تدخل في تفاعل واحد، فتنتج حالة جديدة تجمعها جميعًا. كذلك البشر: اختلاف مصادر الخوف لا يمنع أن يتحول الخوف ذاته إلى وسط تفاعلي مشترك. قد يكون الإنسان ضد الآخر، وفي الوقت نفسه يسير معه. يرفض فكرته، لكنه يتأثر به، ينتقد سلوكه، لكنه يكرر بعضه، يختلف معه في الاتجاه، لكنه يشارك معه الطريق. وهنا تكمن إحدى أخطر صور الخوف: أن يجمع بين المتناقضين دون أن يشعر أحدهما أنه صار جزءا من الآخر.

في الكيمياء، قد تتجاور الجزيئات المختلفة داخل الوسط نفسه، وتتحرك وفق شروط واحدة، وتتأثر بدرجة الحرارة والضغط والتركيز. وفي المجتمع، قد تختلف العقول، والمواقف، والذكريات، والطموحات، لكن عندما يرتفع تركيز الخوف، يبدأ الوسط كله في التغير. يصبح الخوف هو المذيب الذي تذوب فيه الفروق، ويصبح القلق هو المحفز الذي يسرع التفاعل. وتصبح الشائعة أحيانا مثل مادة محفزة؛ لا تصنع الخوف من العدم، لكنها تسرع انتشاره من عقل إلى عقل. والأخطر أن الخوف، حين ينتشر، لا يحتاج إلى أن يثبت وجود الخطر؛ يكفي أن يخلق الإحساس بوجوده. وهنا يبدأ الإنسان في إعادة تشكيل حياته وفق ما يخشاه، لا وفق ما يريده. إنه لا يتحرك دائما نحو شيء؛ بل كثيرا ما يتحرك هروبا من شيء، والهروب المستمر يستهلك الطاقة.

في التفاعلات الكيميائية، تحتاج المادة إلى طاقة لكي تعبر حاجز التنشيط. وفي حياة الإنسان، يحتاج الخوف إلى طاقة هائلة لكي يبقى مستمرا: طاقة التفكير الزائد، والاحتياط المفرط، وسوء التوقع، ومراقبة الآخرين، وإعادة تفسير كل كلمة، والبحث الدائم عن الخطر القادم. وهكذا يصبح الإنسان في حالة تنشيط مستمر دون إنتاج حقيقي. يتحرك كثيرا، لكنه لا يصل، يفكر كثيرًا، لكنه لا يعيش، يستعد كثيرا، لكنه لا يبدأ، يؤجل الحاضر انتظارًا لمستقبل أكثر أمانًا، ثم يأتي المستقبل فيجده منشغلًا بالخوف من مستقبل آخر.

وهنا تطرح الكيمياء الفكرية سؤالها الأكثر قسوة: متى يعيش الإنسان إذا كان قد سلّم ماضيه للخوف، وسلّم مستقبله للخوف؟. فمن يعيش في الماضي قد لا يكون عالقا في الذكريات فقط، بل قد يكون عالقا في الخوف من أن تتكرر. ومن يعيش في المستقبل قد لا يكون طموحا فقط، بل قد يكون خائفا من أن يأتي المستقبل على غير الصورة التي رسمها. وبينهما يقف الحاضر، الحاضر هو اللحظة الوحيدة التي تحدث فيها الحياة فعلاا، لكنه غالبا يصبح الحلقة المفقودة. الماضي انتهى، لكنه يواصل التفاعل داخل الذاكرة، والمستقبل لم يأتِ، لكنه يواصل التفاعل داخل الخيال. أما الإنسان، فيقف بينهما، يحمل نواتج تفاعلات لم تعد موجودة، ويستبق تفاعلات لم تبدأ بعد. وبين الماضي والمستقبل، قد لا يبقى للحاضر إلا الخوف. إنها حالة تشبه مادة عالقة في حالة انتقالية؛ لا عادت إلى حالتها الأولى، ولا وصلت إلى حالتها الجديدة. وهنا يصبح الخوف ليس مجرد شعور، بل بنيةً تصنع طريقة النظر إلى العالم.

الخائف لا يرى الواقع كما هو دائما؛ بل يراه من خلال معامل الخوف. كأن أمامه محلولا شفافا، لكن قطرة واحدة من كاشف الخوف تغير اللون كله. حدث صغير يصبح تهديدا، كلمة عابرة تصبح رسالة، صمت شخص يصبح مؤامرة، تأخر الإجابة يصبح رفضا، المستقبل يصبح مجهولا مرعبا، والماضي يتحول من ذاكرة إلى سجن، إنها ليست دائما مشكلة في العالم الخارجي، بل قد تكون في الكاشف الذي نضعه داخل عقولنا قبل أن نقرأ العالم.

