كيمياء النار الذاتية

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في العالم المادي، تبدو القوانين أكثر انضباطا؛ فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضادٌ له في الاتجاه. لكن هذه الصورة، على الرغم من دقتها في نطاقها الفيزيائي، لا يمكن نقلها حرفيا إلى عالم الإنسان؛ لأن الإنسان ليس جسما صامتا يستجيب آليا للقوى المؤثرة فيه، بل كيان حى يمتلك الوعي والاختيار والقدرة على استقبال المؤثرات، ثم إعادة تفسيرها وتحويلها وإنتاج استجابة قد تختلف تماما في مقدارها واتجاهها عن الفعل الأصلي.

وهنا تبدأ الكيمياء الفكرية في قراءة مختلفة للصراع الإنساني. فالإنسان ليس مجرد مادة تتلقى تأثيرا ثم تعطي تأثيرا مساويا له؛ إنه أشبه بمفاعل معقد، تدخل إليه مؤثرات مختلفة، ثم تخرج منه نواتج تعتمد على تركيب هذا المفاعل، ودرجة حرارته النفسية، وطاقة التنشيط اللازمة لبدء استجابته، والمواد الموجودة داخله، بل وحتى على وجود أو غياب ما يشبه الحفاز الذي يسرع التفاعل أو الوسط الذي يسمح له بالاستمرار. لذلك، ليس كل فعل يولد رد فعل مساويا له، وليس كل نار تشعل نارا مقابلة. فقد يرسل إنسان إلى غيره قدرا هائلا من الحقد، فلا يجد أمامه إلا الصمت. وقد يقذف بالكراهية، فلا ترتد إليه من الطرف الآخر إلا اللامبالاة. وقد يزرع العداء، فلا يحصد إلا فراغا لا يجد فيه ما يتغذى عليه.

وهنا تحديدا تظهر إحدى أهم قواعد كيمياء النار الذاتية: ليس كل تفاعل يجد المادة التي يحتاج إليها لكي يستمر. في الكيمياء، قد توجد مواد قابلة للتفاعل، لكن التفاعل لا يبدأ بالضرورة لمجرد وجودها معا. فبعض التفاعلات تحتاج إلى طاقة تنشيط حتى تنطلق. وقد يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى زيادة سرعة التفاعل، بينما يؤدي خفضها إلى إبطائه. وقد يوجد حفاز يفتح مسارا أسهل للتفاعل دون أن يستهلك فيه. وفي الإنسان أيضا، قد يكون الغضب موجودا، والحقد موجودا، والكراهية موجودة، لكن التفاعل لا يستمر إلا إذا وجد ما يمده بالطاقة. كلمة واحدة أو نظرة أو استجابة غاضبة قد تكون حفازا، أو رد مماثل قد يصبح شرارة تشعل سلسلةة جديدة من التفاعلات. أما الصمت الواعي، فقد يحرم التفاعل من بعض شروط استمراره. ولهذا لا يكون الصمت دائما فراغا؛ فقد يكون وسطا كيميائيا جديدا تتغير فيه سرعة التفاعل. خذ مثلا تفاعل الاحتراق. لا يكفي وجود مادة قابلة للاحتراق لكي يستمر اللهب؛ فلابد من توافر الأكسجين ودرجة الحرارة المناسبة وغيرها من شروط الاحتراق. فإذا حرم اللهب من الأكسجين، انطفأ مهما كان الوقود موجودا. وهنا تقدم الكيمياء الفكرية صورة شديدة الدلالة:

الحقد هو الوقود، والاستجابة هي الأكسجين، والخصومة هي اللهب.

كلما منحت الحقد استجابة جديدة، أمددته بما يحتاج إليه كي يستمر. وكلما دخلت معه في سجال جديد، أضفت إلى المفاعل مادة أخرى قابلة للاشتعال. أما إذا رفضت أن تكون جزءًا من دورة التفاعل، فقد لا تستطيع إطفاء النار مباشرة، لكنك تستطيع أن تمنع نفسك من أن تصبح وقودا إضافيا لها. وهذا هو معنى: دع النار تأكل نفسها. ليس المقصود أن تترك الظلم دون مواجهة، ولا أن تتنازل عن حقك، ولا أن تسمح للعدوان أن يستمر؛ وإنما المقصود ألا تسمح للغضب الذي وجه إليك بأن يتحول إلى مادة خام في داخلك، وألا تسمح لخصومة الآخرين بأن تنتقل إلى تركيبك النفسي.

فالحقد يشبه مادة شديدة النشاط الكيميائي؛ لكنه في الإنسان لا يظل ساكنا. إنه يعيد إنتاج نفسه من خلال الذاكرة. يستعيد الإنسان الكلمة، ثم يعيد تفسيرها، ثم يسترجع الموقف، ثم يتخيل ردا لم يقله، ثم يعيد بناء المشهد مرة أخرى. وهكذا يصبح الماضي أشبه بمفاعل يعمل في الحاضر، وقد انتهى الموقف خارجيا، لكن التفاعل لم ينته داخيا. وهنا تحدث المفارقة الكبرى:

قد يكون الشخص الذي تكرهه قد غادر المشهد، بينما بقيت أنت وحدك داخل المفاعل.

