كيميائية السباق إلى العقول

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

منذ أن بدأ الإنسان رحلته على الأرض، لم تتوقف المعركة بين الحق والباطل؛ معركة تتغير أدواتها، وتتبدل ميادينها، لكن جوهرها يبقى واحدا: من يستطيع أن يصل أولا إلى عقل الإنسان، فيشكل وعيه، ويوجّه اختياراته، ويعيد ترتيب قيمه؟

وفي كثير من الأحيان، قد يبدو الباطل أكثر صخبا، وأشد حضورا، وأكثر قدرة على الانتشار. وقد يرى أهل الحق مظاهر الظلم، ويشاهدون الباطل وهو يحقق مكاسب مؤقتة، فيتألمون، لكنهم يدركون أن ما يمرون به ليس نهاية الطريق، وأن الصبر على الابتلاء ليس استسلاما، وإنما ثبات على مبدأ يؤمنون أنه أسمى من المكاسب العاجلة.

وهنا تدخل الكيمياء الفكرية إلى قلب المعركة، لتقرأ المشهد من زاوية مختلفة:
إن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، وإنما قبل ذلك داخل العقول والقلوب.

فأصحاب الحق يخوضون سباقا إلى العقول بالحقيقة، وأصحاب الباطل يخوضون سباقا إليها بالوهم والتزييف والتضليل. وكل طرف يحاول أن يصنع داخل الإنسان حالة جديدة؛ حالة تجعل الفكرة قابلة للاستقرار، ثم تتحول مع الوقت إلى قناعة، ثم إلى سلوك، ثم إلى نمط حياة.

وفي الكيمياء، لا يكفي أن تضع مادتين متجاورتين لكي يحدث تفاعل بينهما. لابد من ظروف تسمح بالتفاعل، وقد يحتاج التفاعل إلى طاقة تنشيط أو إلى عامل حفاز يخفض الحاجز أمام حدوثه. وكذلك الأفكار؛ فالفكرة لا تدخل العقل دائما بالقوة، وإنما تبحث عن منفذ، وتستغل احتياجا أو خوفا أو رغبة أو فراغا معرفيا، ثم تبدأ رحلة التفاعل.

قد تدخل الفكرة إلى العقل باعتبارها معلومة عابرة، ثم تتكرر، فتتحول إلى مألوف، ثم يصبح المألوف مقبولا، ثم يتحول المقبول إلى اعتقاد، ثم يصبح الاعتقاد سلوكا يدافع عنه صاحبه حتى لو تعارض مع الحقيقة. وهذه إحدى أخطر صور التفاعل الفكري البطيء.

وفي الكيمياء، قد يكون المحلول شفافًا، فلا ترى بالعين ما يحدث داخله، ومع ذلك تكون التفاعلات مستمرة على المستوى الجزيئي. وقد يبدو الإنسان هادئًا من الخارج، بينما تجري داخله تفاعلات فكرية ونفسية متتابعة صنعتها كلمات سمعها، وصور شاهدها، وأفكار تكررت أمامه، وأشخاص تأثر بهم، وتجارب تركت رواسبها في داخله.

ومن هنا يمكن فهم خطورة السباق إلى العقول. فالسباق نحو الباطل غالبا لا يبدأ بالفساد الكبير؛ بل يبدأ بجزيء صغير من التنازل، أو فكرة تبدو بسيطة، أو تبرير لفعل خاطئ، أو كذبة يتم التعامل معها باعتبارها أمرا عابرا.

وفي الكيمياء، قد تكون كمية صغيرة من مادة شديدة النشاط كافية لبدء سلسلة من التفاعلات المتتابعة. وكذلك بعض الأفكار؛ قد تكون صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في قدرتها على إحداث التغيير.

والأخطر أن الإنسان قد لا يشعر لحظة بلحظة بأنه يتغير. كما تتراكم النواتج في بعض التفاعلات الكيميائية حتى تتغير خواص الوسط كله، قد تتراكم التنازلات الأخلاقية داخل الإنسان حتى يتغير تركيب شخصيته دون أن ينتبه إلى اللحظة التي حدث فيها التحول. وهنا تظهر إحدى معادلات الكيمياء الفكرية:

فكرة تتكرر + قبول يتسع + مقاومة تقل = سلوك يتشكل.

