هويتي في بصمة بناني

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

كلمة  ” البصمة  تحمل في طياتها معاني متعددة؛ فهي في اللغة أثرٌ وتوقيعٌ وعلامةٌ تبقى، أما في المفهوم العلمي والأمني فهي تمثل توقيعًا بيومتريًا فريدًا يحمله الإنسان ويميزه عن غيره طوال حياته، بل ويظل شاهدًا على هويته حتى بعد رحيله.

تبدأ بصمة الإنسان في وقت مبكر من تكوّنه جنينًا؛ إذ تتشكل الخطوط والتعرجات الدقيقة على أطراف الأصابع خلال مراحل مبكرة من الحمل، ثم تستقر هذه السمات وتظل ثابتة لا تتغير جوهريًا طوال حياة الإنسان. وهنا تتجلى واحدة من أروع صور التفرد الإنساني؛ فلكل إنسان بصمته الخاصة، حتى إن التوائم المتماثلة، رغم اشتراكها في المادة الوراثية نفسها ، لا تحمل بصمات أصابع متطابقة، إذ تتأثر عملية تكوّنها بعوامل دقيقة أثناء نمو الجنين داخل الرحم، من بينها الضغوط والحركة والظروف المحيطة بالجنين.

والأكثر إثارة للتأمل أن موضع هذه البصمة هو  ” البنان “؛ أي أطراف الأصابع، ذلك الجزء الدقيق من جسد الإنسان الذي يحمل علامة خاصة لا تتكرر. وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: ” أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ” ، سورة القيامة: 3–4.

فالبنان ليس مجرد طرف من أطراف الجسد، وإنما يحمل توقيعًا خاصًا بالإنسان، وكأن كل واحد منا يحمل في جسده تعريفه الذي يقول: أنا أنا… ولست أحدًا غيري.

وعبر التاريخ، انتقلت البصمة من كونها مجرد علامة يستخدمها الإنسان لإثبات حضوره أو موافقته، إلى أداة علمية دقيقة للتعرف على الهوية. ففي الحضارات القديمة، استُخدمت آثار الأصابع في بعض المعاملات والوثائق؛ وتشير الأدلة التاريخية إلى استخدام بصمات الأصابع على الألواح الطينية في بلاد الرافدين، كما عُرفت استخدامات لبصمات الأصابع أو الإبهام في الصين القديمة لتوثيق بعض الوثائق والمعاملات.

ثم بدأت البصمة تدخل عصرها العلمي الحديث تدريجيًا. ففي عام 1684، قدم الطبيب الإنجليزي نيهيميا غريو وصفًا علميًا للخطوط والنتوءات الموجودة على أصابع اليد وراحة الكف. ثم جاء يوهان كريستوف أندرياس ماير عام 1788 ليسهم في ترسيخ فكرة اختلاف أنماط هذه الخطوط من شخص إلى آخر.

وفي القرن التاسع عشر، أخذ علم البصمات شكله الأكثر وضوحًا؛ فأسهم وليام جيمس هيرشل في ترسيخ مفهوم ثبات أنماط البصمات، بينما أسهم الطبيب الإنجليزي هنري فولدز في تطوير وسائل تسجيل البصمات باستخدام الحبر، ثم جاء العالم البريطاني فرانسيس غالتون ليضع أسسًا علمية مهمة لتصنيف البصمات ودراسة تفردها وثباتها.

ومع بدايات القرن العشرين، انتقلت البصمة من الدراسات العلمية إلى المجال الأمني والقانوني، وأصبحت وسيلة رئيسية للتعرف على الأشخاص والتحقيق في الجرائم، حتى غدت جزءًا أساسيًا من منظومة إثبات الهوية.

ومع التطور المتسارع للعلم والتكنولوجيا، لم يعد مفهوم البصمة قاصرًا على الخطوط الدقيقة التي تكسو أطراف الأصابع، بل اتسع ليشمل مجموعة من السمات الحيوية الفريدة. فهناك بصمة العين، بما تحمله القزحية والشبكية من أنماط دقيقة، وبصمة الصوت التي تعتمد على خصائص صوتية مميزة لكل إنسان، وبصمة الوجه التي تستخدم تقنيات التعرف الحيوي لتحليل ملامح الوجه وأبعاده، ثم البصمة الوراثية التي تكشف عن الخصائص الجينية المميزة للإنسان.

وهكذا أصبح الجسد نفسه يحمل مجموعة من التوقيعات التي تقول للعالم: هذا أنا.

لكن الإنسان لم يعد يترك بصمته على الأشياء في العالم المادي فقط، بل أصبح يتركها أيضًا في العالم الافتراضي؛ إنها البصمة الرقمية.

فكلما تصفحنا موقعًا، أو نشرنا صورة، أو كتبنا تعليقًا، أو أبدينا إعجابًا، أو بحثنا عن معلومة، أو تفاعلنا مع محتوى معين، فإننا نترك وراءنا أثرًا رقميًا يسهم في تكوين صورة عن اهتماماتنا وتفضيلاتنا وسلوكياتنا.

وهذه البصمة الرقمية تحمل وجهين متناقضين؛ فهي من ناحية تسهم في تحسين الخدمات وتخصيص المحتوى وتحليل البيانات، لكنها من ناحية أخرى تطرح أسئلة مهمة حول الخصوصية والأمان وحدود ما نتركه خلفنا في الفضاء الرقمي. وكما أن بصمة الإصبع يمكن أن تدل على صاحبها، يمكن للبصمة الرقمية أيضًا أن ترسم ملامح صاحبها دون أن يراه أحد.

لكن البصمة في معناها الأعمق ليست ما تتركه أصابعنا فقط.

فقد يرحل الإنسان، لكن بصمته لا ترحل معه. قد تكون البصمة كلمة طيبة قالها فغيّرت إنسانًا، أو علمًا علّمه لطالب عالم، أو فكرةً تركت أثرًا في عقل، أو عملًا بقي نفعه بعد غيابه.

فليس كل أثر يُرى بالعين، وليس كل بصمة تُلتقط بالحبر.

هناك بصمة على الجلد، وبصمة في الجينات، وبصمة في العين، وبصمة في الصوت، وبصمة على الشاشة… لكن أعمق البصمات جميعًا هي البصمة التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين.

وفي النهاية، تتجلى عظمة الخالق في هذا التفرد المدهش؛ فكل إنسان يأتي إلى هذا العالم وهو يحمل توقيعه الخاص، ثم يمضي تاركًا وراءه آثارًا قد تبقى طويلًا بعد غيابه.

إن بصمتي ليست مجرد خطوط منقوشة على بناني، ولا شفرةً محفوظة في قاعدة بيانات، ولا أثرًا رقميًا على شاشة.

بصمتي هي هويتي… ومسؤوليتي… وما أتركه خلفي.

فالسؤال الحقيقي ليس: ما بصمتك؟

بل:

ماذا ستترك من بصمتك حين ترحل؟.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51