كيمياء الوقاحة

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

الأشياء لا تنبع من فراغ، فلكل شيء أصل، ولكل نتيجة بداية، ولكل سلوك نواة صغيرة تكبر حتى يصبح لها أثر يتجاوز صاحبها. والوقاحة كذلك لا تولد مكتملة؛ إنها تبدأ من شرارة، ثم تجد لها وسطًا مناسبًا، وطاقة تدفعها، وغيابًا للمقاومة يسمح لها بالتمدد.

في الكيمياء، لا يحدث التفاعل من تلقاء نفسه. لابد من مواد متفاعلة، ووسط ملائم، وطاقة تنشيط، ثم تبدأ الروابط القديمة في الانكسار لتتكون روابط جديدة. وكذلك الوقاحة؛ قد تبدأ بكلمة عابرة، أو تجاوز صغير، أو استخفاف بقاعدة، ثم لا تلبث أن تتحول من فعل إلى عادة، ومن عادة إلى سلوك، ومن سلوك إلى طبع يصعب فصله عن صاحبه.

والوقاحة في جوهرها ليست مجرد خروج عن الأدب، وإنما كسر متعمد للحدود التي تحفظ للناس مسافات الاحترام. إنها تجاوز للعرف حين يصبح العرف في نظر الوقح شيئًا لا يستحق الاعتبار، وتحد للقانون حين يتوهم أن القانون لا يطبق إلا على الآخرين.

وفي الكيمياء، إذا أضيفت مادة ملوثة إلى محلول نقي، فإن نقاء المحلول لا يمنع التلوث من الانتشار؛ فالجزيئات تتحرك حتى تصل إلى حالة من التجانس. كذلك الوقاحة حين تدخل بيئة ضعيفة المقاومة، فإنها لا تبقى محصورة في صاحبها، بل تبدأ في الانتشار من حوله، حتى يصبح الصمت عليها جزء من الوسط الذي يسمح لها بالبقاء.

فالوقاحة تحتاج إلى وسط كما يحتاج التفاعل الكيميائي إلى وسط مناسب.

وحين يجد الوقح من يخشاه، ومن يصمت عنه، ومن يفسر تجاوزه بأنه أمر عابر، يحصل على ما يشبه ” طاقة التنشيط ” التي يحتاجها التفاعل لكي يبدأ. وكلما قلت مقاومة المجتمع للسلوك المنحرف، أصبح انتشار الوقاحة أسرع، حتى يتحول الاستثناء إلى مألوف، والمرفوض إلى مقبول، والمخجل إلى شيء لا يستحق حتى الالتفات.

وفي الفيزياء، لا يتحرك الجسم من حالة إلى أخرى إلا إذا أثرت فيه قوة. وكلما زادت القوة المؤثرة، تغيرت حالته وفقا لمقدار المقاومة. وكذلك الوقاحة؛ قد تكون ضعيفة في بدايتها، لكنها تزداد عندما تجد أمامها فراغا في المقاومة، وقد تبلغ من القوة حدا يجعلها تبدو وكأنها هي القاعدة، بينما الحقيقة أن القاعدة لم تختف، وإنما تراجعت أمام قوة التجاوز.

والأخطر أن الوقاحة لا تحتاج دائمًا إلى قوة كبيرة؛ يكفي أحيانًا أن تجد غيابًا للممانعة.

فالغاز المحصور في وعاء يتمدد عندما يجد منفذا، والماء يبحث عن مساره حين يجد ثغرة ما، والنار تنتشر حيث يتوافر لها الأكسجين. وكذلك السلوك الوقح؛ يبحث عن الثغرات، ويتسلل من خلالها، ويزداد كلما اكتشف أن لا أحد يريد إيقافه.

وفي الأحياء، للكائنات الدقيقة قدرة مذهلة على التكاثر متى توافرت لها البيئة المناسبة. لا تحتاج البكتيريا إلى إذن لكي تنتشر؛ يكفيها غذاء وحرارة ورطوبة وغياب ما يحد من نموها. وهنا تكمن المفارقة: البيئة قد تكون أحيانا شريكا في صناعة المشكلة.

فالوقح لا يعيش وحده في صناعة وقاحته؛ هناك دائمًا وسط يسمح لها بالنمو.

وحين يصبح الخوف هو الحارس، والصمت هو القانون، والمجاملة هي المعيار، فإن الوقاحة تجد بيئة خصبة. يبدأ الأمر بواحد يتجاوز، ثم يتعلم الآخرون أن التجاوز ممكن، ثم يأتي ثالث فيزيد عليه، حتى يتحول الأمر إلى سلسلة من التفاعلات المتتابعة.

إنها أشبه بتفاعل متسلسل؛ يبدأ بجسيم واحد، ثم ينتج عنه ما يطلق جسيمات أخرى، فتتوالى الأحداث بسرعة أكبر مما يتوقعه الجميع.

ولهذا فإن أخطر ما في الوقاحة ليس وقاحة الفرد وحدها، وإنما قدرتها على صناعة مناخ يشجع على المزيد منها.

وفي الكيمياء، قد تفسد قطرة صغيرة محلولا كاملا إذا كانت تحمل مادة شديدة التأثير. وفي البيئة، قد تؤدي كمية محدودة من ملوث إلى خلل يمتد أثره إلى الماء والتربة والكائنات الحية. وكذلك الإنسان الوقح؛ قد يكون فردا واحدا، لكن أثره قد يتجاوز حجمه بكثير، إذا وجد من يسمح له بأن يكون مصدرا مستمرا للتلوث الأخلاقي.