هو يعيش يومه، وأنت تعيد يوم الأمس. هو نسي الكلمة، وأنت تعيد تحليلها. هو أغلق الصفحة، وأنت تواصل إشعالها. فيصبح الحقد، في هذه الحالة، نوعا من الاحتراق الذاتي؛ إذ لا يحتاج صاحبه إلى خصم حاضر لكي يستمر احتراقه، لأن ذاكرته أصبحت مصدرا مستمرًا للوقود.

وفي الكيمياء توجد تفاعلات طاردة للحرارة؛ أي إن التفاعل يطلق حرارة يمكن أن تسهم في استمرار العملية أو في تسريعها في بعض الظروف. ومن هنا يمكن أن نفهم نفسيا كيف يمكن لغضب صغير أن يولد غضبا أكبر، ثم يتحول الغضب إلى حقد، ثم يتحول الحقد إلى رغبة في الانتقام، ثم تصبح الرغبة نفسها مصدرا لطاقة انفعالية جديدة. إنها سلسلة من التفاعلات المتتابعة:

إساءة ← غضب ← تذكر ← استثارة ← حقد ← رغبة في الرد ← مزيد من الغضب.

وهكذا يصبح الإنسان أحيانا منتجا للطاقة التي تحرقه. وإذا كان الاحتراق الكيميائي يستهلك الوقود لإنتاج الطاقة، فإن بعض أشكال الحقد تفعل العكس بصورة مجازية: تستهلك طاقة الإنسان لإبقاء نار الكراهية مشتعلة. وهنا لا يعود السؤال: كيف أنتقم؟، بل يصبح السؤال الأكثر عمقًا: لماذا أسمح لهذا التفاعل أن يستمر داخلي؟

وفي الكيمياء، ليست كل التفاعلات مرغوبة، وليست كل عملية يجب أن تصل إلى نهايتها. هناك تفاعلات يمكن إيقافها بتغيير الظروف، وأخرى يمكن إبطاؤها بتغيير درجة الحرارة أو إزالة أحد المتفاعلات، وأخرى يمكن التحكم فيها بإضافة مادة تمنع استمرار سلسلة معينة. وفي الحياة الإنسانية أيضا، قد يكون تغيير شروط التفاعل أكثر حكمة من محاولة السيطرة على ناتجه بعد حدوثه. فإذا كان الكلام هو الوقود، فلا تمنحه كلاما إضافيًا. وإذا كانت الاستفزازات هي الحفاز، فلا تمنحها الاستجابة التي تحتاج إليها. وإذا كانت الخصومة تبحث عن طرف ثان كي تستمر، فلا تجعل نفسك ذلك الطرف. فليس من الحكمة أن تدخل كل مفاعل يُفتح أمامك. بعض المفاعلات تنتج معرفة، وبعضها تنتج بناء، وبعضها تنتج ابتكارًا، وبعضها الآخر لا ينتج إلا حرارة ودخانا ورمادا. والإنسان الحكيم هو الذي يعرف الفرق بين التفاعل الذي يستحق طاقته، والتفاعل الذي يستنزفها. وهنا يمكن أن نصوغ إحدى معادلات الكيمياء الفكرية:

الحقد + الاستجابة = تفاعل مستمر

بينما:

الحقد + حرمانه من الاستجابة = تفاعل يفقد أحد شروط استمراره

لكن علينا أن نكون دقيقين: اللامبالاة ليست دائما علاجا، والصمت ليس دائما حكمة، وعدم الرد ليس دائما موقفا صحيحا. فهناك مواقف يكون فيها الصمت تنازلا عن حق، أو تركا لظلم، أو عجزا عن حماية من يجب حمايته.

لذلك فإن الكيمياء الفكرية لا تدعو إلى الهروب من التفاعل، بل إلى اختيار التفاعل. فكما يختار الكيميائي ظروف التجربة، ينبغي للإنسان أن يختار الظروف التي يسمح فيها لنفسه بالدخول في صراع. فقد تحتاج أحيانا إلى المواجهة، لكن المواجهة لا تعني الكراهية. وقد تحتاج إلى استرداد حقك، لكن استرداد الحق لا يعني أن تحمل خصمك في داخلك. وقد تحتاج إلى وضع حدود واضحة، لكن الحدود لا تحتاج إلى أن تتحول إلى نار. وهنا يظهر الفرق بين الاستجابة الواعية والاستجابة الانفعالية. الأولى تشبه تفاعلا مضبوطا داخل مفاعل صمم بعناية. أما الثانية فقد تشبه تفاعلا انفلتت شروطه، فأصبح من الصعب التحكم في الحرارة والضغط والنواتج.