والأغرب أن الخوف الجماعي يمكن أن يصنع ما يخشاه. فعندما يخاف الجميع من بعضهم، يقل الاطمئنان، وعندما يقل الاطمئنان، يزداد التحفظ، وعندما يزداد التحفظ، يقل الحوار، وعندما يقل الحوار، يزداد سوء الفهم، وعندما يزداد سوء الفهم، يرتفع الخوف أكثر، فتنشأ دائرة مغلقة:

خوف ← انغلاق ← سوء فهم ← مزيد من الخوف.

وهنا يتحول الخوف من نتيجة إلى عامل منتج للخطر نفسه. كل واحد منغلق على نفسه، وكل واحد يظن أن الآخرين مختلفون عنهن وكل واحد قد يرى نفسه في مواجهة الآخرين، بينما الآخرون يفعلون الشيء نفسه. فهم ضد بعضهم ومع بعضهم، مختلفون في التفاصيل، متشابهون في الجوهر، وتحت سطح الاختلاف، يجري تيار واحد يأخذ الجميع معهن إنه تيار الخوف.

لكن الكيمياء الفكرية لا تنتهي عند تشخيص التفاعل؛ فهي تبحث عن شروط إيقافه أو تحويل مساره. وفي الكيمياء، لا يكفي أن تقول للمادة: توقفي عن التفاعل. لا بد من تغيير الظروف: درجة الحرارة، التركيز، الوسط، المحفز، أو مسار التفاعل. وكذلك الإنسان، لا يمكن أن تطلب منه ببساطة ألا يخاف، بل عليه أن يغير الوسط الذي يغذي خوفه، وأن يراجع الأفكار التي تزيد تركيزه، وأن يميز بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيل، وبين ذاكرة الماضي واحتمالات المستقبل، وبين ما يحدث فعلا وما يخشى أن يحدث. فليس المطلوب أن يعيش الإنسان بلا خوف؛ فهذا غير ممكن، ولكن المطلوب أن لا يصبح الخوف هو الكيمياء الوحيدة التي تحكم حياته، وأن يعرف متى يكون الخوف إشارة تحذيرية، ومتى يتحول إلى سجن. أن يستخدمه ككاشف، لا كمذيب، كإنذار، لا كسائق، كإشارة، لا كهوية.

فالحياة لا تتوقف لأن الخوف موجود، لكنها تضيق عندما يصبح الخوف هو الذي يقرر أين نذهب. ولعل أخطر ما في الخوف أنه يستطيع أن يقنع الإنسان بأنه يعيش، بينما هو في الحقيقة ينتظر. ينتظر أن يهدأ الماضي، ينتظر أن يصبح المستقبل آمنا، ينتظر أن يطمئن إلى الناس، ينتظر أن تزول المخاطر، ثم يكتشف متأخرا أن الحياة لم تكن تنتظره، بل كانت تحدث طوال الوقت، فالماضى كان ذكرى، والمستقبل كان احتمالا، أما الحاضر فكان الحياة نفسها. وهنا تختصر الكيمياء الفكرية المعادلة كلها:

حين يصبح الخوف هو الوسط، قد يختلف الناس في كل شيء، لكنهم يتفاعلون بالطريقة نفسها.

قد يقفون ضد بعضهم، وهم جميعا في المركب نفسه. وقد يختلفون في الوجوه، والآراء، والطرق، بينما يحمل كل منهم التركيب الداخلي نفسه: خوفًا من شيء ما. وفي النهاية، لا يكون السؤال: مم نخاف؟ فقط، بل: هل نحن الذين نقود خوفنا، أم أن الخوف هو الذي يقودنا؟. لأن أخطر تيار ليس ذلك الذي يأخذ الجسد في اتجاهه، بل ذلك الذي يأخذ العقل في اتجاهه، بينما يظل الإنسان واقفا في مكانه، مقتنعا أنه هو الذي اختار الطريق.

وربما كانت الحقيقة الأكثر مرارة:

أن كثيرًا من الناس لا يعيشون بين الماضي والمستقبل؛ بل يعيشون بين خوف من الماضي وخوف من المستقبل، حتى يضيع منهم الحاضر… وهو الجزء الوحيد من الزمن الذي كان يمكن أن يعيشوه فعلا.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51