وعندما تستقر الفكرة الباطلة في قلب مريض بالهوى، فإنها تجد بيئة خصبة للتفاعل. يتحول الهوى إلى وسط تفاعلي، ويتحول التبرير إلى عامل حفاز، ويتحول التكرار إلى طاقة تنشيط، حتى يصبح ما كان الإنسان يرفضه بالأمس أمرا يستطيع فعله اليوم دون شعور حقيقي بالذنب.

وهكذا يبدأ السباق نحو الباطل من القلب، ثم ينتقل إلى العقل، ثم يظهر على السلوك. وقد تكون النتيجة إنسانًا يقتل، أو يسرق، أو يخون، أو يظلم، أو يغتاب، أو يهدم حقوق الآخرين، لا لأن الفساد ظهر فجأة، ولكن لأن سلسلة طويلة من التفاعلات الداخلية أعادت تشكيل منظومته الأخلاقية.

وفي المقابل، هناك سباق آخر؛ سباق محمود وعظيم، هو السباق إلى العقول بالحق .وهذا السباق لا يعتمد على الضجيج، وإنما على بناء الإنسان من الداخل؛ بإيقاظ العقل، وتنقية القلب، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ قيمة الحقيقة، وتعليم الإنسان أن يسأل قبل أن يصدق، وأن يفكر قبل أن يتبع، وأن يزن الفكرة قبل أن يسمح لها بأن تصبح جزءا من تكوينه.

وفي الكيمياء، توجد عمليات التنقية التي تفصل المادة المطلوبة عن الشوائب، وقد تحتاج إلى ترشيح أو تبلور أو تقطير أو استخلاص. وكذلك العقل يحتاج إلى تنقية مستمرة؛ تنقية من الشائعات، ومن الأوهام، ومن التعصب، ومن الأفكار التي تسللت إليه دون اختبار. والعقل الذي لا يمارس التنقية الفكرية يشبه محلولا تترك فيه الشوائب حتى تتراكم؛ ومع الوقت يصبح من الصعب معرفة ما هو أصلي وما هو دخيل. أما القلب السليم، فإنه يمثل في الكيمياء الفكرية وسطًا أكثر اتزانا؛ لا يسمح لكل مادة غريبة أن تستقر فيه، ولا لكل فكرة عابرة أن تتحول إلى حقيقة، بل يملك قدرة على التمييز والمقاومة. ولهذا فإن المعركة بين الحق والباطل ليست فقط معركة من يملك صونا أعلى، أو قدرة أكبر على الانتشار، وإنما هي في جوهرها معركة كيميائية على تركيب الإنسان نفسه. من يدخل إلى عقله؟، ما الذي يستقر في قلبه؟، ما الأفكار التي تتفاعل داخله؟، وما النواتج التي ستخرج من هذا التفاعل إلى سلوكه وحياته؟.

إن أخطر ما في سباق العقول أن الإنسان قد يظن أنه يختار أفكاره بحرية، بينما تكون بعض أفكاره قد تشكلت داخله عبر تفاعلات طويلة لم ينتبه إليها. ومن هنا تقول الكيمياء الفكرية:

راقب ما يدخل عقلك؛ لأن بعض الأفكار لا تأتي لتسكن فيه، بل تأتي لتعيد تشكيله.

فالحق يسعى إلى أن يحرر العقل، بينما يسعى الباطل إلى امتلاك العقل. والحق يبني وعيًا قادرًا على السؤال، بينما الباطل يصنع يقينًا لا يسمح بالسؤال. والحق يرفع الإنسان من داخله، بينما الباطل يعيد تشكيله حتى يصبح أسيرًا لما أُدخل إليه. وفي النهاية، قد لا تكون أخطر المعارك هي تلك التي نسمع أصواتها، وإنما تلك التي تحدث في صمت داخل الإنسان.

فالمعركة الكبرى ليست على من يملك الأرض فقط، بل على من يملك مفاتيح العقول. ومن يسبق إلى العقل، قد يملك القدرة على تشكيل السلوك. ولهذا فإن السباق إلى العقول هو أخطر سباق في تاريخ الإنسان؛ لأن الفائز فيه لا يكسب موقفًا فقط، بل قد يعيد تشكيل إنسان كامل.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51