كيمياء الذكاء الاصطناعي

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

مع كل تطور تكنولوجي عظيم، تظهر إلى جواره شوائب لم تكن في أصل الفكرة، وكأن كل مادة نقية لا بد أن تواجه يوما اختبارا يكشف مقدار نقائها.

وهكذا كان الذكاء الاصطناعي. لم تأت هذه التكنولوجيا لتسرق من الإنسان عقله، وإنما جاءت لتوسع قدرته على استخدامه، ولم تخلق لتصنع إنسانا جديدا، وإنما لتمنح الإنسان أداة جديدة يستطيع بها أن يبحث، ويحلل، ويكتب، ويبتكر، ويقترب من مناطق كانت إلى وقت قريب عصية على قدراته.

لكن المشكلة لم تكن يوما في الأداة، وإنما في اليد التي تمسك بها. ففي الكيمياء، قد تكون المادة نافعة في تركيب، وخطرة في تركيب آخر؛ وقد يكون العنصر نفسه جزءا من دواء ينقذ حياة، أو جزءا من مركب سام إذا أسيء استخدامه. وكذلك التكنولوجيا؛ قيمتها لا تتحدد بما تستطيع أن تفعله فقط، وإنما بمن يستخدمها، ولماذا يستخدمها، وإلى أي حد يمتلك من الوعي ما يمنعه من تحويل النعمة إلى نقمة.

ومن هنا تبدأ كيمياء الذكاء الاصطناعي. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لهذه التكنولوجيا ليس أن تخطئ الآلة، وإنما أن يستخدم الإنسان دقتها ليخفي بها جهله، وسرعتها ليستر بها عجزه، وقدرتها على إنتاج النصوص ليصنع لنفسه مجدا لم يصنعه بيده. فتجد من يستعين بالآلة لا ليطور فكره، وإنما ليصنع لنفسه صورة لا تشبه حقيقته؛ فيظهر في ثوب الأديب وهو لم يتذوق مشقة الأدب، ويتحدث بلسان العالم وهو لم يسلك طريق العلم، ويتحرش بالمصطلحات العلمية، ويزاحم أهل الاختصاص، ثم ينسب إلى نفسه ما لم يصنع، وكأن امتلاك الأداة أصبح في نظره امتلاكا للمعرفة.

وهنا يحدث التفاعل الأخطر. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنحك نصا، لكنه لا يستطيع أن يمنحك بالضرورة تجربة الكاتب. ويستطيع أن يصوغ لك معلومة، لكنه لا يمنحك تلقائيا رحلة العالم في الوصول إليها. ويستطيع أن يقلد أسلوبا، لكنه لا يستطيع أن يستعير منك سيرتك الفكرية. فالفارق بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي أداة للإبداع، ومن يستخدمه قناعا للادعاء، يشبه الفارق بين الكيميائي الذي يدخل المعمل ليكتشف تفاعلا جديدا، ومن يدخل إليه ليضع اسمه على تجربة لم يجرها. الأول يستخدم التكنولوجيا، والثاني تستخدمه التكنولوجيا.

والإنسان حين يفرط في تحميل الإناء بما لا يحتمل، لا يعود الإناء قادرا على التمييز بين ما هو نقي وما هو ملوث. وكذلك الفضاء الرقمي؛ كلما امتلأ بالنصوص المصنوعة، والادعاءات المزيفة، والمعلومات غير المراجعة، والصور الفكرية المصطنعة، أصبح من الصعب على القارئ أن يميز بين العالم الحقيقي ومن يرتدى معطف العالم. وهنا لا تتلوث التكنولوجيا وحدها، بل تتلوث الثقة. والثقة إذا تلوثت، احتاج المجتمع إلى وقت طويل حتى يعيد تنقيتها.

إن الذكاء الاصطناعي، في جوهره، يشبه السكين؛ تستطيع أن تستخدمها في إعداد طعامك، ويمكن أن تستخدمها في إيذاء إنسان. ولا أحد يلوم السكين على نية اليد التي أمسكت بها. وكذلك الذكاء الاصطناعي، ليس شرا في ذاته، وليس خيرا في ذاته؛ إنه قدرة تتشكل أخلاقيا وفق الإنسان الذي يستخدمها. ولهذا فإن الاقتراب من محاكاة العقل البشري يجب أن يجعلنا أكثر وعيا بتاريخ هذا العقل، لا أكثر غرورا بقدرات الآلة.