فكما أن التلوث البيئي لا يتوقف عند مصدره، فإن التلوث السلوكي لا يبقى داخل صاحبه.

تلوث الماء يمكن أن يصل إلى النبات، والنبات إلى الحيوان، والحيوان إلى الإنسان. إنها سلسلة انتقال لا تعرف الحدود. وكذلك الكلمة الجارحة قد تنتقل من شخص إلى آخر، والسلوك السيئ قد يصبح نموذجا يقلده آخرون، والاعتداء على قاعدة واحدة قد يفتح الباب أمام الاعتداء على قواعد أخرى.

وهنا تصبح الوقاحة أشبه بملوث لا يرى بالعين، لكنه يكتشف من آثاره.

والوقح، في هذا المعنى، لا يحمل الوقاحة في لسانه فقط؛ بل تصبح جزءًا من ” تركيبه السلوكي”. ينضح بها في حديثه، وفي تعامله، وفي نظرته إلى الآخرين، حتى يبدو الأمر وكأنها تسرى فيه مجرى الدم.

لكن الدم نفسه لا يبقى نقيا إذا دخلته مادة سامة.

وكذلك الإنسان؛ قد تتراكم داخله الشوائب السلوكية حتى يصبح ما كان في البداية فعلاعارضا جزءا من بنيته النفسية والأخلاقية.

ولعل أكثر ما يمنح الوقاحة قدرتها على الاستمرار هو أن كثيرين يخلطون بين القوة والوقاحة.

القوة تستطيع أن تضبط نفسها، أما الوقاحة فتفقد السيطرة على نفسها.

القوة تعرف حدودها، أما الوقاحة فتعتبر الحدود عائقا.

القوة تحمى، أما الوقاحة فتعتدى.

وفي الفيزياء، ليست كل قوة تؤدي إلى حركة عشوائية؛ فالقوة المنضبطة يمكن أن توجه الحركة نحو هدف. أما القوة بلا اتجاه، فإنها قد تبدد الطاقة دون أن تصنع إنجازا.

وكذلك الإنسان القوي حقا ليس من يرفع صوته على الآخرين، وإنما من يمتلك القدرة على ضبط نفسه حين يستطيع أن يتجاوز.

فالاحترام ليس ضعفا، كما أن الوقاحة ليست قوة.

إنها فقط طاقة بلا انضباط.

والأغرب أن الوقاحة قد تبدأ أحيانا من شعور زائف بالتفوق. وكأن الوقح يعتقد أن مكانته تمنحه الحق في أن يتجاوز، وأن معرفته تمنحه الحق في أن يهين، وأن سلطته تمنحه الحق في أن يفرض نفسه.

لكن الطبيعة لا تعرف الألقاب.

في الكيمياء، لا يتغير قانون التفاعل لأن الجزيء ” مهم “، وفي الفيزياء لا تتوقف الجاذبية احتراما لمكانة أحد، وفي الأحياء لا تمنح الخلية امتيازا لأنها تعتقد أنها أفضل من غيرها.

القوانين تعمل على الجميع.

ولهذا فإن الوقاحة، مهما تضخمت، تظل في النهاية خللا في الاتزان.

والاتزان لا يعني أن كل شيء ساكن، وإنما يعني أن القوى المتعارضة وصلت إلى حالة تمنع أحدها من ابتلاع الآخر. فإذا اختل الاتزان، تحرك النظام نحو حالة جديدة.

وهنا تبدأ مسؤولية المجتمع.

فإذا واجهت الوقاحة حدودا واضحة، انكمشت.

وإذا واجهت صمتا دائما، تمددت.

وإذا واجهت قانونا عادلا، توقفت عند حدها.

وإذا واجهت خوفا مستمرا، تحولت إلى ظاهرة.

لذلك ليست مواجهة الوقاحة انتقاما من شخص، وإنما إعادة للاتزان إلى الوسط.

فالبيئة النظيفة لا تحافظ على نقائها بمجرد تمنى ذلك، وإنما بإزالة مصادر التلوث ومنع تكرارها. والمجتمع النظيف أخلاقيا لا يحافظ على قيمه بالكلام وحده، وإنما بوجود قواعد واضحة، وحدود محترمة، ومحاسبة عادلة.

وفي النهاية، قد يكون الوقح صغير الحجم، لكنه كبير الأثر؛ تماما كذرة من مادة ملوثة قادرة على تغيير خصائص وسط كامل.

وقد يكون صوته مرتفعا، لكن ارتفاع الصوت لا يعني ارتفاع القيمة.

وقد يفرض وجوده على الآخرين، لكن فرض الوجود لا يعني استحقاق الاحترام.

فالوقاحة ليست قوة، وإنما خلل.

وليست شجاعة، وإنما تجاوز.

وليست حرية، وإنما انفلات.

وحين تترك الوقاحة بلا مقاومة، فإنها لا تظل وقاحة فرد، بل تتحول إلى ثقافة، والثقافة حين تفسد تصبح بيئة، والبيئة الفاسدة تنتج المزيد من الفساد.

وهكذا، كما تبدأ التفاعلات الكيميائية من ذرة، وتبدأ الانهيارات من شرخ، وتبدأ العدوى من كائن مجهري، وقد تبدأ الوقاحة من كلمة واحدة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: من أين بدأت الوقاحة؟

بل: كم واحدا منا سمح لها أن تكمل التفاعل؟


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51