وفي الكيمياء، إذا خرج التفاعل عن نطاق السيطرة، قد تصبح الحرارة نفسها سببا في تسريع المزيد من التفاعل، فتدخل العملية في سلسلة متصاعدة. وكذلك الإنسان، غضب صغير لا يضبطه العقل قد يتحول إلى كلمة، والكلمة إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى قطيعة. ثم تصبح القطيعة نفسها وقودا لجولة جديدة من التفسير والاتهام .ولهذا قد يكون أعظم انتصار للإنسان ألا يسمح للتفاعل الأول بأن يتحول إلى سلسلة تفاعلات. أوقف التفاعل عند حده الأول. فلا تضف مادة جديدة إلى المفاعل، ولا ترفع درجة الحرارة، ولا تستدعِ حفازت جديدا، ولا تجعل كل كلمة شرارة، ولا تجعل كل استفزاز معركة. فليس كل ما يلمع شرارة تستحق أن تُشعل بها النار.

والحقد تحديدا من أغرب المواد التي قد يحملها الإنسان؛ لأنه يظن أنه يحتفظ بها ليؤذى بها غيره، بينما قد تكون هي التي تستهلكه ببطء. الحاقد يعتقد أنه يمسك النار بيده، لكنه قد لا ينتبه إلى أن الحرارة تنتقل أولا إلى يده. وقد يظن أنه يحمل خصمه في ذاكرته كي يعاقبه، بينما الحقيقة أنه يمنحه مكانا دائما داخل وعيه. وهنا تبلغ كيمياء النار الذاتية ذروتها:

ليس أخطر الحريق ما يلتهم ما حولك، بل ما يقنعك بأنك تستطيع حمله دون أن تحترق.

لذلك، لا تجعل قلبك مستودعا لنفايات الآخرين الانفعالية. لا تستقبل كل غضب، ولا تخزن كل إساءة، ولا تحتفظ بكل كلمة قيلت في لحظة انفعال. فكما أن المختبر الكيميائي لا يحتفظ بكل مادة في الوعاء نفسه، لأن بعض المواد إذا اجتمعت أنتجت تفاعلا خطيرا، كذلك النفس الإنسانية تحتاج إلى فصل ذكي بين ما يحدث حولها وما تسمح له بالدخول إلى داخلها.

إن الحكيم لا يعيش بلا مؤثرات؛ فهذا مستحيل، لكنه يتعلم كيف يمرر المؤثر من خلال وعيه قبل أن يتحول إلى جزء من تركيبه. وهنا يصبح الوعي أشبه بـ غشاء انتقائي؛ يسمح بمرور ما ينفع، ويمنع ما يفسد التوازن. ولذلك، عندما ترى نار الحقد مشتعلة في مكان ما، لا تسارع دائما إلى إشعال نار مقابلة. فقد تكون أقوى استجابة أن تحافظ على اتزانك. وقد يكون أبلغ رد أن ترفض أن تتحول إلى مادة إضافية في التفاعل. وقد يكون أعظم انتصار ألا تسمح للنار التي أشعلها غيرك أن تجد طريقها إلى داخلك.

نعم، دع النار تأكل بعضها. فبعض النيران لا تحتاج إلى من يطفئها، بل تحتاج فقط إلى ألا تمدها بالوقود. وبعض الكراهية لا تحتاج إلى معركة جديدة كي تنتهي، بل تحتاج إلى ألا تجد فيك سطحا تلتصق به، ولا طاقة تتغذى عليها، ولا استجابة تمنحها عمرا جديدا. دع الغضب يهدأ دون أن تضيف إليه غضبا. ودع الحقد يستهلك نفسه دون أن تمنحه من طاقتك. ودع من يريد إشعال المعركة يكتشف أن النار تحتاج إلى طرفين لكي تتحول إلى حريق ممتد. فقد لا تستطيع أن تمنع الآخرين من إشعال النار، لكنك تستطيع أن تقرر ألا تكون وقودها.

وفي النهاية، قد لا يكون الانتصار الحقيقي أن تجعل خصمك يحترق، وإنما أن لا تسمح لناره أن تنتقل إلى داخلك. وهنا تختصر الكيمياء الفكرية المعادلة كلها:

لا تدخل كل تفاعل يعرض عليك؛ فبعض التفاعلات لا تنتج إلا مزيدا من الاحتراق.

ففي الحياة، كما في المختبر، ليست الحكمة في أن تعرف كيف تشعل النار فقط، بل أن تعرف متى تشعلها، ومتى تطفئها، ومتى تبتعد عنها، ومتى تتركها تستهلك وقودها حتى تنطفئ وحدها. وهكذا يصبح الإنسان أكثر من مجرد متفاعل داخل العالم؛ يصبح منظما لتفاعلاته، يختار ما يدخل مفاعله، وما يخرج منه، وما يسمح له بأن يتحول إلى طاقة، وما يرفض أن يتحول إلى سم داخلي. وهذه هي إحدى أعمق قواعد الكيمياء الفكرية:

ليست القوة أن تنتصر في كل تفاعل؛ بل أن تعرف أي تفاعل يستحق أن تدخل فيه، وأن تترك أى نار تأكل نفسها.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51