رامي المعري.. عالم الكواكب المصري الذي حمل اسمَه كويكبٌ في السماء

شهد عبد القادر عبدو محمد

قصة رامي المعري، عالم الكواكب المصري الذي شارك في مهمة روزيتا الأوروبية إلى المذنّب، ووثّق أوّل انهيار جرفٍ على سطح مذنّب في التاريخ، حتى أطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسمه على كويكب: (357148) El-Maarry، واليوم يقود مركز علوم الفضاء في جامعة خليفة بأبوظبي.

هناك في الحزام الرئيسي للكويكبات، بين المريخ والمشتري، يدور صخرٌ فضائيٌّ صغير يحمل اسماً عربياً (357148) El-Maarry. إنه ليس مجرّد كويكبٍ عابر، بل تكريمٌ نادر منحه الاتحاد الفلكي الدولي لعالمٍ مصري وضع بصمته في فهم المذنّبات والكواكب: محمد رامي المعري. هذه قصة الفتى الذي درس الجيولوجيا في القاهرة، ليصبح أحد علماء مهمة روزيتا الأوروبية الأسطورية، ويوثّق ظواهر لم يرها بشرٌ من قبل على سطح مذنّب، حتى صار اسمه محفوراً في السماء.

من هو رامي المعري؟ من جيولوجيا القاهرة إلى مذنّبات أوروبا

بدأ محمد رامي المعري رحلته العلمية في جامعة القاهرة، حيث نال درجة البكالوريوس في الجيولوجيا والكيمياء لكنّ طموحه قاده إلى أوروبا، فحصل على درجتَي ماجستير من السويد وفرنسا، ثم الدكتوراه من جامعة غوتنغن الألمانية عن عمله في معهد ماكس بلانك لأبحاث المنظومة الشمسية — أحد أرقى مراكز علوم الفضاء في العالم.

تخصّص المعري في مجالٍ دقيق ومثير: جيومورفولوجيا أسطح الكواكب — أي دراسة تضاريس الكواكب والمذنّبات والأجرام الصغيرة والعمليات الفيزيائية التي تشكّلها. يجمع في أبحاثه بين تحليل بيانات الاستشعار عن بُعد، والنمذجة، والعمل المخبري، والعمل الميداني على الأرض في مواقع تشبه تضاريس الكواكب الأخرى. وقد شارك منذ عام ٢٠٠٦ في مهماتٍ فضائية لوكالتَي الفضاء الأوروبية (ESA) والأمريكية (NASA)، وله أكثر من ٩٥ ورقة بحثية محكّمة.

روزيتا: العالم الذي قرأ سيرة مذنّب

كان أبرز فصلٍ في مسيرة المعري هو مشاركته في مهمة روزيتا الأوروبية إلى المذنّب «تشوريوموف-غيراسيمنكو» (المعروف بـ67P) — المهمة التي حطّت عام ٢٠١٤ أوّل مسبارٍ بشري على سطح مذنّبٍ متحرّك في التاريخ. ظلّت روزيتا تدور حول المذنّب نحو عامين، تراقب سطحه بدقّةٍ تصل إلى أقل من المتر، وكان المعري من العلماء الذين قرأوا هذه البيانات وفسّروها.

في عام ٢٠١٧، قاد المعري دراسةً نُشرت في مجلة Science رصدت تغيّراتٍ مذهلة على سطح المذنّب: انهيار جرفٍ ضخم، وحركة صخرةٍ يبلغ قطرها ٣٠ متراً، وظهور شقوقٍ وحفرٍ جديدة — أول توثيقٍ مستمرٍّ في التاريخ لكيفية تغيّر مذنّبٍ وهو يقترب من الشمس. هذه التغيّرات كشفت أنّ المذنّبات أجرامٌ «حيّة» جيولوجياً، تتعرّض لعمليات تعرية وتفتّت وتسامي للجليد، تماماً كما تتغيّر سطوح الكواكب.

“مراقبة المذنّب باستمرار وهو يعبر النظام الشمسي الداخلي منحتنا نظرةً غير مسبوقة، لا عن كيفية تغيّر المذنّبات حين تقترب من الشمس فحسب، بل عن مدى سرعة حدوث هذه التغيّرات.”

بلوتو وحزام كايبر: استكشاف فجر النظام الشمسي

لم يتوقّف المعري عند المذنّبات. فقد انضمّ إلى فريق مهمة «نيو هورايزنز» (New Horizons) التابعة لناسا، التي مرّت ببلوتو عام ٢٠١٥، ثم واصلت رحلتها إلى أعماق حزام كايبر، المنطقة الثالثة من النظام الشمسي حيث تقبع أجرامٌ جليدية بدائية. كان هدف المعري من دراسة الجسم الجليدي «أرّوكوث» (Ultima Thule) أن يفهم كيف تبدو المذنّبات قبل أن تدخل النظام الشمسي الداخلي وتتعرّض للتغيّر.

