الجاليوم… الفلز الذي تحدّى المألوف

" أ. د. نصرالله محمد دراز " ، Prof. Dr. N. Deraz

هناك عناصر كيميائية تمرُّ في حياتنا دون أن نلتفت إليها، وهناك عناصر أخرى تفرض حضورها بمجرد أن نتعرف إلى خصائصها. ومن بين هذه العناصر يقف الجاليوم (Gallium, Ga) كواحد من أكثر عناصر الجدول الدوري إثارة للدهشة؛ فهو فلز، لكنه لا يتصرف دائمًا كما نتوقع من الفلزات.

في حضرة الجاليوم، لا تبدو الكيمياء مجرد مجموعة من الرموز والأرقام، وإنما تتحول إلى قصة عن التحول، ودرجة الحرارة، والبنية الذرية، والإلكترونات، وقدرة المادة على تغيير سلوكها عندما تتغير الظروف المحيطة بها.

يحمل الجاليوم العدد الذري 31، وينتمي إلى المجموعة 13 من الجدول الدوري، إلى جانب البورون والألومنيوم والإنديوم والثاليوم. وقد اكتشفه الكيميائي الفرنسي بول-إميل لوكوك دو بواسبودران عام 1875.

وكان اكتشاف الجاليوم مثالًا رائعًا على قوة التنبؤ العلمي؛ فقد كان وجود عنصر غير مكتشف متوقعًا بالفعل من خلال دراسة الجدول الدوري والخصائص الدورية للعناصر.

وهنا تظهر إحدى أجمل أفكار الكيمياء:

أحيانًا يستطيع العلم أن يتنبأ بوجود شيء قبل أن تراه العين.

فمندليف لم يكن يمتلك الجاليوم عندما وضع تصوره للجدول الدوري، لكنه ترك له مكانًا في البناء الدوري، ثم جاء الاكتشاف التجريبي ليؤكد أن الطبيعة كانت تخفي العنصر بالفعل.

ربما تكون أشهر خصائص الجاليوم هي درجة انصهاره المنخفضة نسبيًا، والتي تبلغ نحو 29.76 درجة مئوية. وهذا يعني أن قطعة من الجاليوم الصلب يمكن أن تبدأ في الانصهار عند تعرضها لحرارة اليد. إنها ظاهرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة من منظور علم المواد.

فالمادة الصلبة ليست ثابتة بصورة مطلقة؛ إذ إن ذراتها تهتز باستمرار. وعندما ترتفع درجة الحرارة تزداد الطاقة الحرارية لهذه الذرات، حتى تصل المادة إلى نقطة يصبح عندها ترتيبها الصلب غير مستقر بما يكفي، فتنتقل إلى الحالة السائلة.

الجاليوم هنا يقدم لنا درسًا مباشرًا:

الصلابة ليست صفة أبدية للمادة، وإنما حالة تحددها الطاقة والظروف.

إذا كان الجاليوم ينصهر بالقرب من درجة حرارة الغرفة، فإن درجة غليانه مرتفعة جدًا، وتبلغ نحو 2204 درجات مئوية. وهذه المسافة الكبيرة بين درجة الانصهار ودرجة الغليان تجعل الجاليوم يمتلك نطاقًا واسعًا من درجات الحرارة التي يبقى خلالها في الحالة السائلة.

وهذه الخاصية ترتبط بتطبيقات علمية وتقنية مهمة، فضلًا عن كونها تجعل الجاليوم مادة مثيرة للاهتمام في دراسات انتقال الحرارة والمواد ذات درجات الانصهار غير التقليدية.

عندما يتحول الجاليوم من الحالة الصلبة إلى السائلة، لا تتحول ذراته إلى عنصر آخر. يبقى العدد الذري 31، وتظل النواة هي نفسها، ولكن يتغير ترتيب الذرات وحركتها. وهنا ينبغي التمييز بين التغير الفيزيائي والتغير الكيميائي. ذوبان الجاليوم تغير فيزيائي؛ لأن المادة لم تتحول إلى مادة جديدة.

أما عندما يدخل الجاليوم في تفاعلات كيميائية ويكوّن مركبات، فإننا ننتقل إلى مستوى آخر من التحول، حيث تتغير الروابط الكيميائية وتتشكل مواد جديدة.

إن الجاليوم يذكرنا بأن:

تغير الحالة ليس تغيرًا في هوية العنصر، بينما تغير الروابط الكيميائية قد يصنع هوية مادية جديدة.

قد يبدو الجاليوم عنصرًا غريبًا للوهلة الأولى، لكن قيمته الحقيقية تظهر بصورة أكبر عندما ننتقل من المختبر إلى التكنولوجيا.

يدخل الجاليوم في صناعة مواد شبه موصلة مهمة، ومن أشهرها:

  • زرنيخيد الجاليوم (GaAs)  ، يتميز بخصائص إلكترونية تجعله مفيدًا في تطبيقات الاتصالات عالية التردد، والأجهزة الإلكترونية المتقدمة، وبعض تقنيات الطاقة الشمسية.
  • نيتريد الجاليوم   (GaN) ، أصبح من المواد المهمة في إلكترونيات القدرة والإضاءة والإلكترونيات عالية الأداء.
  • مركبات أخرى تعتمد على الجاليوم في تطبيقات الإلكترونيات والضوئيات.