فالعقل البشري نفسه يحمل في داخله قابيل وهابيل؛ يحمل القدرة على القتل والقدرة على الصفح، يحمل يوسف الذي واجه أذى إخوته بالغفران، ويحمل نموذج المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال لأهل مكة بعد ما لقيه منهم: ” اذهبوا فأنتم الطلقاء” . إذن ليست المشكلة في أن نصنع آلة تحاكي العقل، وإنما في أن نسأل: أي عقل نحاكي؟. هل نحاكي عقلا يعرف العلم ويقدس الحقيقة؟، أم نحاكي عقلا يبحث عن الشهرة بأي ثمن؟. وهل نريد تكنولوجيا تزيد الإنسان تواضعا أمام اتساع المعرفة؟، أم تكنولوجيا تمنح المتعالم وسيلة  جديدة ليبدو عالما؟. وهنا يبلغ التفاعل ذروته؛ لأن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الأخلاق من العدم، وإنما يكشف كثيرا مما يسكن في الإنسان. فإذا دخلت إليه رغبة فى المعرفة، خرجت منه أدوات للتعلم ، وإذا دخل إليه عقل مبدع، خرجت منه أفكار أكثر اتساعا ، وإذا دخل إليه باحث عن الحقيقة، ساعده على الاقتراب منها. أما إذا دخل إليه الغرور، فقد يمنح الغرور لسانا أطول، وإذا دخل إليه الادعاء، فقد يمنحه الادعاء مظهرا أكثر إقناعا. وهنا تصبح التكنولوجيا محفزا للتفاعل الأخلاقي؛ فهي لا تغير طبيعة المادة الداخلة إليها بالضرورة، لكنها قد تسرع ظهور ما كان مختبئا فيها.

ولعل أخطر قراصنة التكنولوجيا الحديثة ليسوا أولئك الذين يخترقون الأنظمة، وإنما أولئك الذين يخترقون وعي الناس؛ فيستعملون أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة صورة وهمية عن أنفسهم، ثم يطالبون الآخرين بتصديقها. إنهم يريدون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وأن ينسب إليهم ما لم ينتجوه، وأن تُمنح أسماؤهم مكانة لم تبنها سنوات العلم والتجربة. وهنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة للمعرفة، وإنما يتحول إلى مصنع للادعاء.

وفي الكيمياء الفكرية، لا يكفي أن نسأل: ماذا أنتج التفاعل؟. بل علينا أن نسأل أيضا: ماذا كان داخل الوعاء قبل أن يبدأ التفاعل؟. فالآلة قد تنتج نصا بليغا، لكن البلاغة لا تجعل صاحبها أديبا. وقد تنتج معادلة صحيحة، لكن المعادلة لا تجعل مستخدمها عالما. وقد تنتج بحثا منظما، لكن التنظيم لا يصنع باحثا. وقد تمنح الإنسان آلاف الكلمات، لكنها لا تمنحه بالضرورة كلمة واحدة صادقة من قلب تجربته.

لذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قوة الخوارزميات وحدها، وإنما سيحدده نضج الإنسان الذي يقف خلفها. فكلما ازدادت قوة الأداة، ازدادت مسؤولية اليد التي تستخدمها. وكلما اقتربت الآلة من محاكاة العقل، أصبح لزاما علينا أن نعيد اكتشاف أخلاق العقل. وهنا تكمن المعادلة:

تكنولوجيا بلا أخلاق = قدرة بلا بوصلة.

ذكاء اصطناعي بلا وعي = سرعة في الاتجاه الخطأ.

وعلم بلا أمانة = معرفة تتحول إلى خطر.

أما حين يلتقي العلم بالأخلاق، والتكنولوجيا بالوعي، والذكاء بالتواضع، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعود منافسا للإنسان، بل يصبح امتدادا لقدراته. فالآلة تستطيع أن تكتب عن الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون الإنسان. وتستطيع أن تحاكي صوته، لكنها لا تستطيع أن تمنحه أثرا حقيقيا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال عن قدرة الذكاء الاصطناعي:

إذا كانت الآلة قد أصبحت أكثر ذكاء… فهل أصبح الإنسان أكثر حكمة؟

فهذه هي النقطة التي يبدأ عندها التفاعل الحقيقي في كيمياء الإنسان والتكنولوجيا.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51