“هذه فرصتنا للنظر إلى جسمٍ بدائيٍّ حقاً، ظلّ في تجميدٍ عميق لمدة ٤.٦ مليار سنة، ليمنحنا لمحةً عن الظروف التي كانت سائدة في النظام الشمسي المبكّر.”

كما شارك المعري في مهماتٍ مريخية مهمّة، من بينها فريقا كاميرتَي HiRISE على متن مركبة الاستطلاع المريخية، وCaSSIS على متن مهمة ExoMars الأوروبية. وهو اليوم عضوٌ في الفِرَق العلمية لمهماتٍ مستقبلية كبرى، منها مهمة «معترض المذنّبات» (Comet Interceptor)، ومهمة الدفاع الكوكبي «هيرا» (Hera)، وعربة ExoMars.

كويكبٌ باسمه: تكريمٌ نادر في السماء

في عام ٢٠٢٣، منح الاتحاد الفلكي الدولي (IAU) المعري واحداً من أندر التكريمات التي يمكن أن يحظى بها عالم: أطلق اسمه على كويكبٍ في الحزام الرئيسي، فأعاد تسمية الكويكب «2002 CZ» ليصبح (357148) El-Maarry، تقديراً لخدماته لمجتمع علوم الكواكب والفلك، وإسهاماته في فهم جيولوجيا المذنّبات.

كان هذا التكريم لحظةً تاريخية للإمارات ولعلوم الفضاء العربية. وتقديراً له، وجّه الشيخ حامد بن زايد آل نهيان، رئيس مجلس أمناء جامعة خليفة، بأن تُعرَض إنجازات المعري كقصةٍ رئيسية في مجلة الجامعة العلمية. وبهذا، انضمّ المعري إلى نخبةٍ نادرة من العرب الذين حملت أسماؤهم أجراماً سماوية، إلى جانب علماء مثل فاروق الباز ومصطفى شاهين.

جامعة خليفة: قيادة علوم الفضاء العربية

بعد محطاتٍ في جامعة بيرن السويسرية، وجامعة كولورادو، وبيركبيك بلندن، استقرّ المعري في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبوظبي، حيث يشغل اليوم منصب مدير مركز علوم الفضاء والكواكب، وأستاذ مشارك في قسم علوم الأرض. ومن هذا الموقع، يقود أبحاثاً للمهمة الإماراتية المرتقبة لاستكشاف حزام الكويكبات (EMA)، وبرنامج الإمارات لاستكشاف القمر.

وما يميّز دور المعري أنه لا يكتفي بالبحث، بل يبني جيلاً جديداً من علماء الكواكب العرب. فقد ساهم في تأسيس برامج علوم الكواكب في المنطقة، ويُشرف على طلاب دكتوراه من العالم العربي، ويحرّر كتباً علمية مرجعية، من بينها كتاب «الجليد في النظام الشمسي» الصادر عن دار النشر العالمية Elsevier.

خاتمة: العالم الذي ترك بصمته بين النجوم

قصّة رامي المعري ليست قصة هجرة عقلٍ فُقد، بل قصة عقلٍ عربيٍّ ترك بصمته في كل ركنٍ من المجموعة الشمسية: على المذنّبات، وعلى المريخ، وعند أطراف حزام كايبر، ثم عاد ليقود علوم الفضاء من قلب المنطقة العربية. فتىً درس الجيولوجيا في القاهرة، صار عالماً تقرأ أبحاثه وكالات الفضاء الكبرى، وحمل اسمَه كويكبٌ يدور في السماء منذ مليارات السنين.

وربما يكون الدرس الأهمّ في حكايته أنّ العلم رحلةٌ لا تنتهي. فالمذنّبات التي درسها هي بقايا فجر النظام الشمسي، والأسئلة التي يطرحها عنها تقودنا إلى أعمق لغزٍ في الوجود: كيف وُلدت الكواكب، وكيف وُلدنا نحن معها. رامي المعري واحدٌ من العرب الذين يكتبون اليوم فصولاً في هذه القصة الكونية — لا عنّا، بل لنا.

أبرز المصادر

  • صفحة الدكتور محمد رامي المعري الرسمية على موقع جامعة خليفة، أبوظبي.
  • وكالة الفضاء الأوروبية ESA (مارس ٢٠١٧) — «قبل وبعد: تغيّرات فريدة على مذنّب روزيتا»، بقيادة المعري.
  • The National ومكتب إعلام أبوظبي (٢٠٢٣–٢٠٢٤) — تسمية الكويكب (357148) El-Maarry وتكريم الشيخ حامد بن زايد.
  • BBC Sky at Night Magazine — حوار مع المعري حول مهمة New Horizons وحزام كايبر.
  • Egyptian Streets، وGoogle Scholar، ودار Elsevier (كتاب «الجليد في النظام الشمسي»).

شارك المقالة