ثعبان فرعون… عندما تتحول الكيمياء إلى كائنٍ يزحف أمام عينيك

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

في عالم الكيمياء، هناك تفاعلات لا تكتفي بأن تغيّر تركيب المادة، بل تمنحنا مشاهد تكاد تتحدى ما اعتدنا أن نراه في المختبر. ومن أكثر هذه الظواهر إثارة ما يُعرف باسم «ثعبان فرعون» (Pharaoh’s Serpent)، ذلك التفاعل الكيميائي الذي تتحول فيه كمية صغيرة من مادة أولية إلى كتلة طويلة ملتوية، تتمدد أمام العين في هيئة تشبه الثعبان، وكأن شيئًا حيًا يخرج من قلب التفاعل ويبدأ في النمو.

ورغم الاسم المثير، فإن «ثعبان فرعون» لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالفراعنة أو بالحضارة المصرية القديمة، وإنما جاء الاسم من الشكل الغريب للناتج الذي يشبه الثعبان. وقد عُرفت هذه التجربة منذ زمن طويل ضمن العروض الكيميائية التي تهدف إلى إظهار قدرة التفاعلات على إحداث تغيرات مرئية ومفاجئة في المادة.

كانت بعض الصور التقليدية لهذه التجربة تعتمد على مركب ثيوسيانات الزئبق Hg(SCN)₂، الذي يؤدي تسخينه إلى تحلل حراري سريع ينتج عنه عدد من المواد الصلبة والغازية. ويؤدي انطلاق الغازات وتكوين مواد صلبة منخفضة الكثافة ومسامية إلى دفع الناتج إلى الخارج، فيتكون جسم طويل متعرج يشبه الثعبان. ولهذا السبب تحديدًا أصبحت التجربة واحدة من أشهر الظواهر الكيميائية الاستعراضية، رغم أن استخدام مركبات الزئبق يجعل هذه الطريقة التقليدية غير مناسبة للتجارب المنزلية أو العروض التعليمية غير المجهزة.

والمدهش في المشهد أن كمية صغيرة من المادة يمكن أن تنتج جسمًا يبدو أكبر منها بكثير. وهنا لا يكون الأمر معجزة ولا اختفاءً للمادة وظهورها من جديد، وإنما نتيجة طبيعية لإعادة ترتيب الذرات أثناء التفاعل وتكوين مواد جديدة، إلى جانب انطلاق الغازات التي تعمل على تكوين بنية إسفنجية شديدة المسامية. ولذلك فإن الحجم الظاهري للناتج قد يكون كبيرًا جدًا مقارنة بكمية المادة الأصلية، لأن جزءًا كبيرًا من هذا الحجم يتكون من الفراغات والمسامات داخل البنية الجديدة.

إن ما يحدث أمام العين يمكن اختصاره في سلسلة من التحولات المتتابعة: مادة تتعرض للحرارة، فتتحلل، وتنطلق منها غازات، وتتكون مواد صلبة جديدة، ثم تدفع الغازات هذه المواد إلى الخارج، فتتراكم في صورة طويلة ملتوية. وما يبدو وكأنه نمو لكائن حي ليس إلا نتيجة لتفاعل كيميائي تتداخل فيه الكيمياء مع الفيزياء في مشهد واحد؛ تحلل، وانطلاق غازات، وتمدد، وتراكم، وتكوين لبنية جديدة.

وهنا تكمن روعة الكيمياء؛ فهي لا تحتاج إلى أن تصنع كائنًا حيًا لكي تمنحنا مشهدًا يشبه الحياة. فالثعبان لا يمتلك خلايا، ولا عضلات، ولا جهازًا عصبيًا، ولا إرادة للحركة، ومع ذلك يبدو للحظة وكأنه يولد وينمو أمامنا. إن «النمو» الذي نراه ليس نموًا بيولوجيًا، وإنما نمو مادي ناتج عن استمرار التفاعل وتراكم النواتج.

ولعل هذه التجربة تقدم لنا درسًا يتجاوز حدود المختبر. ففي الكيمياء، لا تختفي المادة لمجرد أننا لم نعد نراها، ولا تظهر الأشياء من العدم. الذرات تعيد ترتيب نفسها، والروابط تتكسر وتتكون، والغازات غير المرئية قد تكون هي القوة التي تصنع أمامنا جسمًا مرئيًا، والحرارة التي تبدو مجرد طاقة قد تكون الشرارة التي تبدأ سلسلة كاملة من التحولات.

ثعبان فرعون إذن ليس مجرد تجربة طريفة أو مشهد مثير للدهشة، وإنما صورة بصرية مكثفة لفكرة جوهرية في الكيمياء: المادة في حالة تحول دائم، والشكل الذي نراه ليس إلا مرحلة مؤقتة في رحلة طويلة من إعادة الترتيب.

وربما لهذا السبب تبدو الكيمياء أحيانًا أقرب إلى الفلسفة منها إلى المعادلات. فالمادة التي تبدو ساكنة يمكن أن تحمل في داخلها إمكانية التحول، والشيء الصغير يمكن أن يصنع أثرًا أكبر من حجمه، والمادة التي تبدو جامدة يمكن أن تبدو وكأنها تنمو وتتحرك عندما تتغير الظروف المحيطة بها.

ومن هنا يمكن النظر إلى «ثعبان فرعون» باعتباره درسًا في فلسفة التحول: لا تحكم على المادة من شكلها الأول، ولا تقيس إمكاناتها بحجمها الظاهر، لأن التفاعل قادر على أن يمنحها شكلًا جديدًا، وبنية جديدة، وخواص جديدة، بل ومشهدًا يوحي للحظة بأنها أصبحت شيئًا آخر تمامًا.

إن الثعبان الذي يولد من التفاعل لا يعيش، ولكنه يعلّمنا. لا يتحرك بإرادته، ولكنه يكشف لنا أثر الطاقة. لا ينمو بالمعنى البيولوجي، ولكنه يبرهن على أن المادة قادرة على إعادة تشكيل نفسها بصورة مدهشة.

وهكذا يقف «ثعبان فرعون» بين الكيمياء والدهشة، ليقول لنا إن المختبر ليس مكانًا للمعادلات فقط، بل مسرحًا للتحولات؛ وأن وراء كل ظاهرة مدهشة قانونًا يحكمها، ووراء كل شكل جديد ذرات أعادت ترتيب نفسها، ووراء كل تحول قصة كيميائية تستحق أن تُروى.

ففي الكيمياء، قد لا تكون المادة هي التي تحيا… وإنما القوانين هي التي تتحرك من خلالها.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51