علماء الكرياتين قد يساعد في مكافحة الاكتئاب

عبد الكريم عوير
الكرياتين والاكتئاب: هل يساعد في تحسين المزاج؟ | مراجعة علمية 2026

هل يمكن لمكمل الكرياتين، المعروف بتحسين الأداء الرياضي، أن يكون حلاً واعدًا لمكافحة الاكتئاب؟ مراجعة علمية جديدة نشرت في مجلة Brain Medicine تستعرض أحدث الدراسات حول تأثير الكرياتين على الدماغ والمزاج، وتكشف نتائج مثيرة لكنها غير حاسمة. في هذا المقال، نقدم لك خلاصة ما توصل إليه الباحثون حول الكرياتين والاكتئاب، مع تحليل للفوائد والمخاطر.

يُعد الكرياتين واحدًا من أكثر المكملات الرياضية شيوعًا في العالم، ويُستخدم على نطاق واسع لتحسين القوة والأداء العضلي. والآن، يستكشف الباحثون ما إذا كان قد يكون له فوائد تتجاوز بكثير صالة الألعاب الرياضية. نشرت مجلة “Brain Medicine” مراجعة منهجية جديدة فحصت ما إذا كان الكرياتين قد يساعد في تخفيف الاكتئاب من خلال دعم احتياجات الدماغ من الطاقة.

تقدم النتائج تفاؤلًا حذرًا، لكنها تسلط الضوء أيضًا على مقدار ما لا يزال مجهولًا. فبينما أبلغت بعض التجارب السريرية عن تحسينات ملحوظة في أعراض الاكتئاب، لم تجد تجارب أخرى أي فائدة على الإطلاق، تاركة العلماء أمام سؤال مثير للاهتمام بدلاً من إجابة واضحة.

مراجعة الأدلة السريرية

بدلاً من إجراء تجربة جديدة، حلل الباحثون بقيادة بسام جريوس فارس من جامعة أوتاوا الأبحاث الموجودة. بعد مراجعة الأدبيات المتاحة، حددوا ستة تقارير منشورة تغطي خمس تجارب عشوائية محكومة، تلقى فيها المشاركون إما الكرياتين أو دواءً وهميًا دون معرفة العلاج الذي يتناولونه.

أُجريت الدراسات في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة والبرازيل وإسرائيل والهند. وشملت مجتمعة 238 مشاركًا في بداية التجارب، حيث تلقى 126 منهم الكرياتين و112 تلقوا الدواء الوهمي. بلغ متوسط عمر المشاركين 36 عامًا، وكان معظمهم من النساء. شملت دراستان النساء فقط.

ركزت أربع تجارب على الأشخاص المصابين باضطراب الاكتئاب الرئيسي، بينما شملت واحدة مشاركين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب وكانوا يمرون بنوبة اكتئابية. ونظرًا لأن الدراسات اختلفت بشكل كبير في تصميمها وأساليبها، لم يقم الباحثون بدمج البيانات في تحليل إحصائي واحد، بل قاموا بتقييم كل دراسة على حدة.

نتائج متباينة عبر دراسات الاكتئاب

وجدت اثنتان من التجارب الخمس، وكلتاهما شملت نساء مصابات باضطراب الاكتئاب الرئيسي، أن الكرياتين قدم فوائد إضافية. في إحدى الدراسات، أظهر المشاركون الذين تناولوا خمسة غرامات من الكرياتين يوميًا إلى جانب مضاد الاكتئاب “إسيتالوبرام” انخفاضًا أكبر في أعراض الاكتئاب بعد ثمانية أسابيع مقارنة بأولئك الذين تلقوا الإسيتالوبرام مع دواء وهمي. اعتُبر التحسن كبيرًا وفقًا للمعايير الإحصائية التقليدية، حيث بلغ معامل كوهين d 1.13 على مقياس هاميلتون لتقييم الاكتئاب، وحقق عدد أكبر من المشاركين حالة الشفاء.

كما ربطت دراسة أخرى الكرياتين بالعلاج السلوكي المعرفي. أظهر المشاركون الذين تلقوا الكرياتين انخفاضًا أكبر في أعراض الاكتئاب وفقًا لتقييم معياري مقارنة بأولئك الذين تلقوا العلاج مع دواء وهمي.

ومع ذلك، لم تجد التجارب الثلاث المتبقية أي فائدة ذات معنى.

أفادت إحدى الدراسات أن neither خمسة ولا عشرة غرامات من الكرياتين يوميًا حسنت الأعراض لدى الأشخاص الذين لم يستجب اكتئابهم للأدوية. ووجدت دراسة أخرى عدم وجود ميزة على الدواء الوهمي بين الفتيات المراهقات، حتى عند اختبار جرعات مختلفة. كما أظهرت تجربة ثالثة شملت أشخاصًا يعانون من الاضطراب ثنائي القطب عدم وجود تحسن.