وهنا تكمن المفارقة:

العنصر الذي يمكن أن يذوب في يدك يمكن أن يكون جزءًا من التكنولوجيا التي تعمل خلف شاشتك واتصالاتك وأجهزتك الإلكترونية.

لا تقتصر أهمية مركبات الجاليوم على الإلكترونيات، بل تمتد إلى مجال الإلكترونيات الضوئية    (Optoelectronics) .

فبعض مركبات الجاليوم تمتلك خصائص إلكترونية تسمح بتحويل الطاقة الكهربائية إلى ضوء أو التعامل مع الإشارات الضوئية. وقد أسهمت مركبات مثل نيتريد الجاليوم في تطوير تقنيات الإضاءة الحديثة، ولا سيما مصادر الضوء ذات الكفاءة العالية. وهكذا يتحول الجاليوم من مجرد عنصر في الجدول الدوري إلى مكوّن في منظومة التكنولوجيا الحديثة.

من الظواهر الكيميائية المثيرة للاهتمام قدرة الجاليوم على التأثير في الألومنيوم، إذ يستطيع اختراق البنية المعدنية للألومنيوم والتأثير في خواصه الميكانيكية. ويرتبط ذلك بتكوين سبائك وتغيرات في البنية المجهرية للمعدن، ولذلك فإن التعامل مع الجاليوم والألومنيوم يحتاج إلى وعي بخصائصهما وتفاعلاتهما.

وهذه الظاهرة تقدم مثالًا مهمًا على أن:

المادة لا تُقاس فقط بما نراه على سطحها؛ فالتحولات الحقيقية قد تبدأ على المستوى الذري والمجهري.

وهنا تبدأ الكيمياء في تجاوز المختبر.

فالجاليوم يعلمنا أن المادة قد تبدو ثابتة، بينما تكون في الحقيقة على استعداد دائم للتحول.

قطعة صلبة يمكن أن تصبح سائلًا.

ومادة ذات مظهر بسيط يمكن أن تدخل في صناعة أشباه الموصلات.

وعنصر واحد يمكن أن يكتسب قيمة مختلفة تمامًا عندما يتغير ترتيب ذراته أو عندما يدخل في مركب جديد.

وهذه ليست مجرد خاصية للجاليوم؛ إنها واحدة من القواعد الكبرى في عالم المادة:

الخصائص لا تعتمد على ماهية الذرات فقط، وإنما على كيفية اجتماعها وترابطها وترتيبها.

وإذا خرجنا قليلًا من المختبر، وجدنا أن هذه الفكرة تحمل معنى إنسانيًا أيضًا. قد يمتلك شخصان القدرات نفسها تقريبًا، لكن اختلاف البيئة، والترتيب، والعلاقات، والظروف المحيطة قد يجعل أداء كل منهما مختلفًا بصورة كبيرة.

فالكيمياء لا تقول لنا فقط إن الذرات مهمة، وإنما تقول إن طريقة انتظام الذرات مهمة أيضًا.

والجاليوم مثال حي على أن المادة لا تكشف كل أسرارها من النظرة الأولى.

قد ترى فلزًا.

ثم تقترب أكثر فتراه ينصهر.

ثم تدرسه على المستوى الذري فتكتشف عالمًا من الإلكترونات والروابط والطاقة.

ثم تنظر إلى تطبيقاته فتجده حاضرًا في قلب التكنولوجيا.

وهكذا ينتقل العنصر من مختبر الكيميائي إلى صناعة المستقبل.

ربما تكون أجمل رسالة يمكن أن نتعلمها من الجاليوم هي أن الحالة ليست قدرًا نهائيًا.

فالمادة تتغير عندما تتغير الطاقة والظروف.

والعنصر الذي يبدو جامدًا يمكن أن يصبح سائلًا.

والمادة التي تبدو بسيطة قد تكون أساسًا لتكنولوجيا معقدة.

ومن هنا يمكن أن نقول:

في حضرة الجاليوم، لا نشاهد فلزًا ينصهر فحسب؛ بل نشاهد درسًا كاملًا في فلسفة المادة:
أن الثبات قد يكون حالة مؤقتة، وأن التحول يبدأ عندما تتغير الظروف
.

وربما لهذا يستحق الجاليوم أن يحتل مكانًا خاصًا بين عناصر الجدول الدوري؛ ليس لأنه أغربها فحسب، وإنما لأنه يذكّرنا بأن الكيمياء علم التحول، وأن وراء كل تغير في الظاهر قصةً عميقةً تبدأ من الذرة.

وفى النهاية، نجد أن الجاليوم… عنصرٌ يذوب في اليد، لكنه لا يذوب من ذاكرة الكيمياء.


شارك المقالة
**مفكر وكاتب وأستاذ باحث أكاديمى، ** خبير  واستشارى المواد المتقدمة و النانوتكنولوجى، المركز القومى للبحوث، مصر،** صاحب ومؤسس منهج ‘الكيمياء الفكرية’ في تحليل السلوك والبنية المجتمعية" ، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية. ** مقالاتى العلمية والأدبية والقانونية، وأبحاثى وبراءات اختراعى العلمية المتخصصة، بمثابة صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، و وَقْفِيَّة عِلْمِيَّة تُبْرِزُ الْإِعْجَازَ العلمى والقانونى و روائعِ الأدب العربى مِنْ خِلَالِ مَقَاصِد العلم والأدب والقانون، بهدف إِثرَاءٌ الْفِكْرِ ونشر الوعى العلمى والقانونى والثقافى،.........﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: 51