لم تعد الطحالب مجرد كائنات حية تعيش في البيئات المائية، أو مادة هامشية تقتصر أهميتها على الدراسات البيولوجية والبيئية، وإنما أصبحت في العقود الأخيرة أحد الموارد الحيوية الواعدة التي يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد أكثر استدامة، خاصة مع تنامي الحاجة إلى مصادر جديدة للغذاء والطاقة والأسمدة والمواد الحيوية، والبحث عن حلول مبتكرة لمشكلات المياه والمخلفات والتلوث.
وتزداد أهمية هذا المورد في مصر بصورة خاصة، في ضوء امتلاك الدولة سواحل طويلة، وبيئات مائية متنوعة، ومصادر متعددة للكتلة الحيوية البحرية، إلى جانب قاعدة علمية وبحثية متخصصة يمكنها تحويل هذه الموارد من إمكانات طبيعية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية.
وتأتي الإسبيرولينا في مقدمة الطحالب التي حظيت باهتمام بحثي وتطبيقي واسع، لما تتميز به من محتوى غذائي مرتفع، وخاصة البروتين والأحماض الأمينية وبعض الفيتامينات والمعادن والمركبات الحيوية.
ولا تكمن أهمية الإسبيرولينا في قيمتها الغذائية وحدها، وإنما في إمكانية زراعتها وإنتاجها في نظم إنتاجية تختلف عن الزراعة التقليدية، بما يفتح المجال أمام استغلال بعض المناطق الصحراوية أو الهامشية، واستخدام المياه المناسبة وفق ضوابط الجودة والسلامة.
كما أن الخطأ الذي قد يحد من القيمة الاقتصادية للطحالب هو النظر إليها باعتبارها مادة خام لمنتج واحد فقط. أما الرؤية الأكثر تطورًا فهي التعامل معها باعتبارها مصنعًا حيويًا متكاملًا؛ حيث يمكن فصل المركبات ذات القيمة الاقتصادية الأعلى أولاً، مثل البروتينات والأصباغ والزيوت والمركبات الحيوية، ثم توجيه الكتلة المتبقية إلى تطبيقات أخرى، مثل الأسمدة أو الأعلاف أو الطاقة أو المعالجة البيئية. وهذا هو جوهر مفهوم التكرير الحيوي للطحالب ، الذي يحول وحدة واحدة من الكتلة الحيوية إلى مجموعة من المنتجات، بدلاً من استهلاكها بالكامل في مسار واحد. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الاقتصاد الدائري؛ لأنها تقلل الفاقد، وتزيد القيمة المضافة، وتفتح المجال أمام إنشاء صناعات متعددة حول المادة الخام نفسها.
ولا ينبغي أن تتوقف الرؤية الوطنية عند الطحالب وحدها؛ فمخلفات الأسماك والقشريات تمثل مورداً آخر يمكن إدخاله في منظومة الاقتصاد الحيوي.
فبدلاً من التخلص من هذه المخلفات وما قد يصاحب ذلك من أعباء بيئية، يمكن معالجتها لإنتاج هيدروليزات السمك (متحلل بروتين السمك)، والأحماض الأمينية، والأسمدة العضوية السائلة، وغيرها من المنتجات الحيوية.
كما يمكن الاستفادة من قشور القشريات في إنتاج الكيتين والكيتوزان، وهما من المواد الحيوية ذات التطبيقات المتعددة في الزراعة والبيئة والصناعات الحيوية.
وهنا يتحول مفهوم «المخلفات» جذريًا؛ فما كان يمثل تكلفة للتخلص منه يمكن أن يصبح مادة خام لصناعة جديدة.
تمثل الزراعة أحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من الطحالب ومشتقاتها.
فمستخلصات الطحالب تحتوي على مجموعة من المركبات التي يمكن أن تؤثر في نمو النبات واستجابته للظروف البيئية، ولذلك يجري بحث استخدامها كمحفزات حيوية للنمو، وكمكونات في الأسمدة والمخصبات الحيوية. حيث يمكن استخدام مستخلصات الطحالب في تحسين الإنبات والنمو الخضري وكفاءة الاستفادة من العناصر الغذائية، إضافة إلى تعزيز قدرة النباتات على مواجهة بعض صور الإجهاد البيئي، مثل الملوحة والجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
كما يمكن دمج هذه المنتجات مع الأحماض الهيومية والكمبوست والفيرمي كومبوست، بما يسمح بتطوير حزم تسميد حيوية متكاملة تتناسب مع احتياجات المحاصيل المختلفة.
ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام أن الطحالب يمكن أن تؤدي دورًا مزدوجًا: فهي منتج حيوي من ناحية، وأداة لمعالجة بعض البيئات المائية من ناحية أخرى.
فالطحالب قادرة على امتصاص بعض المغذيات والعناصر من المياه، وهو ما يفتح المجال أمام استخدامها في بعض نظم المعالجة الحيوية للمياه ومياه الاستزراع السمكي، مع إمكانية الاستفادة من الكتلة الحيوية الناتجة وفق طبيعتها ومستوى الملوثات بها. كما يمكن استخدام الطحالب في إزالة بعض المعادن الثقيلة من المياه، وهو مجال يجمع بين الإنتاج الحيوي وحماية البيئة. ومن هنا يمكن تصور نظم متكاملة لا تكون فيها معالجة المياه مرحلة منفصلة عن الإنتاج، بل جزءًا من دورة حيوية واقتصادية أكبر.
كما تمتد التطبيقات كذلك إلى قطاعي الإنتاج الحيواني والسمكي. فالطحالب يمكن أن تمثل مصدراً للبروتين والأحماض الأمينية والفيتامينات والمعادن وبعض المركبات ذات النشاط الحيوي، ولذلك تناولت دراسات مصرية استخدام أنواع مختلفة من الطحالب في علائق الدواجن والحيوانات والأسماك، ودراسة تأثيرها في بعض مؤشرات النمو والمناعة وكفاءة الاستفادة من الغذاء.
وفي الاستزراع السمكي تحديدًا، يمكن استخدام بعض الطحالب الدقيقة في تغذية الأسماك ويرقاتها، حيث تم استخدام الإسبيرولينا والكلوريلا في علائق بعض أنواع الأسماك.
وهذا يضع الطحالب ضمن منظومة أوسع للأمن الغذائي، لا باعتبارها غذاءً للإنسان فقط، وإنما باعتبارها موردًا متعدد الاستخدامات داخل سلسلة الإنتاج الغذائي بأكملها.
كما تفتح الطحالب أيضًا الباب أمام تطبيقات أكثر تقدمًا في التكنولوجيا الحيوية. فقد تناولت بعض الدراسات استخدام مستخلصات الطحالب في التخليق الأخضر للجسيمات النانوية، ومنها جسيمات الفضة والذهب وأكسيد الزنك وأكسيد الحديد. ويتميز التخليق الأخضر بإمكان الاستفادة من المركبات الحيوية الموجودة في المستخلصات الطبيعية في عمليات الاختزال والتثبيت، وهو مجال بحثي واعد يمكن أن يربط بين الموارد الطبيعية والتكنولوجيا النانوية. وتناولت دراسات أخرى مستخلصات الطحالب والكائنات البحرية كمصادر لمركبات ذات نشاط مضاد للأكسدة أو مضاد للميكروبات، وغيرها من الأنشطة الحيوية، وهو ما يفتح مجالات بحثية في الغذاء والصحة والدواء ومستحضرات التجميل، مع ضرورة الالتزام بمتطلبات السلامة والاختبارات والتسجيل قبل أي استخدام تجاري أو علاجي.
فالطحلب الذي يبدو صغيرًا في حجمه قد يحمل سلسلة كبيرة من المنتجات، ومخلفات الأسماك التي تبدو عبئًا بيئيًا يمكن أن تتحول إلى مادة خام، والبحث العلمي الذي يبقى حبيس المختبر يمكن أن يصبح صناعة إذا وُجدت له آلية صحيحة للانتقال إلى التطبيق.
وهنا تتجسد الفكرة الأوسع: أن الاقتصاد الحيوي لا يبدأ من المصنع، وإنما يبدأ من المعرفة؛ وأن الاقتصاد الدائري لا يبدأ من التخلص من المخلفات، وإنما من إعادة تعريفها كمورد؛ وأن البحث العلمي لا تكتمل قيمته عندما تُنشر نتائجه، بل عندما تتحول هذه النتائج إلى قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع والبيئة.
الطحالب إذن ليست مجرد نباتات مائية… إنها منصة وطنية محتملة للغذاء، والزراعة، والبيئة، والصناعة، والتكنولوجيا، وطريق جديد لتحويل الموارد الحيوية إلى اقتصاد أكثر استدامة.