كما لاحظ الباحثون وجود قلق مهم يتعلق بالسلامة. أصيب اثنان من المشاركين المصابين بالاضطراب ثنائي القطب وتلقوا الكرياتين بنوبات من الهوس الخفيف أو الهوس، مما يشير إلى أن الكرياتين قد يؤثر على الأشخاص بشكل مختلف اعتمادًا على حالتهم الأساسية.

لماذا يعتقد العلماء أن الكرياتين قد يؤثر على الدماغ

تنبع فكرة أن الكرياتين قد يؤثر على الاكتئاب من الاحتياجات الهائلة للدماغ من الطاقة.

على الرغم من أن الكرياتين معروف بقدرته على مساعدة العضلات في إعادة توليد الأدينوزين ثلاثي الفوسفات بسرعة، وهو الجزيء الذي يمد الخلايا بالطاقة، إلا أن الدماغ يعتمد أيضًا بشكل كبير على نظام الطاقة هذا. وجدت الأبحاث السابقة تغيرات في استقلاب الكرياتين في الدماغ بين الأشخاص المصابين باضطرابات المزاج، مما دفع العلماء إلى التحقيق فيما إذا كانت الاضطرابات في إنتاج الطاقة الخلوية قد تساهم في الاكتئاب.

قد يؤثر الكرياتين أيضًا على الدوبامين والسيروتونين، وهما ناقلان عصبيان يلعبان أدوارًا مهمة في تنظيم المزاج، وهما المستهدفان للعديد من الأدوية المضادة للاكتئاب.

ومع ذلك، يؤكد مؤلفو المراجعة أن هذه الروابط لا تزال نظرية. تُظهر الدراسات الحالية ارتباطات وليست دليلاً على أن تغير استقلاب الكرياتين يسبب الاكتئاب بشكل مباشر، كما أن الاضطراب نفسه يشمل العديد من المسارات البيولوجية.

قال بسام جريوس فارس، المؤلف الأول للمراجعة والطالب في كلية الطب بجامعة أوتاوا: “الإشارة مثيرة للاهتمام، لكنها ليست حكمًا قاطعًا. أشارت تجربتان في اتجاه واحد وثلاث في اتجاه آخر. هذا ليس النوع من الأدلة الذي يمكنك على أساسه تغيير الممارسة السريرية. بل هو النوع الذي يخبرك بأن السؤال يستحق مزيدًا من الاستكشاف”.

كما حث نيكولاس فابيانو، المؤلف المراسل والمقيم في الطب النفسي بجامعة أوتاوا، على الحذر أيضًا.

“يبدو الكرياتين تدخلًا آمنًا. كانت الأحداث الضائرة التي وجدناها مقتصرة على انزعاج معدي خفيف. لا يمكننا حتى الآن أن نقول بشكل موثوق إن الكرياتين يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب أو إذا كانت النتائج قابلة للتعميم على الجميع”.

لا تزال هناك حاجة لدراسات أكبر

يؤكد الباحثون أن الأدلة الحالية محدودة للغاية بحيث لا تدعم الاستخدام الروتيني للكرياتين لعلاج الاكتئاب.

كانت التجارب السريرية صغيرة نسبيًا، وشملت عددًا غير متناسب من النساء مقارنة بالرجال، وتباينت في الجودة. حُكم على دراستين بأن لديهما خطر منخفض للتحيز، بينما أثارت الثلاث المتبقية بعض المخاوف، المتعلقة بشكل أساسي بتوزيع المشاركين والبيانات المفقودة. ونتيجة لذلك، لا يمكن تطبيق النتائج على نطاق واسع بعد.

تدعو المراجعة إلى إجراء تجارب سريرية أكبر وأطول تمتد لأكثر من ثمانية أسابيع. يوصي الباحثون أيضًا بدراسة الكرياتين إلى جانب التمارين الرياضية والتحقيق فيما إذا كانت الجرعات المختلفة تؤدي إلى نتائج أفضل، مع الاعتراف بأن الجرعات الأعلى قد لا تؤدي بالضرورة إلى فوائد أكبر.

قد تقدم الدراسات على الحيوانات دليلًا آخر. أظهرت التجارب أن الكرياتين يمكن أن يؤثر على السلوك الشبيه بالاكتئاب بشكل مختلف في ذكور وإناث القوارض، وهو اكتشاف قد يساعد في تفسير سبب إنتاج الدراسات البشرية التي شملت غالبية من النساء لأقوى النتائج الإيجابية.

في الوقت الحالي، يبقى الكرياتين احتمالًا مثيرًا للاهتمام وليس علاجًا مثبتًا. مكمل غذائي ارتبط طويلاً ببناء العضلات يجذب الآن اهتمامًا متزايدًا من العلماء الذين يبحثون عن طرق جديدة لعلاج الاكتئاب.

نُشر المقال البحثي الذي خضع لمراجعة الأقران، بعنوان “الكرياتين كعلاج للاكتئاب”، في مجلة “Brain Medicine” وسيكون متاحًا عبر الوصول المفتوح اعتبارًا من 30 يونيو 2026.


شارك المقالة